خيارات محدودة أمام أوروبا واليونان   
الخميس 1436/9/9 هـ - الموافق 25/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:56 (مكة المكرمة)، 10:56 (غرينتش)

دينيس سنوار

إن اليونان بحاجة شديدة للتفكير الواضح، فالسبب الوحيد وراء عدم تخلف أثينا عن سداد ديونها منذ فترة طويلة هو أن البنك المركزي الأوروبي يواصل تقديم الأموال للبنك المركزي اليوناني عبر برنامج مساعدات السيولة الطارئة.

وبدوره يقدم البنك المركزي اليوناني القروض للبنوك التجارية في البلاد، التي تقرض المواطنين اليونانيين والدائنين الأجانب. والمشكلة هي أن كلتا المجموعتين من المقترضين كانتا تحولان مبالغ كبيرة من المال إلى بلدان أخرى.

والنتيجة هي أن اعتمادات السحب على المكشوف للبنك المركزي اليوناني ازدادت بنحو مليار يورو يوميا في الأشهر الأخيرة. وإذا عجزت اليونان عن سداد ديونها وتركت منطقة اليورو، فإن هذا السحب على المكشوف لن يتم سداده.

استمرار أزمة السيولة
برنامج البداية الجديدة

استمرار أزمة السيولة
يفترض تمويل مساعدات السيولة الطارئة أن الاقتصاد اليوناني يعاني من نقص السيولة مؤقتا، ولكنه ليس مفلسا. وهو افتراض غير صحيح على الإطلاق.

السماح لليونان بالتخلف عن سداد ديونها والبقاء رغم ذلك في منطقة اليورو ليس بالخيار المطروح، فهذا يمثل إشارة إلى أن دولا أخرى في منطقة اليورو بوسعها أن تكدس ديونا ضخمة، بتمويل من البنك المركزي الأوروبي، ومن دون أي نية للسداد

فرغم كل الآلام التي تكبدتها اليونان -انخفاض الطلب الكلي بنسبة 30% منذ آخر ذروة دورية، وارتفاع البطالة إلى أكثر من 25% من قوة العمل- ولا يزال الاقتصاد اليوناني بعيدا عن اكتساب القدرة التنافسية الكافية لتمكينه من سداد ديونه.

ويتمثل جزء من السبب في أن الفساد لا يزال مرتفعا، وتظل القدرة الإدارية على تحصيل الضرائب محدودة للغاية. من ناحية أخرى، تحملت الأسر اليونانية ذات الدخل المنخفض وطأة التقشف. باختصار، لا تزال الورطة مستمرة.

لكن السماح لليونان بالتخلف عن سداد ديونها والبقاء رغم ذلك في منطقة اليورو ليس بالخيار المطروح، فهذا يمثل إشارة إلى أن دولا أخرى في منطقة اليورو بوسعها أن تكدس ديونا ضخمة، بتمويل من البنك المركزي الأوروبي، ومن دون أي نية للسداد. وهذا من شأنه أن يقوض المسؤولية المالية في منطقة اليورو بشكل قاتل.

بيد أن إجبار اليونان العاجزة عن سداد ديونها على الخروج من منطقة اليورو -رغم إرادتها- ليس بالخيار المطروح أيضا، فهذا من شأنه أن يدفع بالبلاد إلى عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وسوف تنشأ دون أدنى شك انعكاسات خطيرة تتجاوز حدود البلاد.

في اعتقادي أن هناك خيارين متاحين فقط، الأول -والأكثر جاذبية- هو أن يجري البنك المركزي الأوروبي تقييما واقعيا لافتقار اليونان إلى القدرة على الوفاء بديونها، وبالتالي التوقف عن تزويد نظامها المصرفي بأموال مساعدات السيولة الطارئة. وهذا من شأنه أن يعجل بأزمة السداد بالنسبة لليونان.

لكن إدراك الكارثة الوشيكة كفيل بجعل اليونان تلتزم بصدق بالإصلاحات البنيوية التي تصب في مصلحتها البعيدة الأمد، وهو تعزيز مرونة سوق العمل، وبيع الشركات المملوكة للدولة التي وضعتها أغلب الدول الأوروبية الأخرى بالفعل بين يدي القطاع الخاص، والحد من الإنفاق على بيروقراطية القطاع العام.

من ناحية أخرى سوف تضمن اليونان أن هذه الإصلاحات لن توقع الأذى بالمواطنين الأكثر فقرا من خلال تقديم سياسات سوق العمل الفعالة (مثل إعانات الدعم لتدريب وتوظيف العاطلين عن العمل لفترات طويلة). وفضلا عن ذلك سوف تلزم اليونان نفسها بخطة مالية تنفذ تلقائيا، مع تحديد نسبة الدين الوطني إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأمد البعيد، ومعدل التقارب إلى هذه النسبة، ودرجة مكافحة التقلبات المالية الدورية.

هذا هو ما يتعين على اليونان أن تقوم به، وفي المقابل سوف يوافق دائنوها على شطب الديون مرة واحدة أخرى بالقدر الكافي لتمكين اليونان واقعيا من سداد ديونها في المستقبل، ولكنه قليل إلى الحد الذي يسمح بتجنب تحويلات الائتمان دون ضرورة. وسوف تظل اليونان داخل منطقة اليورو، ولكنها ستفقد بعض سيادتها المالية والبنيوية.

برنامج البداية الجديدة
وإذا لم يتخذ هذا الخيار الأول -وهي النتيجة المرجحة نظرا للعبة حافة الهاوية السياسية الحالية- فسوف تتخلف اليونان عن سداد ديونها. ولكن هذا من شأنه أن يمهد الساحة للخيار الثاني، والذي قد أسميه "برنامج البداية الجديدة".

بموجب هذا البرنامج، تشطب الدول الدائنة ديون اليونان، شريطة أن تترك اليونان منطقة اليورو طواعية. وهذا من شأنه أن يعطي اليونان الفرصة للبدء من جديد خارج الاتحاد النقدي: فيصبح بوسعها أن تعيد هيكلة اقتصادها دون تدخل خارجي، ومن الممكن أن تصبح مستعدة للعودة إلى منطقة اليورو في وقت لاحق في ظل شروط جديدة، هذه المرة من دون ادعاءات إحصائية خاطئة أو توقعات غير واقعية.

من الأهمية بمكان أن يعمل التنسيق البنيوي على تركيز أموال الاتحاد الأوروبي على البلدان التي تعاني من عجز طويل الأجل في الحساب الجاري، وذلك بهدف تحسين قدرتها التنافسية من خلال الاستثمار في رأسمالها البشري

وهذا الخيار من شأنه أن يمنح الحكومة اليونانية الفرصة لبداية جديدة في تحفيز المنافسة، ومكافحة الفساد، وبناء أساس متين للنمو البعيد الأمد. ولن تكون هذه بالمهمة السهلة، ولكنها لن تكون عملية ترى اليونان أنها مهينة ويرى الدائنون أنها مزعجة ومثيرة للحنق.

سوف يكون هذا الخيار الثاني أقل جاذبية من الأول، ذلك أن الشكوك المتعلقة بالمضاربة والتي ترتبط بخروج اليونان ربما تهدد اقتصادات أخرى في منطقة اليورو (على سبيل المثال قبرص والبرتغال)، في حين تجد اليونان، بعد خفض قيمة الدراخما، أن استيراد السلع الرأسمالية التي تحتاج إليها لتوليد قاعدة عريضة من الوظائف العالية الأجر أمر باهظ التكلفة.

ولكن الخيار الثاني من شأنه أيضا أن يشكل بداية جديدة لمنطقة اليورو بالكامل، فسوف تقبل البلدان الأعضاء حقيقة مفادها أن الاتحاد النقدي مستحيل في غياب التنسيق المالي والبنيوي. وسوف يشمل الحد الأدنى المطلوب للتنسيق المالي خططا وطنية تلقائية التنفيذ، وتتولى كل حكومة صياغتها مسبقا.

ومن الأهمية بمكان أن يعمل التنسيق البنيوي، كحد أدنى، على تركيز أموال الاتحاد الأوروبي على البلدان التي تعاني من عجز طويل الأجل في الحساب الجاري، وذلك بهدف تحسين قدرتها التنافسية من خلال الاستثمار في رأسمالها البشري. ولأن ترتيباتها الحالية لا تتسم بالمصداقية فضلا عن كونها غير مستدامة، فإن منطقة اليورو تحتاج إلى هذه "البداية الجديدة" بصرف النظر عن أي الخيارين قد تفضل اليونان في نهاية المطاف.
ــــــــــــــــــــــ
رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي، وأستاذ الاقتصاد في جامعة كريستيان ألبرخت في كيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة