هل يخسر الدولار مركزه كأول عملة للاحتياطي العالمي؟   
الأحد 2/4/1430 هـ - الموافق 29/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 12:55 (مكة المكرمة)، 9:55 (غرينتش)

اضغط للتكبير

                                                           

                                                               محمد طارق   

تبوأ الدولار الأميركي لعدة عقود عرش الاحتياطيات العالمية من بين العملات الأجنبية بحيث اتجهت جميع الحكومات والمؤسسات العالمية إلى الاحتفاظ بكميات من الاحتياطي الدولاري كجزء من احتياطياتها من العملات الأجنبية للحماية من تقلبات في عملاتها الأقل استقرارا.

 

ويعني اكتساب الدولار موقع عملة الاحتياطي الأولى في العالم أن جميع السلع بما في ذلك النفط والذهب وغيرهما يتم الاتجار بها بالدولار فقط، ما دفع بالتالي إلى تزايد الطلب على الدولار باعتباره الورقة الخضراء التي بواسطتها يستطيع التجار الوصول إلى السلع.

 

وقد أدت زيادة الطلب على العملة الأميركية في العقود الماضية إلى زيادة قيمتها.

 

لكن ثمة مؤشرات على أن دور الدولار كعملة رئيسية للاحتياطيات في العالم بدأ يتراجع، وقد يؤدي ذلك بالتالي إلى تراجع قيمة العملة الأميركية على المدى البعيد.

 

وحتى دون القناعة التامة بهذه الفكرة فإن الكثيرين قد بدؤوا بالفعل يتساءلون عن إمكانية التحوط على المدى البعيد من تقلبات العملة الأميركية.

 

تغيير الدولار

كانت دعوة الصين الأسبوع الماضي لاستبدال عملة عالمية بالدولار دعوة مشابهة من روسيا سابقا.

"
انخفضت احتياطيات العالم من الدولار من 70.9% عام 1999 إلى 63.9% في عام 2007 بينما ارتفعت حصة العملة الأوروبية الموحدة من 17.9% في 1999 -وهو العام الذي صدرت فيه- إلى 26.5% في 2007
"

 

وأوصت الأسبوع الماضي لجنة شكلتها الأمم المتحدة من كبار الخبراء الاقتصاديين بوضع نظام جديد للاحتياطيات النقدية الدولية بدلا من الدولار الأميركي. وانتقدت اللجنة بشدة استخدام الدولار عملة احتياطيات دولية، ووصفته بأنه نظام غير مستقر ويصب في مصلحة الولايات المتحدة.

 

لكن رئيس صندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس كان أبدى ثقته في الدولار، قائلا إنه لا يواجه تهديدا في الوقت الراهن، واصفا المطالب باعتماد نظام جديد للاحتياطيات الدولية بعيدا عن العملة الأميركية بأنها "غير مستساغة". وقبله رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما الفكرة -كما هو متوقع- وأكد قوة الدولار بسبب ثقة العالم في اقتصاد بلاده.

 

لكن ما أسس هذه الثقة؟

من الناحية التاريخية كان الاقتصاد الأميركي الأقوى في العالم والأكثر استقرارا، لذلك سعت الدول للحفاظ على معظم احتياطياتها بالدولار من أجل تجنب مخاطر انخفاض عملاتها.

 

لكن بعد تدهور الاقتصاد الأميركي بعد أزمة الرهن العقاري والأزمة المالية التي زعزت استقرار النظام المالي العالمي وانخفاض سعر صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى في العالم خاصة اليورو، ظهرت مطالبات بالبحث عن بديل.

 

وفي وقت يخضع الاقتصاد الأكبر في العالم لأصعب اختبار في نصف قرن وتدور الشكوك بشأن وضع العملة الأميركية كملاذ آمن، تطرح تساؤلات عن استمرار لعب الدولار دور العملة الرئيسية للاحتياطيات العالمية.

 

والمطالبة بتغيير الدولار كعملة للاحتياطيات ليست جديدة لكن البيئة الاقتصادية المحيطة حاليا هي الأصعب على الإطلاق.

 

وقد أصبحت فكرة إحلال سلة من العملات مقنعة جدا حتى إنه ستتم دراستها في قمة العشرين التي تعقد في لندن في الثاني من أبريل/نيسان القادم في وقت ينظر أيضا إلى اليورو بأنه المنافس القوي للدولار.

 

موقع اليورو

اليورو المنافس الأول للدولار(الأوروبية-أرشيف)
يعتبر اليورو حاليا ثاني أكبر عملة احتياطي في العالم بعد الدولار. ففي العقد الأخير مثل الدولار ثلثي احتياطيات العالم بينما مثل اليورو الربع.

 

وفي سبتمبر/أيلول 2007 تنبأ رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي آنذاك ألان غرينسبان بأن يحل اليورو محل الدولار في المستقبل كأول عملة احتياطي في العالم أو على الأقل أن يتم التعامل معه كعملة احتياطي أولى مثل الدولار.

 

ويؤيد اقتصاديون هذا الاتجاه إذا انضمت بريطانيا إلى منطقة اليورو وإذا استمر ضعف العملة الأميركية.

 

وبالمقارنة فقد انخفضت احتياطيات العالم من الدولار من 70.9% عام 1999 إلى 63.9% في عام 2007، بينما ارتفعت حصة العملة الأوروبية الموحدة من 17.9% في 1999 -وهو العام الذي صدرت فيه- إلى 26.5% في 2007 كما زادت حصة الجنيه الإسترليني من 2.9% إلى 4.7% في نفس الفترة.

 

وقد انخفض سعر صرف الدولار بنسبة 30% مقابل اليورو منذ 2001، كما انخفض مقابل العملات الأخرى بنسب متفاوتة.

 

مصدر قوة الدولار

أصبح النظام النقدي الدولي أسيرا لاتفاقية بريتون وودز بعد الحرب العالمي الثانية، التي وضعت الدولار في منتصف هذا النظام بينما ضمنت الحكومة الأميركية للبنوك المركزية الأخرى إعادة بيع احتياطياتها من الدولارات بثمن محدد مقابل الذهب في أي وقت. وقامت الدول الأخرى بعد الحرب مثل اليابان بخفض عملاتها بصورة متعمدة مقابل الدولار لدعم صادراتها وتعزيز التنمية المحلية.

 

وفي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي انهار هذا النظام تحت ضغوط بزوغ قوة الدول الأخرى وتعاظم عجوزات الموازنة الأميركية.

 

لكن الدولار بقي القوة الرئيسية في العالم بسبب عدم وجود المنافس.

 

وفي السنوات الأخيرة اتجه العديد من الدول خاصة الآسيوية منها مثل الصين إلى تكديس احتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية، خاصة الدولار، وإلى خفض قيمة عملاتها من أجل زيادة قدرة صادراتها على المنافسة ولاحتواء تدفق العملات الأجنبية وتجنب أزمات كالأزمة المالية التي عصفت باقتصادات آسيا في تسعينيات القرن الماضي.

 

انخفاض سعر الدولار

"
تدهور وضع الولايات المتحدة من أكبر دولة دائنة في العالم في عام 1965 إلى أكبر دولة مدينة حاليا
"
ورغم أن العملة الأميركية تحتل الموقع الأول في احتياطايات العالم من العملات الأجنبية، فإن ذلك لم يمنع تدني قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى في العالم خاصة الصيف الماضي في ذروة الأزمة المالية قبل أن يصحح وضعه في الأشهر اللاحقة.

 

وقد تأثر سعر صرف الدولار بعدة عوامل منها العجز الضخم في الميزان الجاري، ويعني ذلك أن الولايات المتحدة تستورد أكثر مما تستهلك ما يضع ضغوطا على الدولار.

 

يضاف إلى ذلك انخفاض الطلب على سندات الخزينة الأميركية حيث كانت الولايات المتحدة تمول عجز الحساب الجاري بتدفقات رؤوس الأموال من الخارج عندما كانت دول مثل الصين تشتري ديون الخزانة الأميركية باستمرار. وقد حافظ ذلك على قيمة الدولار الأميركي لكن بعض الدول الآسيوية بدأت تنوع احتياطياتها بعيدا عن الدولار بسبب ضعف الاقتصاد الأميركي ما وضع ضغوطا على العملة الأميركية.

 

ومن العوامل الأخرى التي أثرت على سعر صرف الدولار أزمة الرهن العقاري التي أثارت مخاوف المستثمرين من السوق الأميركية، إضافة إلى انخفاض الثقة بسبب صعود اقتصادات أخرى في العالم وضعف الثقة في الاقتصاد الأميركي بشكل عام وبقوة الولايات كأعظم قوة في العالم.

 
زادت حصة الجنيه الإسترليني من 2.9% إلى 4.7% بين عامي 1999 و2007 (الفرنسية-أرشيف)
 
 

ضغوط أخرى

وتدهور وضع الولايات المتحدة من أكبر دولة دائنة في العالم في عام 1965 إلى أكبر دولة مدينة حاليا.

 

وطبقا لأرقام رسمية فإن الدين القومي العام للولايات المتحدة يصل حاليا إلى 10.64 تريليونات دولار.

 

ويشمل هذا الدين كل الديون الحكومية الداخلية والخارجية لكنه لا يشمل التزامات حكومية أخرى مثل معاشات الموظفين العسكريين والمدنيين والامتيازات الصحية لأصحاب المعاشات والضمانات الحكومية للقروض التي قد تزيد الدين بمقدار 1.5 تريلوين دولار أخرى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة