تدفق رأس المال الأجنبي بإيران والوضع العمالي   
الخميس 14/10/1436 هـ - الموافق 30/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 4:33 (مكة المكرمة)، 1:33 (غرينتش)

تامر بدوي

الأجور والاحتجاجات وعقود التوظيف
قنوات تأثير دخول المستثمرين الأجانب
محاولات تثبيت سوق العمل

يفتح السماح للمستثمرين الأجانب بالدخول إلى الأسواق الإيرانية جدلا إزاء التغير الذي سيطرأ على سوق العمل, خاصة فيما يخص أجور وسياسات توظيف العمال، إذ تتجه المخاوف إلى ما سيخلفه دخول الأجانب من تأثير على الوضع المعيشي للعمالة الإيرانية، خاصة غير المدربة. ولذلك تواجه الإدارة الحالية العديد من التحديات من أجل تلافي وقوع تأثيرات سلبية واسعة على سوق العمل مع دخول استثمارات أجنبية إلى قطاعات مختلفة, وهو ما سيدفع إلى ترتيبات تنظيمية جديدة لسوق العمل.

يأتي ذلك في وقت يعاني فيه المجتمع الإيراني من نسبة بطالة تناهز 10.8% في ربيع العام الجاري، وهو تقدير رسمي قد لا يعكس الواقع، وفقا لجهاز الإحصاء. وكان حسن طايي مساعد وزير العمل الإيراني قد قدر في يونيو/حزيران 2015 وصول نسبة البطالة في البلاد إلى 11.5%.

في حين يتوقع صندوق النقد الدولي بلوغ البطالة في إيران 14.6% بين العامين 2015 و2016، لترتفع إلى 20% بحلول العام 2018 في حال استمرار المؤشرات التي بنى فريق الصندوق حساباته على أساسها آنذاك. أما في حال إجراء إصلاحات تزيد من مرونة الطلب على العمالة مع نمو القطاعات غير النفطية, فيتوقع الصندوق تراجع نسبة البطالة إلى 9% مستقبلا.

الأجور والاحتجاجات وعقود التوظيف
لقد تضاعفت أجور العمال في إيران منذ العام 1979 وحتى الآن 419 مرة، ومع ذلك لم يعكس ذلك تحسنا في القدرة الشرائية للأسر العمالية في تلك الفترة (37 سنة)، وقد شهدت هذه القدرة تحسنا نسبيا منذ العام 2000 وحتى 2007 نتيجة ارتفاع الأجر الحقيقي (بعد احتساب تأثير التضخم)، ثم تلت هذه الفترة تذبذبات منذ العام 2008 وحتى نهاية العام 2010.

رغم التحسن الذي شهدته أجور العمال في إيران منذ بداية الألفية الجديدة وفقا للتقارير, كان عدد الإضرابات في تصاعد. وشهدت البلاد بين مارس/آذار 2001 و2002 نحو 319 احتجاجا عماليا

رغم التحسن الذي شهدته أجور العمال منذ بداية الألفية الجديدة وفقا للتقارير, كان عدد الإضرابات في تصاعد. وشهدت البلاد بين مارس/آذار 2001 و2002 نحو 319 احتجاجا عماليا. كان الإضراب الأشهر في تلك الفترة في يناير/كانون الثاني 2004 حين أطلقت القوات الخاصة الإيرانية النار على ثلاثمئة عامل بناء مضرب عند وحدة لتذويب النحاس تحت الإنشاء في مدينة خاتون‌ آباد (محافظة كرمان).

ثم بدأت قيمة الأجور تتراجع بصورة كبيرة منذ العام 2011 خاصة بسبب تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة هيكلة الدعم في ديسمبر/كانون الأول 2010. ففي حين بلغ معدل التضخم 21.5% في 2011, لم يتجاوز كتلة الأجور في الموازنة عن 9%. وفي المقابل, وقبل إقرار موازنة العام الجديد, تصاعدت الاحتجاجات العمالية بصورة كبيرة بين مارس/آذار 2010 و2011 ليصل عددها إلى 550 احتجاجا.

وفي العام 2013, تشير تقارير إلى تكبد الأسر العمالية عجزا في موازنتها الشهرية بلغ 25% تقريبا. وفي حين يقدر متوسط الإنفاق الشهري للأسرة التي تتكون من أربعة أفراد 3.2 ملايين تومان () في الوقت الحالي, ولا يزيد متوسط دخلها عن 1.2 مليون تومان () شهريا، وفقا لتقرير نشرته وكالة أبناء مهر الإيرانية شبه الرسمية في 17 يوليو/تموز من العام الجاري.

ويمكن توقع تراجع إنفاق الأسر العمالية على الصحة دراماتيكيا إذا أخذ في الاعتبار أن الأسرة الإيرانية المنتمية للطبقة الوسطى قد تراجع متوسط إنفاقها على الصحة في العام الماضي ليشكل فقط 5.8% من مجموع إنفاقها، بعد أن كان يمثل 12.5% في العام 2013.

وأما عقود توظيف العمال, فهي أيضا تعكس وضعا مضطربا ومجحفا، ففي حين لم تزد نسبة العقود المؤقتة، وتتراوح مدتها بين شهر وثلاثة أشهر، عن 6% من مجمل عقود توظيف العمال في العام 1989, قفزت لتستحوذ على 93% من مجموع العقود في السنوات الأخيرة (زاد أكثر من 15 مرة).

ويذهب تقرير نشره موقع كلمة التابع للتيار الإصلاحي في يوليو/تموز 2015 إلى أن رواج هذه النوعية من العقود يعود إلى بدء ظهور شركات توظيف منذ فترة التسعينيات تمثل في الحقيقة أطرافا دولتية وشبه دولتية, أو تتبع القطاع الخاص وتفرض شروطها على العمال عبر هذه الكيانات.

في هذا السياق, ترفض إيران حتى الآن التوقيع على قانوني منظمة العمل الدولية رقم 87 (حرية التنظيم وحماية حق التنظيم) و98 (الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية).

قنوات تأثير دخول المستثمرين الأجانب
في ظل تدني المستوى المعيشي للعمال، خاصة غير المدربين, يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر التأثير سلبا على المجتمع العمالي في إيران عبر قنوات متعددة في اقتصاد سيتعرض للمزيد من التحرير في الفترة القادمة، فهناك تجارب استثمارية في دول أخرى نتجت عنها تأثيرات على سوق العمل قد تعرف إيران تداعيات مماثلة لها.

في ظل تدني المستوى المعيشي للعمال (خاصة غير المدربين), يمكن للاستثمار الأجنبي المباشر التأثير سلبا على المجتمع العمالي في إيران عبر قنوات متعددة في اقتصاد سيتعرض للمزيد من التحرير في الفترة القادمة

ووفقا لدراسات كان للاستثمار الأجنبي المباشر في عدد من دول أميركا اللاتينية تداعيات من شأنها مفاقمة مشكلة التوزيع غير العادل للأجور لأسباب، أولها إزالة القيود الجمركية عن قطاعات كثيفة التوظيف للعمالة غير المدربة، وثانيا الارتباط المتنامي للاستثمار الأجنبي المباشر بارتفاع الطلب على العمالة المدربة، وثالثا تراجع القيمة الحقيقية للأجور وضعف القوة التنظيمية للعمالة غير المدربة.

إن التحدي الذي تواجهه طهران في الفترة القادمة هو مدى قدرة المصنعين المحليين, الذين لم يواجهوا منافسة أجنبية منذ سنوات, على التكيف مع المناخ الاستثماري الجديد بعد رفع العقوبات، إذ يرى أحد المراقبين الاقتصاديين الإيرانيين أن طهران استثمرت بكثافة في قطاعات صناعية مختلفة لسد العجز الذي سببته العقوبات من قيود على استيراد مجموعة كبيرة من السلع.

ولكن بعد رفع العقوبات سيكون على المصنعين المحليين العمل في ظل مناخ مختلف تماما سيخلو من القيود السابقة من ناحية، ولكن سيخلق نوعية جديدة من التحديات من ناحية أخرى، ففي حال عدم قدرتهم على المنافسة وتحسن كفاءة الإنتاج قد يخرج العديد من المصنعين المحليين من السوق أو يصبحون على الهامش، ثم يضطرون إلى تسريح جزء من العمالة المدربة أو غير المدربة بسبب تراجع حجم الإنتاج.

ولكن نظرا لحساسية مسألة دخول المستثمرين الأجانب للقوى الاقتصادية شبه الدولتية، كشركات التصنيع والمقاولة التابعة بشكل مباشر وغير مباشر للحرس الثوري وغيرها من المؤسسات المرتبطة بالمرشد، الأرجح هو وجود تفاهمات أو مساومات بين الإدارة الحالية وهذه القوى على القطاعات التي تضعها الإدارة في أعلى سلم أولوياتها للاستثمار الأجنبي، وتلك التي تضعها القوى الداخلية في أعلى سلم أولوياتها. صحيح أن ذلك قد يساعد على امتصاص التأثيرات السلبية على المصنعين المحليين بدرجة ما, ولكن قد ينتج أيضا عن فتح الباب للمستثمرين الأجانب والتحرير التدريجي للتجارة تداعيات اجتماعية واقتصادية غير مرغوب فيها.

محاولات تثبيت سوق العمل
يبدو أن السلطات الإيرانية تسعى للتمهيد للمرحلة القادمة بالبدء في خطوات تستهدف تحسين وضع العمال في إطار جهودها لتقليص نسبة البطالة، ففي يونيو/حزيران 2015 أصدرت وزارة العمل قرارا يلغي العمل بعقود توظيف العمال التي تقل مدتها عن عام واحد، ولكن سرعان ما تراجعت عن القرار في أقل من أسبوع بسبب ضغوط، فنظرا لحجم تداعيات القرار على مشروعات المصنعين لم يكن تمرير القرار بالأمر اليسير.

من ناحية أخرى, ستستمر الحكومة في مساعيها لخلق المزيد من الوظائف، إذ من المتوقع أن تحقق طهران استثمارات ممولة من الداخل تصل قيمتها إلى 204 مليارات دولار من مجموع 361 مليار دولار مخطط لهم في الخطة الخمسية السادسة للتنمية 2016/2021 وفقا لرئيس جهاز التخطيط والإدارة محمد باقر نوبخت. وفي هذا السياق تعد مشروعات البنية التحتية التي تتوسع طهران في الإنفاق عليها أيضا من أهم الوسائل الهادفة إلى خلق وظائف جديدة.

ولكن للمسألة أيضا أبعاد إقليمية، تتمثل في وجود فائض من العمال الأفغان اللاجئين إلى إيران (عمال غير مدربين)، الذين يبلغ عددهم 1.4 مليون فرد تقريبا، حسب تقديرات سابقة، ووفقا لتقرير لوكالة رويترز يعود تاريخه إلى ديسمبر/كانون الأول 2012 اتخذت وزارة الداخلية الإيرانية قرارا يقضي بترحيل سبعمئة ألف لاجئ أفغاني بحلول 21 مارس/آذار 2015. وعلى هذا الأساس ربما ترى طهران في طرد عدد كبير من اللاجئين الأفغان جزءا من الحل لتخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المجتمع الإيراني في الوقت الحالي.
ـــــــــــــ
باحث مختص بالشأن الإيراني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة