معركة الميزانية الأميركية   
السبت 16/6/1434 هـ - الموافق 27/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:42 (مكة المكرمة)، 12:42 (غرينتش)



مايكل سبنس


- نقص الاستثمار
- السياسة المالية
- الأهداف والتوقعات

تواجه الاقتصادات الأكثر تقدماً في العالم، والتي تُعَد الولايات المتحدة أكبرها وأكثرها أهمية على الإطلاق، مجموعة من الخيارات السياسية والاجتماعية العصيبة. والواقع أن الميزانية الأميركية التي اقترحها الرئيس باراك أوباما تُقر بهذه الخيارات والمقايضات وتتعامل معها بشكل مباشر وكامل للمرة الأولى في فترة ما بعد الأزمة.

ويُعَد اقتراح أوباما وثيقة مهمة وصريحة تتسم بالشجاعة السياسية. وسوف تحدد المناقشة اللاحقة إلى حد كبير ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى الآن للتحول نحو نسق قوي وشامل ومستدام للنمو وتشغيل العمالة أم لا، وكيف سيتقاسم الأميركيون -على اختلاف أعمارهم ومستويات تعليمهم ودخولهم وثرواتهم- العبء المترتب على الانتقال إلى مثل هذا المسار.

ونحن نعلم أن قوى السوق التكنولوجية والعالمية العاتية كانت سبباً في تقليص عدد الوظائف المكتبية ووظائف الطبقة الكادحة، وتحويل خيارات العمل بالنسبة لأبناء الطبقة المتوسطة نحو الجانب غير القابل للتداول من الاقتصاد، وتوجيه النمو في الدخل القومي نحو رأس المال والوظائف العليا، في ظل ركود الدخل في أماكن أخرى. وتظل القدرة على خلق وظائف ضعيفة، ويستمر التباعد بين عملية التوظيف ومعدل النمو.

ولكن لا يجوز لنا أن نحمل الخيارات السياسية الرديئة أو الحكومة القصيرة النظر المسؤولية كاملة عن هذه الاتجاهات، فهي ناشئة في الأساس عن الواقع التكنولوجي المتحول لاقتصاد عالمي متكامل بشكل متزايد، ولكنها تفاقمت بفعل نقص الاستثمار في القطاع العام بشكل هيكلي.

نقص الاستثمار
والدرس المستفاد من العديد من الدول المتقدمة والنامية هو أن نقص الاستثمار في البنية الأساسية ورأس المال البشري والمؤسسات والمعرفة الاقتصادية والقاعدة التكنولوجية من شأنه العمل على تقليص النمو في الأمد البعيد.

من الممكن دعم النمو في المديين القصير والمتوسط لبعض الوقت من خلال الاستعاضة عن الدين العام والخاص بالاستثمار، ولكن هذا النهج يؤسس لنمط من الضبط الذاتي لأن الميزانيات العمومية يطالها الضرر والطلب يتقلص

ومن الممكن دعم النمو في المديين القصير والمتوسط لبعض الوقت من خلال الاستعاضة عن الدين العام والخاص بالاستثمار، وهذا يعني الاقتراض في مقابل الدخل والاستهلاك في المستقبل. ولكن هذا النهج يؤسس لنمط من الضبط الذاتي لأن الميزانيات العمومية يطالها الضرر والطلب يتقلص وبالتالي يصبح لزاما تعديل التوقعات في اتجاه الانخفاض.

ويقودنا هذا إلى الخيارات التي تجسدها ميزانية أوباما، فأولاً هناك المسألة المرتبطة بمدى سرعة تقليص عجز ميزانية الحكومية والديون العامة المتراكمة. وقد يؤدي الانكماش المالي المفاجئ إلى خفض الطلب المحلي بسرعة أكبر من القدرة على تقليص مديونية الاقتصاد، وهو ما يعني خنق النمو والتوظيف، فضلاً عن التأثير السلبي على عجز الموازنة. ولكن تأخير التعامل مع الديون لفترة أطول مما ينبغي من شأنه تقويض الثقة في قدرة الحكومة الأميركية على تحقيق الانضباط المالي.

ولا بد أن يهبط حجم العجز في غضون خمسة إلى عشرة أعوام، والبديل هنا إما أزمة ديون سيادية، يعقبها ارتفاع مدمر في تكاليف الاقتراض، أو تنامي الأعباء على الجيل القادم من دافعي الضرائب.

السياسة المالية
إن السياسة المالية الأميركية كانت لتظل في عالم مثالي، حيث لا توجد ضرورة للتنازلات والحلول الوسط، محافظة على التزاماتها المنصوص عليها في نظام الرعاية الاجتماعية، حتى على الرغم من العوامل الديموغرافية وغيرها التي تزيد من التكاليف (وخاصة تكاليف الرعاية الصحية).

وكانت هذه السياسة المالية الأميركية لتحافظ أيضاً على مستويات الاستهلاك الحالية وتتجنب الزيادات الضريبية، وفي الوقت نفسه تعالج النقص الكامن في الاستثمارات العامة من أجل تعزيز النمو وتوسيع خيارات العمل بالنسبة لأبناء الطبقة المتوسطة اليوم وأجيال المستقبل. وأخيراً لن يطلب من الأجيال القادمة تحمل عبء إعادة التوازن بشكل كامل.

من الواضح أنه من المستحيل التوفيق بين كل هذه الأهداف، ولكن من الإنصاف أن نقول إن بعض الإصلاحات -بما في ذلك الضريبية والتنظيمية والمرتبطة بتدابير الرعاية الصحية- ستساعد في استعادة التوازن من دون فرض تكاليف إضافية كبيرة على القطاع العام.

ولكن هذه الإصلاحات لا تكفي لإعادة التوازن إلى الاقتصاد واستعادة زخم النمو. والأمر ببساطة أن لا أحد يستطيع دعم مستويات الاستهلاك والاستحقاقات الحالية دون مزاحمة استثمارات القطاع العام، ما لم نكن نعتقد أن قوة الاقتراض لدى الدولة غير محدودة، وأن انتقال العبء بين الأجيال لا يشكل أهمية.

لا أحد يستطيع دعم مستويات الاستهلاك والاستحقاقات الحالية دون مزاحمة استثمارات القطاع العام، ما لم نكن نعتقد أن قوة الاقتراض لدى الدولة غير محدودة، وأن انتقال العبء بين الأجيال لا يشكل أهمية

لا بد إذن من الاختيار، والجمود أيضاً هو أحد الاختيارات، فهو يضمن أن تكون النتيجة مطابقة لما عليه الوضع الراهن، ولكن كيف قد يبدو ذلك الأمر؟ هنا، يتطلب الأمر بعض التخمين، فمن المرجح أن يتم خفض برامج الاستحقاقات ولكن ليس بالدرجة الكافية للتعويض عن تحويل قدر كبير من العبء من جيل لآخر.

وقد ترتفع الضرائب نوعاً ما لدى فئات الدخل المرتفع، مع ذهاب العائدات إلى استحقاقات الصناديق وإعادة التوزيع. ويكاد يكون من المؤكد أن الرغبة في تجنب زيادات ضريبية كبيرة (وتعزيز مستويات الاستهلاك) ستنعكس من خلال النقص المستمر في استثمارات القطاع الخاص، وهو ما من شأنه أن يقوض النمو على المدى البعيد.

الأهداف والتوقعات
والواقع أن ميزانية أوباما المقترحة تقر بأن كل الأهداف والتوقعات لا يمكن تحقيقها، وأن النمو في جزء منه قضية تتعلق بالتوزيع في الوقت الراهن، ولكنها تنتقل من جيل إلى جيل يليه (بل من المحتمل أن ترتبط بالاندماج والاستقرار الاجتماعي) في المدى البعيد. إن الأمر هو بمثابة دعوة موجهة للكونغرس الأميركي والرأي العام الأميركي للاعتراف بالخيارات والمقايضات المطلوبة لتأسيس نمط مستدام من النمو الاقتصادي، وضمان التوزيع العادل للأعباء المصاحبة لهذه الغاية.

وتصبح الخيارات أكثر تطرفاً في الدول حيث الاختلالات أشد وحيث تعاني الأسواق من قدر أعظم من المعوقات الناجمة عن السياسات، فيما يتصل بالمرونة في القطاع الخاص وقدرته على الحركة وديناميكيته التي لا تزال الولايات المتحدة تستفيد منها. ففي إيطاليا وإسبانيا أصبح النمو سلباً وبلغت معدلات البطالة بين الشباب 35% و55% على التوالي، ومن المؤكد أنها قضية أخلاقية ولكنها أيضاً تتعلق بالاستقرار السياسي والاجتماعي.

إن كل دولة لديها طريقتها الخاصة في العقد الاجتماعي الذي يحدد حقوق المواطنين ومسؤولياتهم ودور الدولة وفكرة الاندماج، والواقع أن أكثر السياسات العامة والاختيارات المالية نجاحاً هي تلك التي لا تكتفي بالاسترشاد بالقيم الثابتة المتأصلة في العقد الاجتماعي، بل تتكيف أيضاً مع الظروف الديموغرافية والتكنولوجية والعالمية المتغيرة.

وهذا يعني في بعض الأحيان اتخاذ خيارات صعبة من ذلك النوع الذي تواجهه الولايات المتحدة والعديد من الدول المتقدمة الأخرى الآن. وإذا انتهينا إلى اختيارات رديئة فإن النمو سيعاني، وسوف تكون خيارات التوزيع في المستقبل أكثر إيلاما.

ـــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وأستاذ علوم الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة