غلاء المعيشة يتفاقم بتونس   
الجمعة 1435/4/15 هـ - الموافق 14/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:54 (مكة المكرمة)، 13:54 (غرينتش)
آلاف العائلات التونسية تعاني سوء التغذية بسبب الفقر (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

تعاني آلاف العائلات التونسية تدهور مقدرتها الشرائية بسبب الارتفاع القياسي للأسعار منذ اندلاع الثورة قبل ثلاثة أعوام إلى درجة أن أكثر من مليون ومائتي ألف تونسي يشتكون من سوء التغذية، بحسب إحصاءات المنظمة العالمية للصحة.

إحصاءات هذه المنظمة لسنة 2013 أثارت فزع العديد من المراقبين الذين دقوا ناقوس الخطر من إمكانية اضمحلال الطبقة الوسطى التي تعتبر الركيزة الأساسية في المجتمع التونسي لدفع الاستهلاك المحلي، أحد محركات نمو الاقتصاد.

عماد عبد ربه موظف تونسي في شركة خاصة يقول في حديث للجزيرة نت إن أجره -الذي لا يتعدى ألف دينار (630 دولارا)- لم يعد يسمح له بمجابهة نفقات عائلته نتيجة الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم والسمك والخضار والبنزين وغيرها.

ويؤكد أن الاحتكار والمضاربة في الأسواق والتلاعب بالأسعار وضعف الرقابة الاقتصادية للدولة وتهريب السلع تسببت بعد الانفلات -الذي عقب الثورة الشعبية- في اختلال ميزان العرض والطلب، وأدت إلى ارتفاع الأسعار وإضعاف المقدرة الشرائية. 

معاناة التونسيين تتزايد جراء
غلاء الأسعار
 (الجزيرة نت)

الفقر وسوء التغذية                                      
ويشاركه الرأي رضا السعيداني -وهو موظف بمؤسسة حكومية- الذي أكد للجزيرة نت أن تدهور المقدرة الشرائية للتونسيين دفع الكثير منهم إلى الابتعاد عن استهلاك وجبات ذات قيمة غذائية عالية بسبب ارتفاع كلفتها.

ويقول إن العديد من الموظفين الحكوميين يقومون في ظل تدهور أجورهم وارتفاع الأسعار بتناول وجبات غير صحية لتدني أسعارها مقارنة بوجبات نافعة، مشيرا إلى "تزايد إقبال التونسيين على محلات الوجبات السريعة رغم الأمراض التي تسببها".

وقد أفاد تقرير المنظمة العالمية للصحة الأخير بأن حوالي مليون و287 ألف تونسي يعانون سوء التغذية، وأن مليونا وتسعمائة آخرين يعجزون عن تحصيل قوتهم اليومي من الغذاء، وأن 45% من موظفي الدولة فقراء.

وعن رأيه في تداعيات غلاء المعيشة، يقول الخبير الاقتصادي معز الجودي للجزيرة نت إن الطبقة الوسطى التي تتكون أساسا من الموظفين "بدأت تتلاشى شيئا فشيئا بسبب الزيادة في أسعار السلع،  والضرائب والإتاوات".                                                                             

غياب الإصلاح                                                                                      
ويقول إن التونسيين كانوا يأملون بعد الثورة في تحسن قوتهم الشرائية باعتماد سياسة حوكمة رشيدة ومقاومة الفساد، لكن "الأمور ازدادت سوءا" بسبب ارتفاع الأسعار وسوء الحوكمة وغياب عدالة اجتماعية وارتفاع مؤشرات الفساد، وفق رأيه.

ويرى أن اختلال التوازن بين الأجور وارتفاع مؤشرات الأسعار إلى معدلات قياسية تجاوزا كثيرا النسبة المعلنة عنها حكوميا -وهي 5.8% أثناء الشهر الماضي- مما سيتسبب في تلاشي الطبقة الوسطى والتصاقها بالطبقة الفقيرة.

ولا يستغرب الجودي من إحصاءات تقرير المنظمة العالمية للصحة بشأن عدد التونسيين الذي يعانون  سوء التغذية، لافتا إلى أنه مرتبط بعوامل عديدة، منها الفقر وارتفاع التضخم وانعدام تحقيق الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية.

 الفرشيشي: أقر بأن هناك ارتفاعا
في الأسعار 
(الجزيرة نت)

ورغم أن المتحدث باسم وزارة التجارة محمد علي الفرشيشي مقتنع بغلاء الأسعار نتيجة عدة أسباب، من أبرزها الانفلات الحاصل بعد الثورة وتفاقم ظاهرة التهريب والغش بالأسعار، غير أنه يرجع مشكلة سوء التغذية إلى "الثقافة الاستهلاكية للتونسيين".

ويقول للجزيرة نت "أقر بأن هناك ارتفاعا في الأسعار رغم أن نسبة التضخم أخذت منحى تنازليا منذ النصف الثاني لعام 2013، لكن مشكلة سوء التغذية تعود إلى ثقافة استهلاك التونسي الذي يختار حلولا سهلة ويلجأ إلى الوجبات السريعة غير الصحية".

ويرى الفرشيشي أن التونسيين في حاجة إلى مزيد من التوعية من المجتمع المدني لتغيير نمط استهلاكهم وترشيد نفقاتهم، لافتا إلى أن هناك أسواقا تجارية في تونس تتوافر فيها مواد غذائية ذات قيمة صحية عالية وبأسعار "معقولة".

وبشأن تعليقه على المخاوف من تلاشي الطبقة الوسطى بسبب استمرار ارتفاع مؤشر الأسعار، يقول الفرشيشي إن وضوح الرؤية السياسية ودعم الاستقرار وعودة الإنتاج "سيمكن الطبقة الوسطى من استعادة مكانتها".

وأوضح أن "أولية الأوليات" المطروحة على وزارة التجارة في الحكومة الجديدة -التي يرأسها مهدي جمعة- هي التحكم في التضخم وتوفير الإنتاج ومقاومة التلاعب بالأسعار والحد من التهريب وتكثيف الفضاءات المخصصة من المنتج إلى المستهلك وغيرها للتحكم في الأسعار.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة