خدمة أوبر.. إبداع وتحديات   
الأحد 1436/10/10 هـ - الموافق 26/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:45 (مكة المكرمة)، 14:45 (غرينتش)

كمال درويش

في يوليو/تموز من كل عام يجتمع خبراء الاقتصاد وكبار رجال الأعمال والمنظمات غير الحكومية والساسة من مختلف أنحاء العالم في آيكسن بروفينس بفرنسا للمشاركة في منتدى اللقاء الاقتصادي الذي يدوم ثلاثة أيام وينظمه المركز البحثي-دائرة الاقتصاديين.

وقد ركز المنتدى هذا العام على الطبيعة المتغيرة للعمل، وكان توقيت الاجتماع -الذي تزامن مع الجدال المحتدم في فرنسا حول خدمة تقاسم الركوب المبدعة أوبر- ملائما للغاية.

التكنولوجيا والبطالة
أوبر.. إبداع وتحديات
 
التكنولوجيا والبطالة

لا شك أن موضوع المنتدى اختير جزئيا استجابة للمخاوف من أن يؤدي التقدم التكنولوجي إلى انتشار البطالة على نطاق واسع مع تقدم الآلات بالقدر الكافي للحلول محل البشر في أداء عدد متزايد من المهام.

وكما أشار أندرو مكافي -من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- فإن الثورات التكنولوجية كانت تاريخيا "تؤدي في نهاية المطاف إلى المزيد من الوظائف وإن كانت وظائف مختلفة"، لكن مع اكتساب الآلات المزيد من الذكاء فإن "هذه المرة قد تكون مختلفة".

ونظرا لهذا الاحتمال -كما يقترح مكافي- فربما نكون بحاجة إلى إعادة بناء مجتمعاتنا مع تسبب انتشار الآلات الذكية في زيادة الإنتاجية، بحيث يفضي انخفاض الطلب على العمل البشري إلى نتائج معززة للرفاهية مثل ارتفاع الدخول (وتوزيعها بشكل أكثر إنصافا) وزيادة أوقات الفراغ، وقد توقع جون ماينارد كينز أيضا هذا الاحتمال قبل 85 عاما.

وتعد خدمة أوبر -التي تمكن الناس من التواصل مع السائقين من خلال تطبيق على الهواتف الذكية- خدمة معطلة للنظام القائم وتوجها نحو التحول الجديد.

إن تطبيق أوبر يعرض أسعارا متعددة لنفس المسافة المقطوعة اعتمادا على التاريخ والوقت، لكن تحديد أسعاره فريد من نوعه في فوريته التي تتحقق من خلال الاستفادة الكاملة من تكنولوجيا الاتصالات الحديثة

ويشعر سائقو سيارات الأجرة في فرنسا ومختلف أنحاء العالم بالغضب بشكل خاص إزاء خدمة (UberPOP) والتي تسمى (UberX) خارج أوروبا، وهي خدمة أساسية بسيطة، ومنذ ذلك الحين سحبت شركة أوبر خدمة (UberPOP) من فرنسا بشكل مؤقت على الأقل، ولكن ليس قبل إلقاء القبض على اثنين من كبار مديريها بتهمة تجاهل أمر الحكومة بتعليق خدمة (UberPOP).

لكن هذا النوع من الإبداع الذي تجسده أوبر لن يتوقف بسهولة، إن تطبيق أوبر يعرض أسعارا متعددة لنفس المسافة المقطوعة اعتمادا على التاريخ والوقت، لكن تحديد أسعاره فريد من نوعه في فوريته التي تتحقق من خلال الاستفادة الكاملة من تكنولوجيا الاتصالات الحديثة.

ومن منظور العمل تعمل خدمة أوبر على خلق وظائف أكثر من تلك التي تدمرها، ويؤدي هذا إلى زيادة واضحة في الكفاءة ويقدم مكاسب دخل إجمالية.
وحتى إذا تم تعويض الخاسرين بالكامل فإن مجموع المكاسب -التي تتقاسمها الشركة، والعاملون لديها وأغلبهم بدوام جزئي، وعملاؤها- سوف يفوق الخسائر بوضوح.

لكن هناك مشاكل حقيقية لا بد من التصدي لها، فبادئ ذي بدء هناك الخاسرون وهم سائقو سيارات الأجرة التقليديون الذين اضطروا غالبا إلى دفع رسوم ترخيص كبيرة، وبالتالي لا يمكنهم منافسة أسعار أوبر المنخفضة.

وعلى الرغم من أن هذه المشكلة تنشأ دوما عندما تظهر تكنولوجيات جديدة معطلة للنظام القائم فإن الإبداع والتكيف يحدثان بسرعة أكبر من أي وقت مضى، فيطلب من سائقي سيارات الأجرة أن يتكيفوا في غضون أيام وليس سنوات، ولا يترك هذا للأنظمة الديمقراطية سوى القليل من الوقت لتحديد مقدار التعويض الذي ينبغي لهم أن يحصلوا عليه، وكيف يجب توزيعه.

وتتلخص مشكلة أخرى في التنظيم، ذلك أن سيارات الأجرة لا تنتج ضرائب الدخل فحسب، بل وأيضا ضريبة القيمة المضافة أو المبيعات، لكن برنامج (UberPOP) -على الأقل حتى الآن- جعل تحصيل ضريبة القيمة المضافة في حكم المستحيل، ولتحقيق تكافؤ الفرص ينبغي للسلطات المحلية أو الوطنية أن تلزم الشركة بدمج برنامج لتحصيل الضرائب في تطبيقها.

وحقيقة أن سائقي (UberPOP) خلافا لسائقي سيارات الأجرة لا يغطون التأمين على الركاب تمثل أيضا منافسة غير عادلة، ولا بد من معالجة هذا الأمر.

وعلاوة على ذلك، في فرنسا لا بد أن يخضع سائقو سيارات الأجرة لاختبارات صحية ومهنية منتظمة، وهذه ليست حال سائقي (UberPOP)، فمثلهم كمثل كل سائقي أوبر يخضعون "للمراقبة" من قبل المستخدمين الذين يتولون تقييمهم من خلال التطبيق بعد كل رحلة، وقد يكون هذا إبداعا مفيدا، لكنه لا يصلح بديلا حقيقيا لفحص العين على سبيل المثال.

نحن الآن باجة إلى سياسات اجتماعية وتنظيمية جديدة، وهي غالبا ذات طابع عالمي، وتجسد عقدا اجتماعيا جديدا للقرن الـ21

وتتلخص المشكلة الأخيرة في الشركات المبدعة مثل أوبر في أن أغلبية العوائد المالية تعود على قيادات الشركة وليس مقدمي الخدمة، وسواء كان هذا مبررا أو لم يكن فلا يجوز لنا أن نتجاهل مساهمة مثل هذه الشركات في اتساع فجوة التفاوت في الدخول، وبالتالي الانحراف التنظيمي، والانحياز الإعلامي، والنفوذ غير المتناسب في الانتخابات.

أوبر.. إبداع وتحديات
إن شركة أوبر مجرد مثال للإبداع المعطل للنظام القائم والذي يجلب زيادات ضخمة في الكفاءة، فضلا عن التحديات الاجتماعية والتنظيمية الحقيقية، وهي النقطة التي أكد عليها وزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمته التي ألقاها في اللقاء الاقتصادي.

والواقع أن خدمة أوبر تشكل واحدا من الإبداعات الأقل إشكالية، لأنها تعمل كمنشئ للوظائف، وعلى النقيض من ذلك كان ظهور أجهزة الحاسوب القادرة على الحلول محل العاملين في مراكز الاتصال سببا في خسائر كبيرة بالوظائف، وفي ظل الأنظمة الديمقراطية لا بد من التصدي للتحديات التي تجلبها مثل هذه التكنولوجيات المعطلة للأنظمة القائمة على النحو الذي يضمن الإنصاف ومن دون إعاقة التقدم.

الواقع أننا لن نتمكن من -ولا ينبغي لنا- إيقاف التدمير الخلاق الناجم عن ما يسمى "عصر الآلة الثاني".

لكن من قبيل الحماقة الخالصة أن نتصور أن الأسواق وحدها قادرة على إدارة التأثير التحولي المترتب على هذا التدمير الخلاق، وهي الحقيقة التي أبرزتها بوضوح الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة التي امتدت جذورها إلى الإبداع المالي، ونحن الآن في حاجة إلى سياسات اجتماعية وتنظيمية جديدة، وهي غالبا ذات طابع عالمي، وتجسد عقدا اجتماعيا جديدا للقرن الـ21.
ــــــــــــــــــــــــــــ
وزير الشؤون الاقتصادية التركي السابق والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ونائب رئيس مؤسسة بروكينغز.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة