أداء الاقتصاد المغربي في ظل قيادة الإسلاميين   
الثلاثاء 1/5/1437 هـ - الموافق 9/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:24 (مكة المكرمة)، 15:24 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

مظاهر التحسن
التحديات

تصاعد دور الحركات الإسلامية في الحياة السياسية بالمنطقة العربية خلال الفترة الماضية، وكان من ثمرة ذلك أن أتى حزب العدالة والتنمية المغربي على رأس الحكومة في يناير/كانون الثاني 2012 عبر ائتلاف حكومي مكن عبد الإله بنكيران من رئاسة هذه الحكومة التي أعيد تشكيلها مرة أخرى بقيادة نفس الحزب ورئاسة بنكيران أيضا في أكتوبر/تشرين الأول 2013 بعد انسحاب حزب الاستقلال من الائتلاف الحكومي.

وقد أعلنت الحكومة المغربية أن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستُجرى في أكتوبر/تشرين الأول القادم ليكون قد مضى على ولايتها أربع سنوات، ومن الضروري الوقوف على حقيقة أداء الاقتصاد المغربي في ظل تولي حزب العدالة والتنمية قيادة الحكومة، وذلك من خلال رصد أهم المؤشرات الاقتصادية ومعرفة مظاهر التحسن، والتحديات.

مظاهر التحسن
توضح البيانات والإحصاءات الاقتصادية للمؤسسات الدولية أو تلك الصادرة عن الحكومة المغربية وجود تحسن في بعض المؤشرات الاقتصادية، منها ما يلي:

زيادة الناتج المحلي
حسب إحصاءات قاعدة بيانات البنك الدولي، فإن قيمة الناتج المحلي الإجمالي في المغرب ارتفعت من 98.2 مليار دولار في عام 2012 إلى 110 مليارات دولار في عام 2014، وحسب توقعات صندوق النقد الدولي لأداء الناتج المغربي في عام 2015، فإنه يقدر له أن يكون بنحو 103 مليارات دولار.

وفي ضوء الأرقام بشكلها المطلق، فإن هناك زيادة ملموسة في قيمة الناتج بلغت 11.8 مليار دولار في عام 2014 مقارنة بعام 2012 الذي تولت فيه حكومة حزب العدالة والتنمية السلطة، بينما تقلصت هذه الزيادة على الرغم من بقاء أداء الناتج إيجابيا لتصل في عام 2015 إلى 4.8 مليارات دولار مقارنة بعام 2012.

هناك زيادة ملموسة في قيمة الناتج بلغت 11.8 مليار دولار في عام 2014 مقارنة بعام 2012 الذي تولت فيه حكومة حزب العدالة والتنمية السلطة

وفي تفسير لطبيعة مكونات الناتج المغربي توضح دراسة للمندوبية السامية للتخطيط بالمغرب (يناير/كانون الثاني 2016) أن قطاع الخدمات يتصدر القطاعات الاقتصادية الأخرى -مثل الزراعة والصناعة- من حيث الاستحواذ على الاستثمارات أو إتاحة فرص العمل.

ففي الوقت الذي بلغت فيه الزيادة السنوية للاستثمارات بقطاع الخدمات 5.2% خلال الفترة من 1998-2014 كان نصيب الصناعة والزراعة في نفس الفترة من نمو الاستثمارات 4.9% و1.2% على التوالي.

وفي حين كانت قطاعات الصناعة والزراعة مصدرا لفقدان فرص العمل كان قطاع الخدمات معوضا لهذه القطاعات بشكل رئيس، حيث وفر فرص عمل تصل إلى 84 ألفا وخمسمئة فرصة عمل في المتوسط سنويا خلال الفترة من 1999-2014.

ونخلص من هذه الأرقام إلى أنه على الرغم من التحسن الحادث في قيمة الناتج المحلي الإجمالي المغربي فإن الخلل الهيكلي لا يزال موجودا، حيث تتآكل القاعدة الإنتاجية في قطاعي الصناعة والزراعة لصالح قطاع الخدمات، وهو ما يكرس تبعية الاقتصاد المغربي للخارج.

وقد ساعدت عوامل خارجية على ازدهار قطاع الخدمات بالمغرب، منها حالة عدم الاستقرار في دول المنطقة مثل مصر وتونس، مما أنعش قطاع السياحة بالمغرب، ليس فقط على صعيد الجذب السياحي وزيادة عدد السياح، ولكن من خلال تدفق الاستثمارات لقطاع السياحة من خارج المغرب، خاصة تونس.

ونتيجة التحسن الذي شهده أداء قطاع الخدمات بوجه خاص، والناتج المحلي بشكل عام فقد تراجعت معدلات البطالة في المغرب من 9% في عام 2012 إلى 7.8% في النصف الأول من عام 2015، أي أن هناك تراجعا بمقدار 1.2 نقطة مئوية في أعداد العاطلين.

تراجع عجز الموازنة
اتخذت حكومة بنكيران مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التي ساعدتها على تقليص عجز الموازنة بنسبة كبيرة، ففي عام 2012 بلغ عجز الموازنة 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه انخفض على مدار الفترة من 2013-2015 إلى نحو 5.2% و4.9% و4.3% على التوالي.

وبذلك تظهر المقارنة بين عامي 2012 و2015 بخصوص عجز الموازنة في المغرب تراجعا إيجابيا في هذا المؤشر بثلاث نقاط مئوية، وقد ساعد في ذلك عدة عوامل، منها ما تبنته حكومة بنكيران من تحرير أسعار الطاقة وتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة، ومكنها هبوط أسعار النفط في السوق العالمية من مواصلة سياسة رفع دعم الوقود بأقل تكلفة اجتماعية.

كما أدى تحسن أداء قطاع الزراعة في عام 2014 نتيجة هطول الأمطار بمعدلات جيدة إلى خفض واردات المغرب من الحبوب والاعتماد على المنتج المحلي، وبالتالي ساهم ذلك في تخفيف أعباء الموازنة العامة من الدعم المخصص لاستيراد الحبوب، وحسن كذلك أداء الميزان التجاري.

تراجع معدلات الفقر
تشير دراسة للمندوبية السامية للتخطيط في المغرب بعنوان "المغرب بين أهداف الألفية من أجل التنمية وأهداف التنمية المستدامة" الصادرة في أغسطس/آب 2015 إلى تراجع معدلات الفقر بشكل عام في المغرب عما كانت عليه عام 2007، فعلى صعيد الفقر متعدد الأبعاد تراجعت نسبته من 9.8% من السكان في 2007 إلى 6% فقط، كما تراجعت نسبة الفقر وفق مؤشر الفقر الوطني من 8.9% في عام 2007 إلى 4.2%، أما ثالث مؤشرات الفقر فهو مؤشر الفقر الغذائي، وقد تراجع من 0.9% في عام 2007 إلى 0.1%.

التحديات
تواجه الحكومة المغربية مجموعة من التحديات التي تقف عائقا أمام طموحاتها الاقتصادية التي أعلنت عنها عبر برنامج حزب العدالة والتنمية عام 2011 الذي مكنها من الحصول على المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية بالاستحواذ على نسبة 27% من مقاعد البرلمان، وكذلك بنسبة مقاربة في انتخابات المحليات التي أجريت في سبتمبر/أيلول 2015، حيث حل حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى كذلك من حيث نصيبه من عضوية المجالس المحلية.

لا تزال خطط حزب العدالة والتنمية تتسم بالأداء التقليدي في ما يتعلق ببنية الناتج المحلي المغربي، حيث تسيطر عليه الموارد التقليدية لقطاع الخدمات أو الصناعات التقليدية

ورغم هذه النجاحات السياسية والانتخابية فإن الأوضاع الاقتصادية لها محددات أخرى تتطلب المزيد من الإجراءات والسياسات الاقتصادية التي يمكن أن تنقل المغرب بالفعل من دولة نامية إلى مصاف الدول الصاعدة، ومواجهة تحديات البطالة وإشكالية العمالة الحكومية واستحقاقات المتقاعدين، وفي ما يلي نتناول أبرز تلك التحديات:

-الحصول على الأغلبية: لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على النسب التي تمكنه من تشكيل الحكومة المغربية منفردا، وبالتالي يظل وجود حكومة ائتلافية -وإن كان حزب العدالة والتنمية يترأسها- أحد التحديات المهمة، فلا شك في أن حكومة واحدة لحزب واحد هي الوسيلة الناجعة لاختبار برنامج الحزب بشكل كامل.

-لا تزال خطط حزب العدالة والتنمية تتسم بالأداء التقليدي في ما يتعلق ببنية الناتج المحلي المغربي، حيث تسيطر عليه الموارد التقليدية لقطاع الخدمات أو الصناعات التقليدية، أو الإيرادات السياحية، ولم تبرز بعد وعود الحزب بالانتقال إلى اقتصاديات المعرفة، ودخول المغرب مضمار الصناعات عالية التكنولوجية.

-تركز العلاقات الخارجية: لا يزال المغرب مرتبطا في إطار تعاملاته الخارجية بمحيط الاتحاد الأوروبي بشكل رئيس، وقد عانى خلال الفترة الماضية من حالة الركود التي مرت بها الدول الأوروبية بسبب الأزمة الاقتصادية والمالية التي ألمت بها، مما أثر على تحويلات المغتربين في تلك الدول إليه، وكذلك على حركة الصادرات.

-ارتفاع الديون الخارجية: بلغ الدين العام الخارجي للمغرب نحو 33.8 مليار دولار في عام 2012، وارتفع إلى 42.7 مليار دولار في 2015، أي أن هناك زيادة تصل إلى قرابة تسعة مليارات دولار بنسبة تصل إلى 26.3% بين عامي المقارنة.

في الختام، يمكننا القول إن تجربة الإسلاميين بالمغرب لمواجهة التحديات الاقتصادية وإحداث تجربة تنموية ما زالت في مهدها، وهي محاطة بعوامل إقليمية ودولية غير مواتية، وإذا ما سمحت نتائج الانتخابات البرلمانية القادمة بوجود حزب العدالة والتنمية في السلطة منفردا فسيعطي ذلك فرصة أكبر لتقييم التجربة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة