الدور الاقتصادي للدولة في المفهوم الإسلامي   
الخميس 4/7/1436 هـ - الموافق 23/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:13 (مكة المكرمة)، 10:13 (غرينتش)

 عبد الحافظ الصاوي

من القواعد المؤسسة لتصور الدور الاقتصادي في الدولة الإسلامية ما ورد في مقدمة ابن خلدون في الفصل الأربعين "في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباة".

وفصّل ابن خلدون في المضار الناتجة عن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وأشار إلى الممارسات الخاطئة من قبل السلطان من الاتجاه لمزاحمة الفلاحين والتجار، وعدم وجود حالة من التكافؤ بين السلطان وباقي شركاء السوق.

وفي ضوء ما ذهب إليه ابن خلدون رسخ بعض الاقتصاديين لمفهوم الدور الاقتصادي للدولة في الإسلام، لما هو أقرب إلى دور الدولة الحارسة في الفكر الرأسمالي، فيقصر هذا الدور في (الدفاع، والأمن، العدالة، والعلاقات الخارجية).  

اقتصادات تحتاج إلى اجتهاد جديد
علاقة الدولة بالنشاط الإنتاجي
ملكية المرافق والموارد الطبيعية العامة
تنظيم الأسواق والرقابة عليها
تنظيم العلاقات الاقتصادية الخارجية
 

اقتصادات تحتاج إلى اجتهاد جديد
والحقيقة أن واقع اقتصاديات الدول العربية والإسلامية يحتاج إلى اجتهاد جديد من أجل انتشال هذه الاقتصادات من واقع التخلف، مما يجعلنا نعيد النظر في إمكانية أن يكون للدولة دور في النشاط الاقتصادي، خاصة أن القطاع الخاص في بلادنا تعوّد العمل في غياب منظومة عادلة للتنمية وتوزيع عادل للثروة.

كما أن معظم التجارب التنموية الحديثة ترصد وجود دور الدولة بقوة في بداية التجربة، وأنها تعمل على بناء قطاع خاص قوي، ثم تخرج الدولة بالتدريج. ولم يمنع الفكر الرأسمالي دوله من ممارسة أكبر أشكال التدخل من ملكية، وحماية للمنتجات الوطنية لكي تصل إلى أداء اقتصادي وتنموي مرضٍ.

إن الدعوة للاجتهاد وإعادة النظر في الدور الاقتصادي للدولة لا تعني رفض الرأسمالية مثلا والارتماء في أحضان النظام الاقتصادي الاشتراكي، وسيطرة الدولة على كل مقومات الاقتصاد، ولكن أن يكون دور الدولة في النشاط الاقتصاد منضبطا بقواعد تأخذ مخاوف ابن خلدون في الاعتبار. 

التشريعات الحديثة وضعت ضوابط لمنع من يتولون السلطة من تحقيق مكاسب مالية واقتصادية وقامت بعض الدول بسن تشريعات تمنع  المسؤولين من ممارسة الأعمال التجارية أو الاقتصادية أثناء توليهم السلطة

كما أن التشريعات الحديثة وضعت ضوابط لمنع من يتولون السلطة من تحقيق مكاسب مالية واقتصادية يمكن الاستفادة منها، فوجدنا بعض الدول تسن تشريعا يمنع هؤلاء المسؤولين من ممارسة الأعمال التجارية أو الاقتصادية أثناء توليهم السلطة، وهو ما يطلق عليه قانون "تعارض المصالح".

وتوجد صور مختلفة لعلاقة الدولة بالنشاط الاقتصادي في النظام الإسلامي، منها ما يتعلق بممارسة النشاط الإنتاجي، وملكية المرافق العامة والسيطرة على الموارد الطبيعية العامة، ومنها ما يتعلق بتنظيم الأسواق والرقابة عليها، ومنها ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الخارجية.

علاقة الدولة بالنشاط الإنتاجي
الأصل في ممارسة النشاط الإنتاجي أن يقوم به القطاع الخاص، ولا تتدخل الدولة إلا إذا عجز الأفراد عن الوفاء باحتياجات المجتمع، أو قصروا في ذلك، أو مارسوا دورهم بما يؤدي إلى وجود احتكار. ومن هنا يرى البعض أن دور الدولة في مجال الإنتاج هو فرض كفاية. وهو مرتبط وجودا وعدما بوجود مصلحة عامة تقتضيها الظروف السائدة بالمجتمع.

والإشكالية التي يثيرها البعض حول دور الدولة في النشاط الإنتاجي تتعلق بالتحليل التاريخي للدولة الإسلامية، ويستندون إلى أن الدولة الإسلامية طيلة فترة حكمها لم تمارس النشاط الإنتاجي، وتركته للقطاع الخاص.

ولكن هذا مردود عليه في إطار "المصلحة"، فمصلحة المجتمع في ظل التعقيدات الاقتصادية التي نعيشها في العصر الحديث قد تدفع الدولة لممارسة النشاط الإنتاجي، وذلك لدوافع عدة معتبرة شرعا، مثل إحداث حالة من التوازن في السوق، لما نجده من تغول للقطاع الخاص، يؤدي إلى الاحتكار، أو المبالغة في الأسعار، أو إهدار للموارد، أو عزوف للقطاع الخاص عن إنتاج سلع تخص الفقراء وينصرف عن إنتاجها القطاع الخاص، لانخفاض هامش الربح بها، مقارنة بسلع الأغنياء.

إن ولوج الدولة للنشاط الإنتاجي يجب أن ينضبط بالبعد عن الإنتاج الاجتماعي، وأن ينحصر في ضوء الإنتاج الاقتصادي، حتى إذا ما كان هناك من دعم للفقراء، يُعطى لهم في أيديهم، حتى لا تلتهمه الأيادي الفاسدة بحجة دعم الإنتاج.

ومن شأن ذلك أن يقضي على احتكار القطاع العام، وعدم إعطائه مزايا تفضله على القطاع الخاص في نفس المجال، مثل الأولوية في الحصول على مواد خام أو تفضيله في استيراد مستلزمات الإنتاج، مما يعد إهدارا للموارد الاقتصادية.

ولا مانع من أن يكون للدولة حصة في ملكية المشروعات الإنتاجية، لتشارك القطاع الخاص من الأفراد أو المؤسسات، فقد يكون وجود هذه المشاركة محققا لمصلحة عامة، وفي الوقت نفسه لا يحرم القطاع الخاص.

ملكية المرافق والموارد الطبيعية العامة
الأصل أن تقوم الدولة بأعمالها السيادية، التي وكلها بها المجتمع من خلال العقد الاجتماعي، فهي منوطة بتحقيق الأمن الداخلي والدفاع عن الأوطان وإقامة العدل، والتمثيل مع الجهات الخارجية، وما أضيف فيما بعد لدور الدولة في ضوء التجربة الإنسانية، وما عرف في القرن العشرين بـ"الدولة المتدخلة".

وفي سبيل قيام الدولة بالدور المنوط بها تمتلك من المرافق العامة ما يسهل عليها القيام بدورها، من طرق وموانئ ومطارات ومؤسسات تعليمية وصحية وغيرها من المرافق، وليس ذلك بغرض الربح، بل تقدم خدماتها لمواطنيها بغية التيسير عليهم في نشاطهم الاقتصادي والاجتماعي.

كما أن سيطرة الدولة على الموارد الاقتصادية العامة -مثل النفط والمحاجر والمعادن في باطن الأرض- هو مسؤوليتها، وعليها أن تدير هذه الموارد بالشكل الذي يحقق عدالة التوزيع، ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم "الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار"، وأن يكون تخصيص الموارد من قبل الدولة بما لا يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص، أو يقلل من فرص منافسته في السوق.

تنظيم الأسواق والرقابة عليها
ويعد هذا المجال دورا أصيلا للدولة في النشاط الاقتصادي، بغض النظر عما إذا مارست الدولة النشاط الإنتاجي أم تركته للأفراد، فالدولة مسؤولة عن منع الاحتكار وتنظيم المنافسة، ومنع الغش والتدليس، وما يحافظ على أرواح الناس وأبدانهم.

يجب على الدولة إدارة الموارد الاقتصادية العامة بما يحقق عدالة التوزيع ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة

فالسوق كان ثاني المؤسسات التي حظيت باهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المسجد في إقامة دولة الإسلام بالمدينة. وقد رخص الإسلام لولي الأمر أن يتدخل ليجبر المحتكر على البيع بثمن المثل، دون بخس ولا وكس. كما رخص الإسلام لولي الأمر على سبيل الاستثناء التسعير لتعبر السوق عن الأداء الصحيح للنشاط الاقتصادي.

وقد مارس رسول الله صلى الله عليه وسلم دور الدولة في اكتشاف الغش بالأسواق ومنع صاحبه من التواجد بالسوق، من خلال الحادثة الواردة لبائع القمح الذي بلله بالماء ليزيد في وزنه. وثمة تجارب عصرية يستفاد منها في إطار تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، وكذلك التشريعات الخاصة بمكافحة الفساد.

تنظيم العلاقات الاقتصادية الخارجية
فالدولة هي التي تعقد الاتفاقيات المنظمة لمختلف جوانب النشاط الاقتصادي (التجارة والاستثمار والعمالة ونقل التكنولوجيا .. إلخ) لأفرادها مع العالم الخارجي، حفاظا على حقوقهم في الخارج، وبما يؤدي إلى أداء متوازن في الداخل. وتعد عشور التجار مثالا واضحا في تنظيم التجارة الخارجية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

فقد أصبحت العلاقات الاقتصادية الدولية في عصرنا تتسم بكثير من التعقيد والمخاطر التي تستلزم وجود الدولة التي تراعي المصلحة العامة، ولا تنحاز لصالح طائفة دون أخرى، فضلا عن الآثار المترتبة على الاتفاقيات الاقتصادية الدولية على جوانب مختلفة منها ما هو اجتماعي وما هو ثقافي وما هو سياسي، بل يتعدى ذلك إلى الأمن القومي.
ـــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة