لماذا لا تفلح العقوبات المفروضة على روسيا؟   
الأربعاء 12/6/1436 هـ - الموافق 1/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:54 (مكة المكرمة)، 10:54 (غرينتش)

أندري كوليسنيكوف

إن النهج الغربي في التعامل مع روسيا يقوم على افتراض مفاده أن الضغط المستمر على البلاد كفيل بإرغام نظام الرئيس فلاديمير بوتين على تقديم التنازلات أو حتى التسبب في انهياره.

والواقع أن لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الافتراض.

العقوبات وتحويل الرأي العام الروسي
الطبقة الوسطى تؤيد بوتين

العقوبات وتحويل الرأي العام الروسي
يتلخص الافتراض الذي يؤسس لكفاءة العقوبات الغربية في افتراض مفاده أن التدهور الاقتصادي الحاد الناتج عن العقوبات من شأنه أن يحول الرأي العام الروسي، وخاصة النخبة المالية والسياسية، ضد الكرملين. ولن يتمكن بوتين من الصمود في مواجهة المعارضة المتصاعدة من المناطق الحضرية الغنية والطبقة المتوسطة المزدهرة في البلاد.

ما فشل صناع السياسات في الغرب في فهمه هو أن نهج الضغوط والعقوبات من غير المرجح أن ينجح في تقويض نظام بوتين بل على الأرجح أنه سيتسبب في دفع الروس إلى توحيد الصفوف من خلفه

من ناحية أخرى، فإن الضغوط العسكرية -وفقاً لهذا الفِكر في هيئة تقديم أسلحة فتاكة لأوكرانيا- من شأنها أن تعبئ الروس العاديين على نحو مماثل ضد بوتين. ولأنهم غير مستعدين لرؤية أبنائهم يموتون من أجل إقليم دونباس، فإنهم سوف يشكلون حركة مناهضة للحرب من شأنها أن ترغم بوتين على كبح جماح طموحاته الإقليمية. ومن خلال الضغوط المتزامنة من أعلى ومن أسفل، سوف يضطر الكرملين إلى تغيير سياساته، بل وربما يبدأ حتى في التحول إلى الديمقراطية.

وما فشل صناع السياسات في الغرب في فهمه هو أن مثل هذا النهج من غير المرجح أن ينجح في تقويض النظام، بل الأرجح أنه سيتسبب في دفع الروس إلى توحيد الصفوف من خلفه. وتُظهِر استطلاعات الرأي أن الروس يرون أن الضغوط والعقوبات الغربية لا تستهدف بوتين ورفاقه، بل روسيا ومواطنيها. ففي يناير/كانون الثاني، دعم 69% من الروس سياسة الكرملين في أوكرانيا، وفقاً لاستطلاع رأي أجراه مركز ليفادا المستقبل.

لا شك أن دعم بوتين ثابت كالصخر، بل إن الشكوك في واقع الأمر واسعة الانتشار حول الفساد في حكومته. ولكن الروس يتبعون تقليداً قديماً يتمثل في الدفاع عن مواطنيهم في مواجهة الغرباء. وفي هذه الحالة، كان المواطنون المعرضون للهجوم هم بوتين وحكومته.

وتستغل الدعاية الروسية بئراً عميقة من المشاعر القومية، فتلعب بدهاء على مشاعر وصور من الحرب العالمية الثانية المعروفة في روسيا باسم الحرب الوطنية العظمى. وتظل جهود الدفاع عن البلاد ضد الغزو الألماني مقدسة في نظر العديد من الروس. ولهذا السبب أعاد الكرملين تجميع مصطلحات تاريخية مهينة مثل "النازيين" في الإشارة إلى النخبة السياسية الحالية في أوكرانيا.

كان المجتمع الروسي معسكراً لعقود، بل وربما لقرون من الزمان. وكان الاستعداد العسكري من القيم المشتركة الأكثر أهمية في الاتحاد السوفياتي، وهو الشعور الذي يتجلى في الشعار الذي يزين الشارات التي توزع على الأطفال المتفوقين في الألعاب الرياضية: "مستعد للعمل والدفاع".

الطبقة الوسطى تؤيد بوتين
وفي هذا السياق تمكن بوتين من استخدام الضغوط الغربية كأداة لاستعادة تأييد العديد من الروس، الذين كانوا قبل بضع سنوات فقط يشعرون بالانفصال عن حكومته. وعندما يشعر الروسي العادي بتهديد حقيقي أو متوهم لبلاده، فإنه يؤيد قادة البلاد.

وحتى أبناء الطبقة المتوسطة، التي تشكل نحو 20% إلى 30% من السكان، من غير المرجح أن يفرضوا تهديداً كبيراً لبوتين.

فلأن العديد من المنتمين إلى هذه الطبقة مدينون بثرواتهم الحديثة لأسعار النفط المرتفعة والتعافي الاقتصادي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن الولاء لنظام بوتين يُعَد من بين السمات الثابتة بين أبناء الطبقة المتوسطة في روسيا.

تمكن بوتين من استخدام الضغوط الغربية كأداة لاستعادة تأييد العديد من الروس الذين كانوا قبل بضع سنوات فقط يشعرون بالانفصال عن حكومته

تميل استطلاعات الرأي الروسية والبحوث الاجتماعية إلى إظهار أن ارتفاع مكانة المرء في المجتمع يعني زيادة ميله إلى التصويت لشاغلي المناصب. وقد تختلف الدوافع وراء أنماط التصويت هذه، فقد جمع بعض الناخبين ثروة كبيرة خلال فترة التعافي الاقتصادي، في حين يشعر آخرون ببساطة بالرضا عن الوضع الراهن. ولكن الخلاصة هي أن مثل هؤلاء الناخبين يظهرون الولاء بشكل أساسي للدولة والنظام.

والواقع أن قِلة قليلة من أبناء الطبقة المتوسطة حضروا الاحتجاجات التي احتشدت قواها في أواخر 2011 وأوائل 2012، وكان أغلبهم يتركزون في موسكو. وفي كل الأحوال، كانت حملة بوتين ضد المعارضة صارمة كما هو متوقع. فقد أحكم تشديد التشريعات الرامية إلى خنق المجتمع المدني، وأقام الدعاوى القضائية ضد المحتجين، وحظر نشاط أليكسيس نافالني، السياسي المعارض الواعد. وقد خلفت هذه الجهود أثراً دائماً على المجموعات التي كانت في قلب حركة الاحتجاج.

لقد أظهر الروس من كافة مناحي الحياة أنهم يفضلون التكيف السلبي على الاحتجاج. وفي مواجهة الضغوط الاقتصادية المتنامية، يبتعد أبناء الطبقة المتوسطة في روسيا عن المشاركة السياسية. ولا يختلف عنهم في ذلك أبناء الطبقة العاملة. وكلما زاد الغرب من ضغوطه تضاءلت احتمالات تغير هذا الواقع.
ـــــــــــــــ
كبير زملاء ورئيس برنامج السياسة الداخلية والمؤسسات السياسية الروسية في مركز كارنيغي موسكو.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة