أوكرانيا ومخاطر إعادة هيكلة الديون   
الخميس 1435/5/19 هـ - الموافق 20/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:27 (مكة المكرمة)، 16:27 (غرينتش)



نايري وودز-تايلور سانت جون


- إشكاليات الاتفاق الجماعي للدائنين
- بنود المعاهدات الاستثمارية
- متطلبات مواجهة أزمة أوكرانيا

وسط كل مشاكلها الأخرى، تجد أوكرانيا نفسها عاجزة عن سداد ديونها، فهي في احتياج إلى المزيد من الأموال، والإصلاح الجدي، وإعادة جدولة ديونها. ورغم هذا، فإن أفضل الجهود من لدن صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحقيق هذا ستكون مقيدة وعرجاء بسبب اتفاقيات الاستثمار التي فرضتها هذه الجهات فرضاً على أوكرانيا والعديد من الاقتصادات الناشئة الأخرى، والواقع أن أوكرانيا قد تواجه سلسلة من القضايا القانونية المعقدة والمكلفة.

في السنوات الأخيرة زعم المحامون المخضرمون الذين يستعين بهم الدائنون بأن معاهدات الاستثمار تعطي حاملي السندات الحقوق نفسها التي يتمتع بها الاستثمار المباشر الأجنبي، ونقلوا قضايا الديون السيادية إلى إجراءات التحكيم الدولي حيثما وجدوا معاهدات استثمار تحمل تعريفات مفتوحة فضفاضة، والواقع أن التجارب الأخيرة التي خاضتها بلدان مثل الأرجنتين واليونان وقبرص تسلط الضوء على هذا "التأثير المعاكس" على عملية إعادة هيكلة الديون السيادية.

كانت أولى هذه القضايا هي قضية "أباكلات" وغيرها ضد الأرجنتين، والتي بدأت عام 2008. فقد رفض الآلاف من حاملي السندات الإيطاليين اتفاقا لإعادة هيكلة ديون الأرجنتين، ونجحوا في الاستدلال على رفضهم بأن معاهدة الاستثمار بين إيطاليا والأرجنتين أعطتهم الحق في المطالبة بالتعويض عن طريق التحكيم بين المستثمر والدولة.

إشكاليات الاتفاق الجماعي للدائنين
إن حل أزمة الديون السيادية يتطلب التوصل إلى اتفاق جماعي من قِبَل الدائنين، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الحافز الفردي لدى المستثمرين لمحاولة انتزاع أموالهم والفرار بها، وهذا هو السبب الذي يجعل معاهدات الاستثمار التي تترك مجالاً لرفض التعاون هدَّامة، وتؤدي إلى نتائج سلبية.

في الولايات القضائية الوطنية تستخدم آلية الإفلاس لتجميع مطالب الدائنين، لكن لا توجد مثل هذه الآلية على المستوى الدولي. في عام 2002 اقترح النقد الدولي آلية مماثلة ولكن الخطة قوبلت بالرفض

في الولايات القضائية الوطنية تستخدم آلية الإفلاس لتجميع مطالب الدائنين، ولكن لا توجد مثل هذه الآلية على المستوى الدولي. في عام 2002 اقترح النقد الدولي آلية مماثلة، ولكن الخطة قوبلت بالرفض بفعل ضغوط متضافرة من المستثمرين، وتم التوصل بدلاً من ذلك إلى اتفاق لاستخدام بنود العمل الجماعي في عقود الديون.

على سبيل المثال، أعلنت مجموعة اليورو أن جميع سندات منطقة اليورو السيادية الصادرة بعد الأول من يناير/كانون الثاني 2013 لا بد أن تتضمن بنود العمل الجماعي، والتي تجعل اقتراح إعادة هيكلة الديون الحكومية ملزِماً قانوناً لكل حاملي السندات إذا قَبِلَت أغلبية حاملي السندات الاتفاق. وعندما يتم العمل بهذه البنود فإنها تساعد في تبسيط عملية إعادة هيكلة الديون.

في الحالة اليونانية، تم إدراج بنود العمل الجماعي بأثر رجعي على جميع الديون اليونانية، وقد سمح ذلك بإعادة الهيكلة بشكل أسرع وأكثر تنظيماً. وقد شجعت الترويكا (النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية) الحكومة اليونانية على إدراج تلك البنود، ولكن هذه المناورة أصبحت الآن موضوعاً للطعن باعتبارها نوعا من المُصادرة وفق التحكيم الدولي.

بنود المعاهدات الاستثمارية
ومن الممكن أن ينطبق الأمر نفسه بسهولة على أوكرانيا، التي صدقت على أكثر من خمسين معاهدة استثمارية. والبنود المتضمنة في تلك المعاهدة مماثلة -بل متطابقة في الغالب- مع تلك الواردة في معاهدات الاستثمار اليونانية، والتي فتح المجال لتعريفات فضفاضة للاستثمار، والتي لا تستبعد الديون السيادية. وعلاوة على ذلك، تتيح العديد من المعاهدات للمستثمرين إمكانية اللجوء إلى التحكيم بشكل مباشر.

ما العمل إذن؟ بادئ ذي بدء، بوسع البلدان التي أبرمت معاهدات استثمار مع أوكرانيا أن تضيف ملحقات توضح صراحة بأن الديون السيادية مستبعدة. ومن غير العملي أن نفكر في إعادة التفاوض حول أكثر من خمسين معاهدة، ولكن كييف قد تستفيد بشكل كبير من إعادة التفاوض على معاهدة بعينها وهي معاهدة الاستثمار بينها وبين واشنطن.

وفقاً لبعض التقديرات، فإن أكثر من 20% من ديون الحكومة الأوكرانية اشتراها مؤخراً صندوق استثمار أميركي منفرد، وهو صندوق فرانكلين تمبلتون للاستثمارات، المتخصص في الديون المتعثرة، ولذلك يتعين على صناع السياسات -قبل أن تبدأ التأثيرات العكسية- أن يستفيدوا من السابقة القوية المتمثلة في استبعاد الديون السيادية من معاهدة الاستثمار الأميركية.

بعض التقديرات تشير إلى أن أكثر من 20% من ديون الحكومة الأوكرانية اشتراها مؤخراً صندوق استثمار أميركي منفرد، وهو صندوق فرانكلين تمبلتون للاستثمارات المتخصص في الديون المتعثرة

وبالرغم من أن معاهدات الاستثمار الأميركية موحدة بشأن أغلب القضايا، فإنها تتبنى أساليب متباينة بشكل ملاحظ في التعامل مع الديون السيادية. فالفصل 11 من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية يستبعد الديون السيادية بشكل صريح، وعلى نحو مماثل تتضمن معاهدة الاستثمار الثنائية بين الولايات المتحدة والأوروغواي، وكذا اتفاقية تعزيز التجارة بين أميركا والبيرو، على ملاحق تستبعد فعلياً الديون السيادية.

إن اتخاذ القرار بإضافة ملحق يستبعد الديون السيادية يُعَد خياراً صعباً في نظر صناع السياسات في الولايات المتحدة. وقد وضعت معاهدات الاستثمار الأميركية لتأمين أعظم قدر ممكن من الحماية للمستثمرين الأميركيين في الخارج. ويعد إلغاء حماية الاستثمار في وقت يتسم بعدم الاستقرار وحقوق الملكية غير المضمونة أمرا متناقضا مع الغرض من مثل هذه المعاهدات.

متطلبات مواجهة أزمة أوكرانيا
ولكن نظراً للمتطلبات السياسية والأمنية التي تفرضها أزمة أوكرانيا، فإن البديل أسوأ من ذلك، فعدم القيام بأي شيء يعني السماح لصناديق الاستثمار في الولايات المتحدة بملاحقة قضايا تعويضات هائلة -بمليارات الدولارات على الأرجح- ضد الإدارة الأوكرانية الجديدة المقبلة، والتي سوف تكون -حتى وفقاً لأفضل سيناريو- ضعيفة على الصعيد السياسي المحلي، ومكبلة بالفعل ببرامج التقشف المرفوضة شعبياً وجدول سداد القروض.

وستكون هذه النتيجة أكثر من مجرد كابوس في العلاقات العامة، بل وقد تؤدي إلى التعجيل بوقوع كارثة جيوستراتيجية بفعل التدخل الروسي.

في الظروف المثالية، كان العالم يحظى بآلية دولية عاملة بشكل جيد لإعادة هيكلة السندات السيادية، ونحن بعيدون كل البعد عن هذا الآن، ولكن المسؤولين والزعماء قادرون -قبل أن تبتعد الكاميرات عن أوكرانيا- على ضمان عدم ترك الإدارة الأوكرانية المقبلة بمفردها في مواجهة حاملي السندات الواحد تلو الآخر في إجراءات التحكيم الدولي.

والواقع أن حكومات الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لديها مصلحة إستراتيجية قوية في سد هذه الثغرة في البنية المالية الدولية، ومنع صناديق الاستثمار الخاصة التابعة لها من السعي بقوة إلى انتزاع التعويضات من الإدارة الأوكرانية المقبلة، وإلا فإن المخاطر لن تقتصر على الخسائر المالية بكل تأكيد.

ـــــــــــــ
نايري وودز عميدة كلية بلافانتك للدراسات الحكومية ومديرة برنامج الحوكمة الاقتصادية العالمية في جامعة أكسفورد.
تايلور سانت جون كبيرة الباحثين لدى برنامج الحكومة الاقتصادية العالمية في جامعة أكسفورد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة