أسعار الغذاء ستواصل الارتفاع وعلى الفقراء الصبر   
الأحد 1428/12/28 هـ - الموافق 6/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)
طوابير البحث عن الغذاء بدأت تجتاج الدول الفقيرة مثل بنغلاديش (رويترز) 

محمود عبد الغفار
يبدو أن فقراء العالم سيعانون من ارتفاع أسعار الغذاء لأجل غير مسمى بعد أن شهد العام الماضي زيادات كبيرة في سعر المواد الغذائية، رغم أن إنتاج الحبوب عالميا كان أعلى من عام 2006.
 
لكن الإنتاج الذي بلغ 1.66 مليار طن من الحبوب –حسب مجلس الحبوب الدولي- بزيادة 89 مليون طن أتت عليها الأزمات وزيادة الطلب، ومشروعات لإنتاج الوقود الحيوي من المصادر الزراعية التي تقودها الولايات المتحدة حاليا، إضافة إلى المضاربات. 
 
فقد اعترفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) الشهر الماضي أن 37 بلدا يواجه أزمات غذائية، وأن تأثير ذلك سيكون شديدا على الفقراء بسبب زيادات لا مثيل لها في أسعار الغذاء.
 
واعتبرت فاو في تقرير عن الموضوع نشرته على موقعها الرسمي على الإنترنت أن انخفاض مستوى المخزونات الغذائية جاء على نحو يرسي سابقة تاريخية، بسبب حالات الجفاف والفيضانات الناجِمة عن تغيُّر المناخ، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة الطلب على الوقود الحيوي من المصادر الزراعية. وحثت المنظمة الحكومات والمجتمع الدولي على تنفيذ إجراءات فورية لدعم البلدان الفقيرة الأشد تضررا من جراء الارتفاعات الحادة في أسعار المواد الغذائية.
 
وتسببت هذه الأزمات بزيادة الأسعار بشكل كبير، إذ بلغت نحو 90% للقمح و20% للذرة و80% لفول الصويا. كما ارتفعت أسعار السكر والزيوت، وبالتالي أعلاف الحيوانات والدواجن، وبالتبعية اللحوم بكل أنواعها والبيض والألبان.
 
وحذر تقرير للمعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء من أن العالم يستهلك غذاء أكثر مما ينتج، وأن أسعار المواد الغذائية ربما ترتفع لسنوات بفعل عوامل منها التوسع في زراعة محاصيل لإنتاج الوقود الحيوي، والتغيرات المناخية وزيادة الطلب من مستهلكين أغنى في الدول النامية التي تحقق نموا سريعا كالصين والهند.
 
وفي إشارة ضمنية لاحتمال زيادة المجاعات، حذر مدير عام المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء يواكيم فون براون من أن مخزون الحبوب العالمي -وهو احتياطي مهم يستخدم لمكافحة المجاعات في العالم- انخفض لأقل مستوى منذ الثمانينيات نتيجة تراجع الزراعة وسوء الأحوال الجوية.
 
ويبدو أن هذه الأزمات ستكون مزمنة إلى الحد الذي دفع مجلة إيكونومست الاقتصادية البريطانية للجزم بأن "عهد الغذاء الرخيص ولى إلى غير رجعة".
 
ارتفاع مستوى المعيشة في الصين والهند زاد من استهلاك الحبوب (رويترز-أرشيف)
وقدمت المجلة تفسيرا على عدم كفاية الإنتاج رغم زيادته في 2007، بأن العامل الأول المستحدث هو أن ارتفاع مستوى المعيشة في الصين والهند زاد من إقبالهم على أكل اللحوم التي تحتاج بالضرورة إلى زيادة في الحبوب لتربية المواشي.
 
لكن إيكونومست رأت أن هذا العامل بطبيعته يكون بطيئا ومتدرجا ولا يفسر غلاء الغذاء العام الماضي.
 
وذكرت أن التغير الثاني هو الإقدام على إنتاج الإيثانول (الوقود الحيوي) للسيارات الأميركية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة أصبحت تستخدم 85 مليون طن من الذرة لإنتاج الإيثانول بعد أن كان استخدامها لا يتعدى 15 مليون طن عام 2000، وهو ما جعل أميركا المنتج الأكبر للذرة في العالم تستورد فوق إنتاجها لاستخراج الوقود الحيوي.
 
ومما زاد من الضغط على الأسعار انتشار المضاربات في أسواق السلع العالمية على أسعار الحبوب عبر عقود ورقية تراهن على صعود الأسعار مستقبلا.
 
وعربيا طالت الأزمة الدول جميعا حتى النفطية منها، خاصة أن الدول العربية تستورد 92% من احتياجاتها الغذائية، لقلة السلع والصناعات المنتجة فيها، حسب تصريحات صحفية للأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية أحمد جويلي.
 
الإنتاج المنسي عربيا
"
ضرورة صدور قرار على مستوى القيادات السياسية في الدول العربية لتوجيه المواطنين إلى العمل بالزراعة عموما والحبوب الغذائية خصوصا، وتوجيه رؤوس الأموال العربية للاستثمار في السودان سيجعل منه سلة غذاء للدول العربية "
ولحل هذه المعضلة أكد الدكتور مصطفى مروة عميد كلية الزراعة الأسبق ومستشار رئيس الجامعة اللبنانية في حديث للجزيرة نت، على ضرورة صدور قرار على مستوى القيادات السياسية في الدول العربية لتوجيه المواطنين إلى العمل بالزراعة عموما والحبوب الغذائية خصوصا، بعد أن بدأت هذه المهنة تشهد عزوفا عنها خاصة من الشباب.
 
واتفق مع هذا الرأي المحلل الاقتصادي المصري ممدوح الولي الذي أعرب عن أسفه لأن زيادة الإنتاج من الأمور المنسية في العالم العربي، مشددا على أن الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية يجب أن تكون له الأولوية عربيا.
 
وأضاف مروة للجزيرة نت أن الخطوة التالية يجب أن تكون الدفع بقرار سياسي أيضا باتجاه التعاون عربيا، في وقت تلجأ دول العالم وعلى رأسها المتقدمة إلى التكتلات الاقتصادية الكبرى لمواجهة المنافسة الشرسة، وانتشار الاحتكارات في عصر العولمة وسيطرة الشركات متعددة الجنسيات.
 
ورأى ممدوح الولي توجيه رؤوس الأموال العربية للاستثمار في السودان سيجعل منه سلة غذاء للدول العربية ثم للتصدير بعد ذلك، وحذر من أن هروب الاستثمارات من الزراعة إلى البورصات أدى إلى حدوث عجز في السعودية على سبيل المثال، وارتفاع كبير لأسعار المواد الغذائية فيها.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة