العولمة والنزعات القومية   
الأحد 11/8/1435 هـ - الموافق 8/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)

 نورييل روبيني

ردة الفعل العنيفة ضد العولمة
تحميل التجارة الخارجية المسؤولية
تأجيج النزعة القومية

ردة الفعل العنيفة ضد العولمة
في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008 مباشرة، كان نجاح صناع السياسات في منع الركود العظيم من التحول إلى الكساد الأعظم الثاني سبباً في وضع المطالبات بفرض تدابير الحماية -وغير ذلك من التدابير المنغلقة على الذات- تحت السيطرة.

لكن الآن أقبلت علينا ردة الفعل العنيفة ضد العولمة، وكل ما صاحبها من حرية الحركة للسلع والخدمات ورأس المال والعمالة والتكنولوجيا.

وتتخذ هذه النزعة القومية الجديدة أشكالاً اقتصادية مختلفة، مثل: الحواجز التجارية، وتدابير حماية الأصول، وردود الفعل المضادة للاستثمار المباشر الأجنبي، والسياسات التي تحابي العمال المحليين والشركات المحلية، والتدابير المناهضة للهجرة، وفي بعض الحالات الصعود الصريح للأحزاب العنصرية.

تتخذ هذه النزعة القومية الجديدة أشكالاً اقتصادية مختلفة: مثل الحواجز التجارية، وتدابير حماية الأصول، وردود الفعل المضادة للاستثمار المباشر الأجنبي، والسياسات التي تحابي العمال المحليين والشركات المحلية، والتدابير المناهضة للهجرة، وفي بعض الحالات الصعود الصريح للأحزاب العنصرية

الواقع أن هذه القوى تمقت كل ما يمت بصلة لمؤسسات الحكم فوق الوطنية - على سبيل المثال: الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي- التي تفرضها العولمة. وحتى شبكة الإنترنت -التي كانت بمثابة الخلاصة المركزة للعولمة على مدى العقدين الماضيين- أصبحت معرضة لخطر البلقنة (التقسيم) مع سعي المزيد والمزيد من الدول الاستبدادية -بما في ذلك الصين وإيران وتركيا وروسيا- إلى تقييد القدرة على الوصول إلى وسائل الإعلام الاجتماعية وتضييق الخناق على حرية التعبير.

تحميل التجارة الخارجية المسؤولية
والأسباب الرئيسية وراء هذه الاتجاهات واضحة، فقد سنحت الفرصة للأحزاب الشعبوية -بفضل ضعف التعافي الاقتصادي- لتحميل التجارة الخارجية والعمال الأجانب المسؤولية عن الوعكة التي طال أمدها. أضف إلى هذا، اتساع فجوة التفاوت في الدخل والثروة في أغلب البلدان.

ولن يدهشك أن ترى مفهوم استئثار الفائز بكل شيء في الاقتصاد والذي لا يستفيد منه سوى النخب ولا يفضي إلا إلى تشويه النظام السياسي وقد انتشر على نطاق واسع.

وفي الوقت الحاضر، بات من الواضح أن الاقتصادات المتقدمة (مثل الولايات المتحدة حيث تحول التمويل غير المحدود للمسؤولين المنتخبين من قِبَل أصحاب المصالح التجارية القوية مالياً إلى فساد مقنن) والأسواق الناشئة (حيث يهيمن أفراد القِلة الحاكمة غالباً على الاقتصاد والنظام السياسي) أصبحت تُدار لصالح القِلة.

وعلى النقيض من هذا، لم تجد الأغلبية سوى الركود المادي، في ظل ركود تشغيل العمالة والأجور. وكان شعور الطبقات العاملة والمتوسطة نتيجة لهذا بانعدام الأمان الأكثر حِدة في أوروبا ومنطقة اليورو، حيث تمكنت الأحزاب الشعبوية -المنتمية إلى اليمين المتطرف غالبا- في العديد من البلدان من التفوق على القوى السائدة في انتخابات البرلمان الأوروبي في الأسبوع الماضي.

وكما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين عندما أدت أزمة الكساد الأعظم إلى صعود الحكومات الاستبدادية في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، فقد نشهد اتجاهات مماثلة قريبا.

إذا لم يتحسن نمو الدخل وفرص العمل قريبا، فقد تقترب الأحزاب الشعبوية من السلطة على المستوى الوطني في أوروبا، حيث تعمل المشاعر المعادية للاتحاد الأوروبي على تعطيل عملية التكامل الاقتصادي والسياسي في أوروبا. والأسوأ من هذا هو أن منطقة اليورو قد تصبح عُرضة للخطر مرة أخرى: فقد تخرج بعض البلدان (مثل المملكة المتحدة) من الاتحاد الأوروبي، وقد تنتهي الحال ببلدان أخرى (المملكة المتحدة وإسبانيا وبلجيكا) إلى التفكك.
يظل الشرق الأوسط غارقاً في حالة من التقهقر، فقد أفسح الربيع العربي -الذي أشعل شرارته النمو البطيء وارتفاع البطالة بين الشباب واليأس الاقتصادي واسع النطاق- المجال لشتاء طويل في بعض دول الربيع

وحتى في الولايات المتحدة، بات بوسعنا أن نرى وراء النفوذ المتزايد الذي اكتسبه اليمين المتطرف، وفصائل حزب الشاي في الحزب الجمهوري، طبقة دنيا ضخمة من ذوي البشرة البيضاء يشعر أفرادها بأنهم باتوا مهددين بفعل الهجرة والتجارة العالمية، وتتسم هذه المجموعات بالمحاباة الاقتصادية للمواطنين على حساب المهاجرين، ومعاداة الهجرة، والميل إلى تدابير الحماية، والانعزالية الجيوسياسية.

وبوسعنا أيضاً أن نرى شكلاً آخر من أشكال هذه الديناميكية في روسيا والعديد من أجزاء أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، حيث لم يُسفِر سقوط سور برلين عن قدوم الديمقراطية والتحرر الاقتصادي ونمو الناتج السريع، بل ظلت الأنظمة القومية والاستبدادية على رأس السلطة طيلة القسم الأعظم من ربع القرن الماضي، فتبنت نماذج النمو القائمة على رأسمالية الدولة والتي لم تضمن سوى الأداء الاقتصادي المتواضع. وفي هذا السياق، لا يجوز لنا أن نفصل ممارسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المزعزعة للاستقرار في أوكرانيا عن حلمه المتمثل في قيادة "الاتحاد الأوراسي"، الذي يمثل محاولة مكشوفة لإعادة تكوين الاتحاد السوفياتي السابق.
 
وفي آسيا أيضا، عادت النزعة القومية إلى الظهور، فالزعماء الجدد في الصين واليابان وكوريا الجنوبية -والهند الآن- ينتمون إلى تيار القوميين السياسيين في المنطقة، حيث لا تزال النزاعات الإقليمية خطيرة وتستمر المظالم التاريخية القديمة في التفاقم.

تأجيج النزعة القومية
والواقع أن هؤلاء الزعماء -فضلاً عن أولئك في تايلند وماليزيا وإندونيسيا، والذين يتحركون في اتجاه قومي مماثل- لا بد أن يتصدوا لتحديات كبرى في مجال الإصلاح البنيوي إذا كان لهم أن يتمكنوا من إحياء النمو الاقتصادي المحتضر، وفي حالة الأسواق الناشئة تجنب فخ الدخل المتوسط. وقد يؤدي الفشل الاقتصادي إلى تأجيج النزعة القومية والاتجاهات الكارهة للأجانب، بل وحتى إطلاق شرارة صراع عسكري.

وفي الوقت ذاته، يظل الشرق الأوسط غارقاً في حالة من التقهقر، فقد أفسح الربيع العربي -الذي أشعل شرارته النمو البطيء وارتفاع البطالة بين الشباب واليأس الاقتصادي واسع النطاق- المجال لشتاء طويل في مصر وليبيا، حيث تتلخص البدائل في العودة إلى الأقوياء المستبدين والفوضى السياسية.

يعمل الفشل الاقتصادي والافتقار إلى الفرص وانعدام الأمل بين الفقراء والشباب على تغذية التطرف السياسي والديني، والاستياء من الغرب، وفي بعض الحالات الإرهاب الصريح

وفي سوريا واليمن، تستعر نيران الحرب الأهلية، وقد يواجه العراق ولبنان مصيراً مماثلا، وإيران غير مستقرة وتشكل خطورة على جيرانها، وتبدو أفغانستان وباكستان أشبه بالدول الفاشلة بشكل متزايد.

وفي كل هذه الحالات، يعمل الفشل الاقتصادي والافتقار إلى الفرص وانعدام الأمل بين الفقراء والشباب على تغذية التطرف السياسي والديني، والاستياء من الغرب، وفي بعض الحالات الإرهاب الصريح.

في ثلاثينيات القرن العشرين، كان الفشل في منع الكساد الأعظم سبباً في تمكين الأنظمة الاستبدادية في أوروبا وآسيا، وهو ما أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية في نهاية المطاف. وفي الوقت الحاضر، تعمل الأضرار الناجمة عن الركود العظيم على إخضاع أغلب الاقتصادات المتقدمة لحالة من الركود المادي وخلق تحديات بنيوية كبرى تعوق النمو في الأسواق الناشئة.

هذه هي البيئة المثالية لنشوء وازدهار القومية الاقتصادية والسياسية. وينبغي لنا أن ننظر إلى ردة الفعل العكسية العنيفة ضد التجارة والعولمة في سياق ما قد يأتي لاحقا، كما علمتنا التجربة.
ــــــــــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك.

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة