الفائدة الاقتصادية للاجئين لأوروبا   
السبت 1436/11/29 هـ - الموافق 12/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:44 (مكة المكرمة)، 16:44 (غرينتش)

*لوسي ب. ماركوس 

استثناء وسط صمت للقطاع الخاص
فوائد واضحة بحاجة لتوظيف

لقد اختلفت ردود الأفعال والمقترحات المتعلقة بالسياسات من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه بشكل كبير في مواجهة أكبر تدفق للاجئين نحو أوروبا منذ عقود، ولقد أصبح الجدل القائم مسيساً بشكل كبير.

وشارك في ذلك الجدل أيضا المنظمات الدولية والوكالات غير الحكومية مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولجنة الإنقاذ الدولية، وزعماء دينيون مثل البابا فرانشيسكو ورئيس أساقفة كانتربري، ولكن كان من الغريب ألا يُسمع صوت مجموعة معينة وهي أصحاب الأعمال.

وفي الوقت الذي تناقش فيه الحكومات والجمعيات الخيرية والمنظمات المانحة بهمة ونشاط كيفية اقتسام المسؤولية عن اللاجئين في كل خطوة من خطوات رحلتهم، من المخيمات في الأردن ولبنان وتركيا إلى رحلة العبور ثم الاستقرار، بقي رجال الأعمال الأوروبيون صامتين على نحو غريب.

ولكن في وقت يتمتع فيه قطاع الأعمال بالقوة أكثر من أي وقت مضى، ومع وجود الشركات متعددة الجنسيات حول العالم، يتوجب على هذا القطاع العمل مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية من أجل المساعدة في التعامل مع التحديات قصيرة وطويلة المدى التي تفرزها الأفواج الكبيرة للاجئين.

ويتوجب على قادة الأعمال من جميع القطاعات أن يكونوا مشاركين منذ البداية، وفقط عندما يتم تحويل التحديات إلى فرص ستخفف من وطأة المخاطر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

على القطاع الخاص العمل مع الحكومات والمنظمات غير الحكومية من أجل المساعدة في التعامل مع التحديات قصيرة وطويلة المدى التي تفرزها الأفواج الكبيرة للاجئين

استثناء وسط صمت للقطاع الخاص
لقد كان هناك استثناء واحد لحالة صمت القطاع الخاص، فكما كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الطليعة فيما يتعلق بأزمة الهجرة من الناحية السياسية، كان اتحاد الصناعات الألمانية في المقدمة، كذلك فيما يتعلق بقطاع الأعمال. لقد تحدث الاتحاد بشكل واضح وقاطع عن فوائد اللاجئين بالنسبة إلى قطاع الأعمال، واقترح تغييرات في قوانين وأنظمة العمل الألمانية، بما في ذلك التسريع في منح القادمين الجدد الحق في العمل.

ومن أجل جعل مشاركة قطاع الأعمال واستثماراته مستدامة، سعى اتحاد الصناعات الألمانية للحصول على ضمانات بأنه لن يتم إبعاد المهاجرين الذين يحصلون على وظائف.

لقد حان الوقت لأن نسمع ماذا تقوله اتحادات قطاع الأعمال في بلدان أخرى. إذ كيف ينوي اتحاد الصناعات البريطانية أو اتحاد أصحاب العمل في فرنسا (المعروف اختصارا بـ "ميديف") التعامل مع الموضوع؟ وماذا عن دور الشركات متعددة الجنسيات؟ وما هي التغييرات التشريعية التي يعتقدون بأنهم في حاجة إليها من أجل مساعدة الحكومات والاتحاد الأوروبي في التعامل مع أزمة اللاجئين وضمان وجود استقرار طويل الأجل بأوروبا؟

إن الجميع متفق على أن التحدي لا يقتصر على التعامل مع التدفقات الكبيرة للاجئين ومعالجة طلبات اللجوء، ففي الأشهر والسنوات القادمة يتوجب على بلدان المقصد وضع أسس إدماج اللاجئين في سوق العمل. إن الانتظار فترة طويلة جدا يعني تفويت فرصة مهمة للانخراط في تطوير إستراتيجية تكون ناجحة بالنسبة لقطاع الأعمال والحكومات والمجتمعات على حد سواء.

وسيسمح الانخراط مبكرا في عملية التقييم والتعليم والاندماج للقطاع الخاص بالمساعدة في صياغة السياسات منذ البداية بدلا من التذمر من فشل الحكومة بعد فوات الأوان, وبإمكان قادة الأعمال المساعدة في تحديد المهارات والقدرات التي ستحقق أكبر فائدة لقطاعاتهم، فضلا عن وضع برامج التوجيه والتدريب والتعلم.

سيسمح الانخراط مبكرا في عملية التقييم والتعليم والاندماج للقطاع الخاص بالمساعدة في صياغة السياسات الخاصة باللاجئين منذ البداية بدلا من التذمر من فشل الحكومة بعد فوات الأوان

فوائد واضحة بحاجة لتوظيف
إن الفوائد واضحة، فاللاجئون الذين يصلون الشواطئ الأوروبية هم عادة من الشباب والمتعلمين والمهرة والمتلهفين للاندماج سريعا في المجتمع، فهم الحل لتزايد عدد كبار السن وانخفاض معدل المواليد في أوروبا، والعديد من اللاجئين يأتون وهم جاهزون للعمل، وبالتعاون مع القطاع الخاص بإمكان الشركات التحقق من تلقي الوافدين للتدريب والوظائف التي يحتاجونها.

ولقطاع الأعمال دور يقوم في الإسهام بتشكيل مواقف المجتمعات تجاه اللاجئين، وهذا ينطبق على وجه الخصوص على المؤسسات التي تتعامل مع الجمهور، فأندية كرة القدم على امتداد القارة الأوروبية وعرضها لا تتبرع فقط بالأموال، ولكنها تتخذ خطوات ملموسة من أجل تشجيع تكوين بيئة مرحبة، وذلك برفع لافتات الترحيب في الملاعب وإقامة معسكرات لتدريب اللاجئين، ويعد نادي بايرن ميونيخ نموذجا دالا في هذا الشأن.

لن يبقى كل هؤلاء اللاجئين في أوروبا بشكل دائم، ففي يوم ما قد يعود بعضهم إلى موطنه، وعندما يقومون بذلك فإنه ستكون لديهم المهارات اللازمة للمساعدة في إعادة بناء مجتمعاتهم واقتصاداتهم، بالإضافة إلى نسجهم علاقات قوية مع البلاد التي لجؤوا إليها.

إن أهمية هذا الاستثمار في بناء مستقبل الدول، إضافة إلى العلاقات مع قطاع الأعمال، لا يمكن الاستهانة بها. وبالرغم من أن النتائج الإيجابية قد تبدو بعيدة المنال، فإن الاستثمار في لاجئي اليوم قد يشكل فرقا كبيرا في بناء شركاء تجاريين أقوياء ومستقرين في المستقبل.

ما يزال يُنظر إلى أزمة اللاجئين إلى أوروبا فقط كمشكلة سياسية، وهذا يعود إلى حد ما لوسائل الإعلام التي تصورها بهذه الطريقة. إن التغطية الوحيدة المتعلقة بقطاع الأعمال تميل للتركيز فقط على التأثير المالي الذي يتسبب به اضطراب المواصلات مثل ميناء كاليه، ولكن أزمة اللاجئين هي مشكلة أيضا لقطاع الأعمال، والذي بإمكانه تحويلها إلى فرصة للجميع إذا قام تعامل معها اليوم.
ـــــــــــــ
*الرئيسة التنفيذية لشركة مشاريع ماركوس الاستشارية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة