الضربة البريطانية لأسواق النفط   
الأحد 22/9/1437 هـ - الموافق 26/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:37 (مكة المكرمة)، 14:37 (غرينتش)

أنس بن فيصل الحجي


الأثر المباشر
الأثر غير المباشر
الأثر في نفط بحر الشمال
الأثر في صناعة التكرير الأوروبية
الأثر في الطاقة المتجددة
الأثر في الغاز الطبيعي
الخلاصة

خسر الجميع وربح بوتين! قد تكون هذه هي النتيجة النهائية للاستفتاء البريطاني الذي نتج عنه قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي. لقد وجّه البريطانيون ضربة موجعة لأسواق النفط في نهاية الأسبوع الماضي حيث انخفضت الأسعار بشكل كبير، إلا أن نتيجة الاستفتاء وما قد يليها من تطورات في بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى ستؤثر سلبا في أسواق الطاقة بشكل عام -والنفط والغاز بشكل خاص- لسنوات قادمة. هذه الآثار بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر. بعضها على المدى القصير، وبعضها على المديين المتوسط والطويل.

إن أكثر ما نخشاه هو حدوث كساد اقتصادي في أوروبا يفاقم من مشاكل الاقتصاد العالمي، ويرمي باللاجئين مرة أخرى في البحر. عندها يتحول قرار سياسي لبعض الناس إلى كارثة إنسانية واقتصادية وسياسية وبيئية.

ولكنّ هناك احتمالا بأن يحصل العكس تماما بحيث تحقق دول الاتحاد نموا اقتصاديا أفضل، يزيد من استقرارها السياسي، ويزيد طلبها على النفط. إلا أن هذا لن يحصل في المدى القريب، وإنما قد يتحقق في المديين المتوسط والبعيد.

الأثر المباشر
يتعلق الأثر المباشر لخروج بريطانيا بمعدلات النمو الاقتصادي في دول الاتحاد. وهناك احتمالان متضادان: احتمال انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، واحتمال ارتفاعها. ولكل احتمال مسوغاته.

موظفون يتوجهون إلى أعمالهم في وسط لندن (الأوروبية)

حالة انخفاض النمو الاقتصادي تؤدي إلى انخفاض الطلب على النفط والغاز المسال، وبالتالي انخفاض أسعارهما. هذا لا يعني بالضرورة أن المحصلة النهائية لخروج بريطانيا هي انخفاض في معدلات النمو الاقتصادي، وإنما يعني أن مرحلة الخروج تتطلب تغييرا كبيرا، وهذا التغيير يخفض من معدلات النمو الاقتصادي في أغلب دول الاتحاد أو كلها.

التغييرات هنا تشبه إلى حد ما استبدال خط الإنتاج في مصنع بخط إنتاج أكثر كفاءة، إذ تعني فترة التغيير توقف أو تباطؤ الإنتاج. ولكن احتمال حصول تباطؤ على المدى الطويل وارد أيضا في ظل انخفاض معدلات التبادل التجاري وانتهاء حرية حركة العمال ورأس المال وزيادة الضرائب والرسوم وهروب الشركات من بريطانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي من جهة، ومن دول الاتحاد الأوروبي إلى دول مجاورة ودول الكومنولث البريطاني، من جهة أخرى.

وإذا نظرنا إلى الآثار السلبية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بانخفاض معدلات النمو الاقتصادي وبالتالي انخفاض الطلب على النفط والغاز، وإنما في انتهاء التوقعات التي كانت ترى أن الطلب على النفط سينمو في دول الاتحاد الأوروبي في السنوات القادمة، والتي كانت تقدر بـ120 ألف برميل يوميا. وكان أحد البنوك الاستثمارية الكبرى في بريطانيا قد أشار يوم الجمعة الماضي إلى أن قرار الخروج يعني انخفاض الطلب على النفط في أوروبا بمقدار مئة ألف برميل يوميا. هذا يعني أن الانخفاض الكلي سيتجاوز مئتي ألف برميل يوميا إذا أضفنا النمو المتوقع.

ولكنّ هناك رأيا آخر يشير إلى ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في دول الاتحاد ما عدا بريطانيا، وبالتالي فإن هذا النمو سيزيد من الطلب على النفط والغاز. هذا الرأي مفاده أن بريطانيا كانت شوكة في حلق الاتحاد الأوروبي منعته من تحقيق التكامل الأمثل، حيث وقفت بريطانيا في وجه كثير من خطط الاتحاد الأوروبي لتحقيق تكامل اقتصادي ومالي وعسكري. وبالتالي فإن الدول المتبقية الآن في الاتحاد الأوروبي -بقيادة ألمانيا وفرنسا- ستستغل فرصة انسحاب بريطانيا لتمرير معاهدات جديدة تعزز من قوة الاتحاد الأوروبي.

ويتضح من موقف قيادة الاتحاد الأوروبي الآن أنه سيتخذ موقفا حاسما من بريطانيا ويعاقبها قدر الإمكان كيلا يتكرر الأمر من دول أخرى، خاصة أن البعض بدأ يعزف على وترين: الوتر الأول إعادة الاستفتاء البريطاني بحيث يتم التصويت في المرة الثانية لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي، والوتر الثاني احتمال تقسيم بريطانيا نفسها، خاصة أن نصفها الشمالي صوَّت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

أعلام الاتحاد الأوروبي أمام مقرِّ المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

ومن الآثار المباشرة أيضا ارتفاع الرسوم على واردات وصادرات الطاقة، الأمر الذي سيرفع أسعار الطاقة داخل بريطانيا وخارجها. إلا أن الأثر على دول الاتحاد الأوروبي سيكون أقل إذا انفصلت أسكتلندا عن بريطانيا. إن أي ارتفاع في الأسعار في فترات تباطؤ النمو الاقتصادي يعني تأخر فترات الانتعاش، وبالتالي يكون لذلك آثار اجتماعية وسياسية ملموسة.

الأثر غير المباشر
الأثر غير المباشر يتم عن طريق تغير قيمة العملات، والتي تؤثر بدورها على أسواق النفط. فالنفط يُسعّر ويباع بالدولار، بينما المستهلك يشتري المنتجات النفطية بالعملات المحلية. فإذا انخفضت قيمة العملات الأوروبية -بما في ذلك اليورو- مقابل الدولار، فإن هذا يعني ارتفاع أسعار النفط داخل دول الاتحاد الأوروبي، ومن ثم انخفاض الطلب على النفط. مثلا، إذا كان سعر خام برنت خمسين دولارا للبرميل، وانخفضت قيمة العملات الأوروبية بمقدار 20%، فإن أسعار النفط داخل دول الاتحاد الأوروبي سترتفع بالنسبة نفسها تقريبا. وهذا سيشكل ضربة للصادرات الأوروبية لأن تكاليف مدخلات الطاقة فيها سترتفع بينما لم ترتفع في الدول المنافسة.

وحتى لا نستهين بأثر العملات هذا، علينا أن نتذكر أن العواصم الأوروبية أغلقت تماما في صيف عام 2000 عندما أضرب سائقو الشاحنات بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النفط الذي نتج عن انخفاض سعر اليورو إلى دولار واحد تقريبا، بينما كانت أسعار النفط الدولارية ثابتة تقريبا.

تراجع اليورو سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي (الأوروبية)

ولو أخذنا بالرأي المعاكس القائل إن الاتحاد الأوروبي سيحقق تقدما اقتصاديا وسياسيا من دون بريطانيا، فإن هذا قد يؤدي إلى ارتفاع اليورو مقابل الدولار، وبالتالي انخفاض تكلفة النفط داخل هذه الدول، ومن ثم زيادة الطلب عليه.

الأثر في نفط بحر الشمال
بشكل عام، فإن خروج بريطانيا سيؤثر سلبا في الاستثمار في بحر الشمال، وبالتالي في إنتاجه المستقبلي، وسيسهم هذا في رفع أسعار النفط، وستكون الأمور أسوأ إذا قررت أسكتلندا الانفصال عن بريطانيا، خاصة في البداية. لقد استفاد بحر الشمال كثيرا من وجود بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بسبب حرية تنقل رأس المال والعمال، كما استفاد من حرية نقل المعدات وانخفاض الضرائب والرسوم والإعفاء من الرسوم الجمركية. ويرى البعض أن السبب الرئيس لتفكير أسكتلندا بالانفصال عن بريطانيا هو نفط بحر الشمال. ومن المتوقع أن تتوقف الشركات النفطية العاملة في بحر الشمال حاليا عن اتخاذ أي قرار بشأن أي استثمارات كبيرة حتى تتضح الأمور، وهذا قد يستمر حتى نهاية العام الحالي.

إلا أن ما سبق ليس نتيجة حتمية على المديين المتوسط والطويل، لأن انخفاض العملات الأوروبية بشكل كبير سيسهم في تخفيض تكاليف إنتاج النفط في بحر الشمال، الأمر الذي يجعل الاستثمار فيه مغريا. والأدلة على ذلك كثيرة أهمها أن ارتفاع اليورو رفع تكاليف إنتاج النفط في بحر الشمال، كما أن الانخفاض الكبير في قيمة الروبل الروسي أسهم في إنعاش صناعة النفط الروسية في الماضي.

الأثر في صناعة التكرير الأوروبية
تعاني المصافي الأوروبية منذ سنوات بسبب انخفاض الطلب على النفط في دول الاتحاد الأوروبي من جهة والمنافسة الشديدة من خارج أوروبا، خاصة الولايات المتحدة ودول في الشرق الأوسط وآسيا. إلا أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يعني المزيد من المعاناة والمزيد من الخسائر، خاصة إذا انخفضت العملات المحلية بشكل كبير. لذلك ليس من المستغرب أن نرى إغلاق بعض المصافي خلال العامين القادمين، أو قيام شركات عربية وأميركية وآسيوية بشراء بعض المصافي الأوروبية.

مصفاة نفط في النمسا (رويترز)

الأثر في الطاقة المتجددة
كانت الدول الأوروبية رائدة في مجال الطاقة المتجددة -خاصة الشمسية منها- في السنوات الأخيرة. وكان النمو الكبير في استخدام الطاقة المتجددة مرتبطا ارتباطا جذريا بقرار الحكومات وكمية الإعانات التي تقدمها لهذا القطاع. فإذا نتج عن خروج بريطانيا واحتمال تفكك الاتحاد الأوروبي انخفاض في النمو الاقتصادي، فإن الحكومات الأوروبية لن تتمكن من تقديم الدعم للطاقة المتجددة. إضافة إلى ذلك، فإن هناك احتمالا لعودة الفحم بقوة في بريطانيا. لهذا فإن خروج بريطانيا مضرٌّ من الناحية البيئية أيضا.

الأثر في الغاز الطبيعي
نظرا لأن أوروبا تستورد كميات كبيرة من الغاز، سواء عبر الأنابيب من روسيا ووسط آسيا أو على شكل غاز مسال من كافة أنحاء العالم، فإن تدهور العملات الأوروبية والوضع الاقتصادي يأتي على حساب واردات الغاز المسال لأنه الأعلى تكلفة، وبالتالي فإن الخاسر الأكبر في هذا المجال هو الدول المصدرة للغاز المسال مثل قطر والجزائر وأستراليا والولايات المتحدة، والرابح الأكبر هو الرئيس الروسي بوتين.

باختصار، تفكك الاتحاد الأوروبي يخدم بوتين سياسيا واقتصاديا، ويزيد من تحكم روسيا بالدول الأوروبية، خاصة أن تسعير الغاز الروسي أكثر مرونة من تسعير الغاز المسال بسبب انخفاض تكلفته.

الخلاصة
لا يمكن الجزم بالأثر النهائي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أسواق الطاقة بشكل عام وأسواق النفط والغاز بشكل خاص، إلا أنه يمكن القول إن الأثر على المدى القصير سلبي للغاية. أما على المديين المتوسط والبعيد فإن الأمر يعتمد على تصرفات باقي دول الاتحاد الأوروبي، فإذا زاد تعاونها فإن أثر خروج بريطانيا على أسواق النفط والغاز سيكون إيجابيا، أما إذا رأينا مزيدا من التفكك فإن الأمر سيصبح سلبيا بشكل كبير.

إن أكثر الاحتمالات سوءا هو حدوث كساد في دول الاتحاد الأوروبي في نهاية العام الحالي والنصف الأول من عام 2017، عندها ستنخفض أسعار النفط إلى ما دون ثلاثين دولارا للبرميل، رغم الانخفاض الكبير في الإنتاج العالمي للنفط. من هنا نجد أن إدارة أسواق النفط عن طريق التحكم بالإنتاج تسهم في استقرار إيرادات النفط، أكثر من ترك هذه الأسواق في مهب الأسواق العالمية.

-----------------------------------
خبير نفطي في مدينة دالاس بولاية تكساس الأميركية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة