متلازمة ديترويت   
الخميس 1434/9/18 هـ - الموافق 25/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 8:20 (مكة المكرمة)، 5:20 (غرينتش)
ما وصلت إليه مدينة ديترويت من إعلان لإفلاسها ليس بعيدا عن مدن في اقتصادات ناشئة مثل الهند (الأوروبية)

سانجيف سانيال

تغيرات نمط العيش
مشكلة نموذج حضري
جاذبية هناك وإفراغ هناك


عندما تقدمت مدينة ديترويت بطلب لإعلان إفلاسها في الأسبوع الماضي أصبحت بذلك صاحبة أكبر طلب من هذا النوع في تاريخ الولايات المتحدة، وقد انخفض عدد سكان ديترويت من 1.8 مليون نسمة عام 1950 عندما كانت خامس أكبر مدينة في أميركا، إلى أقل من 700 ألف نسمة اليوم، وأصبحت قاعدتها الصناعية مهترئة.

ورغم هذا فإننا نعيش في عالم حيث تتمتع فيه المدن باهتمام لم تحظ به من قبل، فأكثر من نصف سكان العالم يعيشون الآن في مناطق حضرية لأول مرة في التاريخ، وتنتج المراكز الحضرية قرابة 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وسوف ترتفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى مع التوسع الحضري السريع في دول الأسواق الناشئة، فماذا يستطيع العالم أن يتعلم من محنة ديترويت إذن؟

في تسعينيات القرن العشرين ذهب العديد من الخبراء إلى أن من شأن التقنية أن تجعل المدن غير ذات أهمية، وكان من المعتقد أن من شأن الإنترنت ووسائل الاتصال المتنقلة -التي كانت تقنيات وليدة آنذاك- أن تجعل الناس غير مضطرين للحياة في المراكز الحضرية المزدحمة بالسكان والباهظة التكاليف. ولكن ما حدث هو أن الكثير من المدن -مثل نيويورك ولندن- شهدت زيادات كبيرة في عدد سكانها منذ عام 1990، بعد عقود من تراجع عدد السكان.

ويكمن أحد العوامل التي ساعدت المدن في طبيعة الحياة في القرن الحادي والعشرين. ففي الماضي كانت الحياة في البلدان المتقدمة تقوم على الروتين اليومي، فكان الناس يذهبون إلى أعمالهم في المكاتب والمصانع، ويعودون إلى منازلهم لتناول طعام العشاء مع أسرهم، ثم يشاهدون برامجهم التلفزيونية المفضلة ويخلدون إلى النوم، ثم تتكرر هذه الدورة حين يستيقظون في اليوم الموالي.

في تسعينيات القرن العشرين ذهب العديد من الخبراء إلى أن من شأن التقنية أن تجعل المدن غير ذات أهمية، وكان من المعتقد أن من شأن الإنترنت ووسائل الاتصال المتنقلة أن تجعل الناس غير مضطرين للحياة في المراكز الحضرية

تغيرات نمط العيش
بيد أن مثل هذه الدورات المنتظمة الرتيبة لم تعد تنطبق على حياة أغلب الناس. فعلى مدار يوم العمل الواحد يجمع الناس بين العديد من الأنشطة، فقد يعملون في مكتب، ولكنهم قد يلتقون أيضاً بصديق على وجبة الغداء أو يذهبون إلى صالة الألعاب الرياضية، أو يسافرون في رحلة عمل أو يتسوقون عبر الإنترنت وغير ذلك.

وعلى نحو مماثل، لم يعد الوقت في المنزل مرسوماً بشكل واضح كما كانت الحال في الماضي، حيث يزاول الناس أعمالهم عبر الإنترنت، أو يشاركون في مؤتمرات عبر وسائل الاتصال الحديثة، ويطال ذلك أيضا إدارة شؤونهم الأسرية.

وقد اكتشفنا أن هذه الحياة المتعددة المهام تسير بشكل أفضل في المدن التي تحتوي على عدد كبير من وسائل الراحة المادية الملموسة مثل المطارات والمتاجر والمدارس والمتنزهات والمنشآت الرياضية، فضلاً عن وسائل الراحة المعنوية مثل النوادي والحانات والمطاعم.

ومن بين العوامل الأخرى أن المدن ازدادت أهمية باعتبارها مراكز للإبداع والابتكار، فحتى القرن التاسع عشر كان الإبداع يقوم به غالباً أشخاص متعددو المواهب وكفاءات متواضعة غير متخصصة، وكان ذلك يعني بطء تراكم المعرفة الجديدة، ولكن انتشارها بين مختلف المجالات كان سريعاً. وفي القرن العشرين أصبح خلق الإبداع من عمل المتخصصين، الأمر الذي أدى إلى التعجيل بخلق المعرفة ولكنه تسبب أيضاً في تأخر التفاعل بين التخصصات المختلفة.

ولكن الدراسات الحديثة أظهرت أن هذا المصدر من مصادر الإبداع والابتكار يتباطأ بسرعة، فإنتاجية العامل في مجال البحوث في أميركا ربما أصبحت الآن أقل من 15% من إنتاجية باحث مماثل في العام 1950. وبدلاً من هذا أصبح الإبداع يقوم بشكل متزايد على خليط ودمج المعرفة من مختلف التخصصات. وكانت بعض المدن مناسبة بشكل مثالي لهذا النهج، لأنها تحتوي على تركيزات كبيرة من أشكال مختلفة من رأس المال البشري وتشجع التفاعلات العشوائية بين الناس من أصحاب المعارف والمهارات المختلفة.

مشكلة نموذج حضري
والمشكلة في هذا النموذج الحضري في فترة ما بعد الصناعة هي أنه يحابي بقوة المدنَ ذات الأنشطة العامة والقادرة على تجميع أشكال مختلفة من وسائل الراحة المادية والمعنوية، فضلاً عن رأس المال البشري. والواقع أن ديناميكية النمو قد تكون قوية للغاية بالنسبة لبعض المدن الناجحة، حتى أنها يصبح بوسعها سحب البساط من المنافسين الأصغر حجماً (على سبيل المثال لندن في مواجهة مدن شمال إنجلترا).

وقد يكون أداء بعض المدن المتخصصة طيباً في هذا العالم، ولكن كما يظهر لنا في حالة ديترويت واعتمادها الطويل على صناعة السيارات، فإن المدن التي تعتمد على صناعة منفردة أو على ميزة مؤقتة يوفرها موقعها قد يكون أداؤها هزيلاً للغاية.

وكل هذا يخلف تأثيرات بالغة الأهمية على الاقتصادات الناشئة، فبعدما حوّلت نفسها إلى "مصنع العالم" قفزت حصة سكان المناطق الحضرية في الصين من 26.4% عام 1990 إلى نحو 53% اليوم. كما نمت المدن العالمية الكبيرة مثل بكين وشنغهاي بشكل كبير، ولكن القسم الأعظم من الهجرة الحضرية كان نحو مدن صناعية صغيرة ومتوسطة الحجم تضخمت أحجامها بشكل كبير على مدى العقد الماضي. ومن خلال تجميع البنية الأساسية الصناعية واستخدام نظام تصاريح الإقامة التي تتحدد وفقاً لكل مدينة بعينها، تمكنت السلطات من السيطرة على العملية بشكل مذهل.

ولكن هذه العملية من النمو الحضري توشك أن تنهار الآن، فمع تحويل الصين نموذجها الاقتصادي بعيداً عن الاستثمار في البنية الأساسية الثقيلة والتصنيع بكميات كبيرة ستفقد العديد من هذه المدن الصناعية الصغيرة صناعاتها الأساسية، وسيحدث هذا في وقت تتسبب فيه انحراف الظروف الديمغرافية (التركيبة السكانية) في تقلص قوة العمل وتباطؤ تدفق الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن (تضم التجمعات السكانية الريفية عدداً غير متناسب من كبار السن).

كما يظهر لنا في حالة ديترويت واعتمادها الطويل على صناعة السيارات، فإن المدن التي تعتمد على صناعة منفردة أو على ميزة مؤقتة يوفرها موقعها قد يكون أداؤها هزيلاً للغاية

جاذبية هنا وإفراغ هناك
ومن ناحية أخرى، فإن عوامل الجذب في مرحلة ما بعد الصناعة في مدن مثل شنغهاي وبكين ستجتذب الأبناء الأكثر موهبة والأفضل تعليماً في أسر العاملين الصناعيين اليوم. وعلى النقيض من المهاجرين الريفيين المتوجهين إلى وظائف صناعية، فسيكون من الأصعب كثيراً توجيه المحترفين المتعلمين والمبدعين باستخدام نظام تصاريح الإقامة، ومن ثم فإن الطفرة التي تشهدها المدن الناجحة ستعمل على إفراغ المراكز الصناعية الأقل جاذبية من رأسمالها البشري، فتدخل هذه المراكز في حلقة مفرغة من الاضمحلال وانخفاض الإنتاجية.

لقد تكررت قصص مثل قصة ديترويت عدة مرات في البلدان المتقدمة خلال نصف القرن الماضي، وكما يشير المصير الذي انتهت إليه بلدات مكسيكية في شمال البلاد فإن الاقتصادات الناشئة ليست محصنة ضد هذه العملية.

ولهذا السبب يتعين على الصين أن تستعد لهذه اللحظة، وبدلاً من بناء المزيد من البلدات الصناعية الصغيرة فإنها تحتاج إلى إعادة تجهيز وترقية المدن القائمة. ومع اتجاه سكان الصين نحو الانكماش، فقد يكون من المجدي أيضاً إغلاق المدن غير القابلة للاستمرار في الحياة ودمجها في كيانات أكبر. وينبغي لمصير ديترويت أن يكون بمثابة إنذار، ليس فقط للصين، بل وأيضاً للجيل التالي من الدول المتوسعة حضريا (مثل الهند).
_______________
محلل إستراتيجي عالمي لدى بنك دويتشه الألماني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة