لماذا فشلت سياسات الحفز الاقتصادي   
الخميس 12/3/1434 هـ - الموافق 24/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:44 (مكة المكرمة)، 10:44 (غرينتش)

الحوافز النقدية لن تغلق فجوة الطلب
استمرار ضعف الطلب
السماح للعرض بالتكيف مع الطلب

الحوافز النقدية لن تغلق فجوة الطلب
لقد ساهم معتقدان أساسيان في دفع السياسة الاقتصادية في مختلف أنحاء العالم في السنوات الأخيرة. الأول أن العالم يعاني من نقص في الطلب الكلي نسبة إلى العرض، والثاني أن الحوافز النقدية والمالية سوف تغلق هذه الفجوة.

تُرى هل كان التشخيص سليما، لكن الخطأ كان في العلاج؟

إن الوصول إلى إجابة لهذا السؤال من شأنه أن يفسر لماذا لم نحقق سوى أقل القليل من التقدم حتى الآن في استعادة النمو إلى مستويات ما قبل الأزمة. وهو يشير أيضا إلى ضرورة إعادة التفكير في علاجاتنا.

تشير المستويات العالية من البطالة غير الطوعية في مختلف الاقتصادات المتقدمة إلى أن الطلب متأخر عن الإمكانات الكامنة في العرض. وفي حين أن البطالة أعلى كثيرا في القطاعات التي كانت مزدهرة قبل الأزمة، مثل قطاع البناء في الولايات المتحدة، فإنها أكثر انتشارا في الإجمال، وهو ما يؤكد الرأي القائل بأن زيادة الطلب أمر ضروري لاستعادة التشغيل الكامل للعمالة.

استمرار ضعف الطلب
في البداية لجأ صانعو القرار السياسي إلى الإنفاق الحكومي وأسعار الفائدة المنخفضة لتعزيز الطلب. ومع تزايد حجم الديون الحكومية وهبوط أسعار الفائدة الرسمية إلى الحضيض، ركزت البنوك المركزية على سياسة إبداعية على نحو متزايد لتعزيز الطلب. ورغم هذا ظل النمو بطيئا بشكل مؤلم. لكن لماذا؟

راجان: يجب السماح للعرض بالتكيف مع الطلب (الأوروبية)

ماذا يحدث لو كانت المشكلة هي في افتراض أن كل الطلب ينشأ متساويا؟

نحن نعلم أن الطلب قبل الأزمة كان معززا بكميات هائلة من الاقتراض. وعندما يصبح الاقتراض أكثر سهولة، فإن واقع الحال يقول إنه ليس الأثرياء -الذين لا يتقيد إنفاقهم بدخولهم- هم الذين يزيدون من استهلاكهم، بل إن الزيادة تأتي من الأسر الأكثر فقرا والأكثر شبابا التي تفوق احتياجاتها وأحلامها دخولها. وقد تكون احتياجات هذه الأسر مختلفة عن احتياجات الأثرياء.

وعلاوة على ذلك فإن السلع الأسهل شراء هي تلك التي يسهل استخدامها ضمانا كالمساكن والسيارات، وليس السلع القابلة للتلف. وارتفاع أسعار المساكن في بعض المناطق من شأنه أن يجعل اقتراض المزيد من المال أسهل، حتى من أجل الإنفاق على احتياجات يومية أخرى.

والفكرة هنا هي أن الطلب الذي تغذيه الاستدانة ينشأ من أسر معينة في مناطق معينة لسلع معينة. ورغم أن هذا يحفز طلبا أكثر عمومية إلا أنه ليس من غير المعقول أن نصدق أن قدرا كبيرا من الطلب المدفوع بالاستدانة يكون أكثر تركيزا. وبالتالي فمع نضوب معين الإقراض، تصبح الأسر المقترضة عاجزة عن الإنفاق، ويتغير الطلب على سلع معينة بشكل غير متناسب، خاصة في القطاعات التي كانت مزدهرة في وقت سابق.

وبطبيعة الحال، تنتشر التأثيرات عبر الاقتصاد، فمع انخفاض الطلب على السيارات، ينخفض الطلب أيضا على الصلب، وتسريح عمال الصلب. ولكن البطالة تكون أكثر وضوحا في قطاعات مثل البناء وصناعة السيارات، أو في المناطق حيث ارتفعت أسعار المساكن بسرعة بشكل خاص.

ومن السهل أن نرى لماذا قد يكون الحافز العام للطلب، مثل خفض الضرائب على المرتبات غير فعال في إعادة الاقتصاد إلى مستويات التشغيل الكامل للعمالة.

فالحافز العام يذهب إلى الجميع وليس إلى المقترضين سابقا فحسب.

كما تختلف أنماط الإنفاق لدى الجميع -فالأسرة الأكبر سنا والأكثر ثراء تشتري مجوهرات من تيفاني وليس سيارة من جنرال موتورز. وحتى المقترضين السابقين من غير المرجح أن يستخدموا أموال التحفيز لشراء المزيد من المساكن- فقد تحطمت أحلامهم بصمود أسعار المساكن.

الركود الذي يعقب أعواما من الازدهار المدفوع بالاستدانة يخلف من ورائه اقتصادا يعرض قدرا أعظم مما ينبغي من النوع الخطأ من السلع نسبة إلى الطلب المتغير

ولأن نمط الطلب الذي يمكن التعبير عنه تحول مع تغير القدرة على الوصول إلى الاقتراض، فإن الوتيرة التي يمكن للاقتصاد أن ينمو بها من دون تضخم قد تهبط أيضا. ومع وجود عدد كبير للغاية من عمال البناء وعدد قليل للغاية من صانعي المجوهرات، فإن زيادة الطلب قد تسفر عن ارتفاع أسعار المجوهرات وليس زيادة الناتج.

السماح للعرض بالتكيف مع الطلب
وبعبارة أخرى، فإن الركود الذي يعقب أعواما من الازدهار المدفوع بالاستدانة يخلف من ورائه اقتصادا يعرض قدرا أعظم مما ينبغي من النوع الخطأ من السلع نسبة إلى الطلب المتغير.

وخلافا للركود الدوري العادي، حيث ينخفض الطلب في مختلف القطاعات ولا يتطلب التعافي سوى إعادة استئجار العمال المسرحين لاستئناف وظائفهم القديمة، فإن التعافي الاقتصادي في أعقاب ركود الإقراض يتطلب عادة انتقال العمال عبر الصناعات المختلفة وإلى مواقع جديدة.

وبالتالي فارق دقيق ولكنه مهم بين نظرتي إلى الطلب المدفوع بالاستدانة وتفسير أتباع جون ماينارد كينز الجدد الذي يرى أن تقليص المديونية (الادخار من جانب المقترضين السابقين) أو أعباء الديون (عجز المقترضين المثقلين بالديون عن الإنفاق) مسؤول عن تباطؤ النمو في مرحلة ما بعد الأزمة. وكل من الرأيين يتقبل حقيقة مفادها أن المصدر الرئيسي لضعف الطلب الكلي يكمن في اختفاء الطلب من جانب المقترضين السابقين، ولكن الحلول تختلف بين الرأيين.

فخبراء الاقتصاد من أتباع كينز الجدد يريدون تعزيز الطلب عموما، ولكن إذا كنا نعتقد أن الطلب المدفوع بالاستدانة مختلف، فإن حوافز الطلب سوف تكون مسكنة في أفضل تقدير، وقد يكون شطب ديون المقترضين السابقين أكثر فعالية قليلا في إنتاج النمط القديم من الطلب، ولكن هذا لن يكون كافيا في الأرجح لإعادة الطلب إلى مستوى ما قبل الأزمة. وفي كل الأحوال، فهل نريد حقا أن يعود المقترضون السابقون إلى الاقتراض بمستويات تعيدهم إلى المتاعب مرة أخرى؟

نجحت الاقتصادات في تحقيق بعض التقدم, لكن استمرار التشخيص الخاطئ سوف يخلف تأثيرات دائمة

إن الحل المستدام الوحيد يتلخص في السماح لجانب العرض بالتكيف مع مصادر للطلب أكثر طبيعية واستدامة إتاحة الفرصة لعمال البناء وصناعة السيارات للتدريب على صناعات أسرع نموا.

وأسوأ ما قد تقوم به الحكومة في هذا السياق هو أن تعترض سبيل تحقيق هذه الغاية من خلال دعم شركات غير قابلة للبقاء أو من خلال دعم الطلب في صناعات غير قابلة للحياة من خلال القروض الميسرة.

إن تعديلات جانب العرض تستغرق وقتا طويلا، وبعد خمس سنوات من الركود، نجحت الاقتصادات في تحقيق بعض التقدم. ولكن استمرار التشخيص الخاطئ سوف يخلف تأثيرات دائمة. وسوف تنفق الدول المتقدمة عقودا من الزمان في محاولة التخلص من أعباء الدين العام المتراكمة، في حين تضطر بنوكها المركزية إلى إصلاح موازناتها العمومية المتضخمة والتراجع عن وعود الدعم التي أصبحت الأسواق تعتمد عليها.

وما يثير الكثير من الخوف هنا أن الحكومة اليابانية الجديدة لا تزال تحاول التعامل مع تداعيات ركود القطاع العقاري في البلاد لعقدين من الزمان. ولا يملك المرء إلا أن يرجو ألا تنغمس الحكومة اليابانية في المزيد من ذلك النوع من الإنفاق الذي أثبت عدم فعاليته بالفعل والذي جعل اليابان تتكبد أعلى المستويات من أعباء الديون (نحو 230% من الناتج المحلي الإجمالي) بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. من المؤسف أن التاريخ لا يعرض علينا من أسباب التفاؤل إلا أقل القليل.
ـــــــــــــــــــــــ
راغورام راجان أستاذ الموارد المالية في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو وكبير المستشارين الاقتصاديين لدى وزارة المالية في الهند.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة