محاذير إنهاء التيسير النقدي بأميركا   
الثلاثاء 1434/6/20 هـ - الموافق 30/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 23:13 (مكة المكرمة)، 20:13 (غرينتش)



نورييل روبيني


- السندات السيادية
- ضعف الأسواق
- سعر الفائدة

كان الضعف المستمر الذي يعاني منه الاقتصاد الأميركي، حيث تتزايد وتيرة تقليص المديونية في القطاعين العام والخاص على أشده، سببا في ارتفاع لمعدلات البطالة وانخفاض النمو إلى مستويات متواضعة. وتعمل التأثيرات المترتبة على إجراءات التقشف في الموازنة -من ارتفاع حاد للضرائب وانخفاض حاد للإنفاق الحكومي منذ بداية 2013- على تقويض الأداء الاقتصادي.

والواقع أن البيانات الأخيرة أدت فعليا إلى إسكات تلميحات بعض المسؤولين في بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي)، التي تقول بضرورة إنهاء الجولة الثالثة الحالية (وغير المحددة الأجل) من التيسير الكمي.

وبسبب بطء النمو وارتفاع البطالة (التي لم تنخفض إلا بسبب ترك عمال محبطين لسوق العمل)، وانخفاض التضخم إلى مستوى أقل كثيرا من الهدف الذي حدده بنك الاحتياطي فإن الوقت الآن ليس مناسبا على الإطلاق للبدء في تقييد السيولة.

والمشكلة هي أن ضخ المركزي الأميركي للسيولة لا يوفر الائتمان اللازم للاقتصاد الحقيقي، بل إنه بدلاً من ذلك يعزز من الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق من خلال الاستدانة) وخوض المجازفات في الأسواق المالية.

بسبب بطء النمو وارتفاع البطالة وانخفاض التضخم إلى مستوى أقل كثيرا من الهدف الذي حدده بنك الاحتياطي فإن الوقت الآن ليس مناسبا على الإطلاق للبدء في تقييد السيولة

والواقع أن إصدار السندات غير المرغوبة ذات المخاطر العالية في ظل اتفاقيات فضفاضة وأسعار فائدة بالغة الانخفاض آخذ في الزيادة، وقد بلغت سوق الأوراق المالية ارتفاعات جديدة رغم تباطؤ النمو، كما أن الأموال تتدفق على الأسواق الناشئة ذات العوائد المرتفعة.

السندات السيادية
وحتى الدول الواقعة على أطراف منطقة اليورو تستفيد من السيولة الذي أطلقه بنك الاحتياطي الفدرالي وبنك اليابان المركزي وغيرهما من البنوك المركزية الكبرى. ومع بلوغ أسعار الفائدة على السندات الحكومية في الولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة وألمانيا وسويسرا مستويات منخفضة للغاية فإن المستثمرين خرجوا في طلب العائدات في العالم كله.

وقد يكون من السابق للأوان أن نجزم بأن العديد من الأصول الخطرة بلغت مستويات الفقاعة، وأن الاستعانة بالروافع المالية وخوض المجازفات في الأسواق المالية أصبح مفرطا. غير أن الحقيقة هي أنه من المرجح وقوع فقاعات الائتمان وفقاعات الأصول/الأسهم في العامين المقبلين نظرا للسياسة النقدية غير المحكمة في الولايات المتحدة.

وقد أشار بنك الاحتياطي الفدرالي إلى أن الجولة الثالثة من التيسير الكمي ستستمر إلى أن تتحسن أسواق العمل بالقدر الكافي (ربما في أوائل 2014)، مع إبقاء سعر الفائدة عند مستوى الصفر في المائة إلى أن تنخفض مستويات البطالة إلى 6.5% على الأقل (ليس قبل بداية 2015 على الأرجح).

وحتى عندما يبدأ المركزي الأميركي في زيادة أسعار الفائدة (في وقت ما من 2015) فإنه سيتدرج في تنفيذ هذا الأمر ببطء. ففي دورة إحكام السياسة النقدية السابقة -التي بدأت في 2004- استغرق بنك الاحتياطي الفدرالي عامين قبل تطبيع سعر الفائدة الرسمي. إلا أن معدل البطالة وديون الأسر والحكومة هي أعلى كثيرا هذه المرة، ومن شأن تنفيذ تطبيع سريع للسعر -كما حدث في غضون سنة واحدة في العام 1994- أن يؤدي لانهيار أسواق الأصول وسيؤدي ارتفاع المخاطر إلى هبوط اقتصادي حاد.

ضعف الأسواق
ولكن إذا كانت الأسواق المالية ضعيفة الآن فإلى أي حد قد يصل هذا الضعف في العام 2015 عندما يبدأ بنك الاحتياطي في تشديد سياسته النقدية، وفي العام 2017 (إن لم يكن قبل ذلك) عندما ينهي البنك إحكام سياسته؟ ففي المرة الأخيرة كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية لفترة أطول مما ينبغي (فترة 2001-2004) وكان عملية تطبيع سعر الفائدة في أعقاب ذلك أبطأ مما ينبغي، الأمر الذي أدى لنشوء فقاعات ضخمة في أسواق الائتمان والإسكان والأسهم.

ونحن نعلم كيف انتهى هذا الفيلم، وربما نستعد لجزء ثان منه. إن ضعف الاقتصاد الحقيقي وسوق العمل، إلى جانب ارتفاع نسب الديون، يشير إلى ضرورة الخروج من التحفيز النقدي ببطء. ولكن الخروج البطيء ينطوي على مجازفة بخلق فقاعات لا تقل ضخامة عن سابقاتها في سوق الائتمان وسوق الأصول، إن لم تكن أضخم. ويبدو أن السعي إلى تحقيق هدف استقرار الاقتصاد الحقيقي قد يؤدي مرة أخرى إلى عدم الاستقرار المالي.

البعض داخل البنك المركزي الأميركي يزعم أنه من الممكن تحقيق هدفين معا، بحيث يرفع البنك أسعار الفائدة ببطء من أجل توفير الاستقرار الاقتصادي وللحيلولة في الوقت نفسه دون المس بالاستقرار المالي

ويزعم البعض في المركزي الأميركي -رئيس البنك بن برنانكي ونائبته جانيت يلين- أن صانعي السياسات من الممكن أن يحققوا الهدفين معا، بحيث يرفع البنك أسعار الفائدة ببطء من أجل توفير الاستقرار الاقتصادي (الدخل القوي ونمو تشغيل العمالة وانخفاض التضخم) وللحيلولة في الوقت نفسه دون المس بالاستقرار المالي (نشوء فقاعات الائتمان والأصول بفعل السيولة العالية وأسعار الفائدة المنخفضة) من خلال الإشراف الحصيف على الاقتصاد الكلي واستخدام القيود التنظيمية التي تحكم عمل النظام المالي.

بعبارة أخرى سوف يستخدم بنك الاحتياطي الفدرالي أدوات تنظيمية للتحكم في نمو الائتمان ومعدلات خوض المجازفة والاستعانة بالروافع المالية.

غير أن فصيلا آخر في المركزي الأميركي -بقيادة المحافظين جيرمي شتاين ودانيال تارولو- يزعم أن أدوات الاقتصاد الكلي الحصيف لم تخضع للاختبار بعد، وأن الحد من الروافع المالية في جزء من السوق المالية يدفع السيولة ببساطة للانتقال إلى مكان آخر.

والواقع أن بنك الاحتياطي الفدرالي لا ينظم سوى البنوك، لذا فإن السيولة والروافع المالية سوف تنتقل إلى النظام المصرفي الموازي إذا كان تنظيم عمل البنوك بقدر أعظم من الإحكام.

سعر الفائدة
ونتيجة لهذا فإن أداة سعر الفائدة لدى بنك الاحتياطي الفدرالي، كما يزعم شتاين وتارولو، هي وحدها القادرة على الوصول إلى كل الشقوق والشروخ في النظام المالي. ولكن إذا كان البنك المركزي لا يملك سوى أداة فعالة واحدة -أسعار الفائدة- فمن غير الممكن تحقيق هدفيه المتمثلين في إرساء الاستقرار الاقتصادي والمالي في الوقت نفسها.

فإما أن يسعى بنك الاحتياطي الفدرالي إلى تحقيق الهدف الأول من خلال إبقاء أسعار الفائدة منخفضة لفترة أطول ثم يعود إلى تطبيعها ببطء شديد، وهذا يعني نشوء فقاعات ائتمان وأصول بالغة الضخامة في حينه، وإما أن يركز على منع اضطراب القطاع المالي فيزيد أسعار الفائدة بسرعة أكبر مما قد ينشأ عنه ضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة، وبالتالي يعيق التعافي الاقتصادي الهزيل أصلا.

إن الخروج من سياسات التيسير الكمي وأسعار الفائدة المنخفضة إلى مستوى الصفر التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفدرالي سيكون محفوفا بالمخاطر البالغة، فالخروج بسرعة أكبر مما ينبغي يعني انهيار الاقتصاد الحقيقي، في حين يعني الخروج ببطء أكبر مما ينبغي نشوء فقاعة ضخمة أولا ثم انهيار النظام المالي، وإذا لم يكن باستطاعة البنك المركزي الإبحار عبر المنفذ بنجاح فمن المرجح أن يتسبب في نشوء الفقاعات.

ـــــــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة