التمدد الإمبراطوري لأميركا وتراجعها الاقتصادي   
الاثنين 1427/8/25 هـ - الموافق 18/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:27 (مكة المكرمة)، 21:27 (غرينتش)

 

محمود عبد الغفار

أحدثت هجمات 11 سبتمبر/أيلول تداعيات خطيرة في الاقتصاد الأميركي جرى الحديث عنها داخليا وخارجيا ولم يختلف بشأنها الكثيرون، لكن الجدل ما زال دائرا بشأن مدى استمرارية تراجع هذا الاقتصاد حتى يقضي على الإمبراطورية ككل.

ويرى خبراء وباحثون أن العلاقة بين بداية تراجع الاقتصاد الأميركي وهجمات سبتمبر قوية جداً، سواء من جهة الخسائر الجسيمة بالاقتصاد المتعب أصلاً والتي وصلت إلى مئات المليارات من الدولار، أو لجهة التجهيزات الأمنية المكلفة، إضافة إلى ما يجري إنفاقه على حربي أفغانستان والعراق.

فالبروفسور الأميركي بول كينيدي قال في مقابلة مع الجزيرة بعد عامين من الهجمات‏ إن 11 سبتمبر يمثل نقطة فاصلة في تاريخ الولايات المتحدة ونهاية اعتبارها قوة عظمى وحيدة تهيمن على النظام العالمي.

وأكد عدد من خبراء الاقتصاد في العالم أن الاقتصاد الأميركي بات يعاني في العقد الأخير من ضعف وعجز خطيرين، وبرروا ذلك بحالة التمدد العسكري للولايات المتحدة في العالم الذي كلف ميزانيتها مبالغ فلكية غير مسبوقة في التاريخ مما فاقم من العجز.

فتذكر أرقام وزارة الدفاع الأميركية أن تقديرات تكلفة برامج التسلح بالولايات المتحدة ارتفعت من 790 مليار دولار في سبتمبر/أيلول 2001 إلى 1.61 تريليون دولار في يونيو/حزيران من العام الحالي. وقال تقرير للكونغرس الأميركي إن واشنطن أنفقت منذ سبتمبر/أيلول 2001 بالفعل 909 مليارات دولار على برامج التسلح.

وهذا الإنفاق الأسطوري دفع الخبيرين الاقتصاديين الألمانيين (إيريش فولات وجير هارد شيرول) في دراسة نُشرت لهما في مجلة (شبيغل) الألمانية في ديسمبر/كانون الأول عام 2003، إلى التوقع بأن يرتفع العجز الاقتصادي الأميركي في السنوات العشر القادمة إلى 1800 مليار دولار. وأضافا أن الولايات المتحدة تعد من أكثر الدول مديونية عبر التاريخ، وأن ذلك سيؤدي مع الوقت إلى تقليص نفوذ الإمبراطورية الأميركية خارجياً، وإصابة البلاد بأزمات داخلية خانقة، قد تحاول التغطية عليها بحروب محدودة خارجياً مما يؤدي إلى فقدان ثقة الشعب فيها وسيصل بها الأمر إلى الانهيار. 
 
أزمات داخلية
وستأتي الأزمات الداخلية جراء تضرر قطاعات حيوية في المجتمع الأميركي بهذا الإنفاق العسكري، وخصوصاً في مجال الصحة والوظائف التي يهتم بها الشعب الأميركي كثيراً، وهذا ما بدأت الولايات المتحدة تواجهه منذ فترة.‏ 

فقد صنف المكتب الأميركي العام للإحصاء في مطلع القرن الـ21 حوالي 40 مليون أميركي كفقراء كثير منهم مشردون دون مأوى، وفي كل مدينة أميركية كبيرة توجد أحياء فيها فقر مدقع. كما يوجد 34 مليون مواطن بلا ضمان صحي.

واعترف مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زيغينو بريجنسكي أن بلاده تواجه تمايزا اقتصاديا حيث يوجد طفل واحد من بين كل ثمانية أطفال لا يأكل ما يشبعه، وموت الأطفال في أحياء السود الفقيرة يجاوز المعدلات التي تحدث في بلد مثل سريلانكا وبنما وتشيلي.

وذكر الكاتب الأميركي ماكس فرانك في مقالة بصحيفة نيويورك تايمز أن أميركا تواجه نقصاً في الموارد وانحدار السمعة وضعف الدولار، "لقد بدأ انحطاط أميركا كقوة عالمية من فيتنام".‏  

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي فيرى أن تداعى الإمبراطورية سيكون سببه أن أميركا يقودها حزب واحد، وهو حزب رجال الأعمال والأثرياء المؤلف من جناح الجمهوريين وجناح الديمقراطيين، ورأى أن أكثر من 80% من الأميركيين يعتقدون أن سياسة الإدارة الأميركية تخدم مصالح الأثرياء وأصحاب الشركات العملاقة.

"
الباحث الفرنسي تود -الذي تنبأ عام 1976 بتفكك الاتحاد السوفياتي- توقع في كتابه "ما بعد الإمبراطورية" تفكك النظام الأميركي قبيل عام 2050.

"
ويرى ستيفن روتش -كبير الخبراء الاقتصاديين في مؤسسة مورغن ستانلي- أن الأثر النهائي لانخفاض قيمة العملة الأميركية الدولار قد يكون أشد خطراً إذا ما قرر العالم أن حصة الدولار في احتياطياته البالغة حتى الآن 79% يجب أن تنسجم مع حصة أميركا في التجارة الدولية والبالغة 21%.‏

وقال الباحث الفرنسي مانويل تود إنه ما بين عامي 1990 و2002 ازداد العجز التجاري الأميركي من 100 مليار دولار إلى 450 مليارا، واحتاجت أميركا لتحقيق إلى العالم لتغطية نفقاتها الباهظة.

وأضاف تود -الذي تنبأ عام 1976 بتفكك الاتحاد السوفياتي- أنه في بداية القرن 21، لم تعد الولايات المتحدة تستطيع العيش على إنتاجها وحده، مشيرا إلى أنه في اللحظة ذاتها التي كاد فيها العالم، يكتشف أنه قادر على التخلي عن أميركا، أدركت الأخيرة أنها لم تعد تستطيع التخلي عن العالم. وتنبأ تود في كتابه "ما بعد الإمبراطورية" عام 2002 تفكك النظام الأميركي قبيل عام 2050.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة