حقيقة أوضاع مقومات الإرادة المصرية   
الخميس 1433/9/21 هـ - الموافق 9/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)
مصر الثورة تسعى لامتلاك إرادتها من خلال تحقيق اكتفاء ذاتي بالغذاء والدواء والسلاح (الجزيرة)

عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

- أوضاع الغذاء
- أوضاع الدواء
- أوضاع السلاح
- نماذج ملموسة


ثمة مقولات مأثورة يتداولها المصريون وغيرهم حول امتلاك الدولة لإرادتها السياسية، منها "من يملك قوته يملك قراره"، ولذلك يطالب المصريون منذ عقود باتباع سياسات اقتصادية تعمل على عدم استيراد القمح وغيره من السلع الغذائية، وتوفير القمح وغيره من السلع الضرورية من خلال الإنتاج المحلي، باعتبار أن قضية الغذاء من قضايا الأمن القومي.

وقد تعرضت مصر لمشكلات اقتصادية واجتماعية غير مرة، آخرها بعد أزمة الغذاء العالمية في العامين 2007 و2008، بسبب الاستمرار في الاعتماد على استيراد القمح وغيره من السلع الغذائية، حيث ارتفعت الأسعار في الأسواق مما كبد الأسر المصرية أعباء إضافية، وكذلك تضاعفت مخصصات دعم الغذاء بالموازنة العامة.

ولكن الأمر لم يعد يتوقف على الغذاء ومشكلاته وقضاياه، فقد تمت الإشارة إلى مسألة المعونة الأميركية أكثر من مرة إبان قضايا تخص العلاقات المصرية الأميركية، سواء كان ذلك قبل ثورة 25 يناير أو بعدها.

غير أن حديث الرئيس المصري محمد مرسي أثناء حفل إفطار الجيش الثاني الميداني أشار إلى أن مقومات امتلاك الإرادة المصرية هي الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء والدواء والسلاح، ومن هنا نجد أنه من الضروري تناول هذه المقومات الثلاثة بالتحليل في ضوء الواقع المصري، وإن كان البرنامج الانتخابي للرئيس قد ركز على ضرورة توفير الاكتفاء الذاتي من القمح وزيادة مخصصات قطاع الصحة.
مصر لا تحقق اكتفاء ذاتيا في الأغذية الأساسية باستثناء الأرز (الأوروبية-أرشيف)

أوضاع الغذاء
توضح البيانات ضعف الأداء الاقتصادي لقطاع الزراعة بمصر، فلم تزد مساهمته في إجمالي الناتج المحلي عن نسبة 13.4% في فترة 2010-2011، كما أن هناك فجوة كبيرة بين الواردات والصادرات الزراعية لصالح الأولى منذ ثلاثة عقود، وهو ما ينتج عنه وجود عجز في الميزان التجاري الزراعي لمصر.

فحسب بيانات فترة 2009-2010 بلغت الصادرات الزراعية 18.1 مليار جنيه مصري (297 مليون دولار)، في حين بلغت الواردات 26.3 مليار جنيه (4.3 مليارات دولار)، بعجز في الميزان التجاري الزراعي بلغ 8.2 مليارات جنيه (1.3 مليار دولار).

كذلك تظهر البيانات أن زيادة المحصول المتحققة بين العامين 1996 و2010 محدودة للغاية، ففي حين تمت زيادة قدرها 1.2 مليون فدان (504 آلاف هكتار) في مساحة الأراضي الزراعية لم تزد الأراضي المستغلة إلا بنحو 1.6 مليون فدان (672 ألف هكتار)، حيث كانت مساحة الأراضي الزراعية في العام 1996 نحو 7.6 ملايين فدان (3.1 ملايين هكتار)، ووصلت في العام 2010 لنحو 8.8 ملايين فدان (3.6 ملايين هكتار)، وانتقلت المساحة المستغلة للفترة نفسها من 13.7 مليون فدان (5.7 ملايين هكتار) إلى 15.3 مليون فدان (6.4 ملايين هكتار).

أما بخصوص الاكتفاء الذاتي من أهم السلع الزراعية فإن مصر تعاني عجزا، إذ لا تتجاوز نسبة الاكتفاء في القمح 59.4%، وفي الذرة الشامية 58.3%، وفي السكر 72.3%، وفي الفول البلدي 38.4%، وفي الزيوت النباتية 18.8%. وإن كانت هناك سلعة واحدة تحقق فيها مصر فائضا فهي الأرز، حيث تبلغ نسبة الاكتفاء الذاتي 115.8%.

ومن خلال هذه البيانات يتضح عدم امتلاك مصر لمقوم الغذاء في الوقت الحالي، ولكن هذا لا يعني استحالة استهداف تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال الموارد المحلية أو في إطار تعاون إقليمي مع السودان.

فقد خلصت الدراسات إلى إمكانية تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 80% من خلال إعادة النظر في تركيب المحاصيل الزراعية في مصر وتفعيل نتائج بحوث التطوير الزراعي من خلال المراكز البحثية المحلية، التي توصلت إلى نتيجة مفادها إمكانية زيادة الإنتاجية في عدد من المحاصيل الرئيسية وعلى رأسها القمح.

ومن سبل تحقيق الهدف المذكور أيضا إعادة دور التعاونيات الزراعية، ووجود دور حقيقي لبنك التنمية والائتمان الزراعي في دعم المزارع المصري، ومساعدته على زراعة المحاصيل الإستراتيجية، وعدم التركيز على المحاصيل النقدية أو المحاصيل الثانوية التصديرية.

التحدي أمام صناعة الدواء في مصر ليس الإنتاج الكمي ولكنه البحث والتطوير لامتلاك حقوق الملكية الفكرية، ويبلغ قيمة إنتاج البلاد من الدواء 2.8 مليار دولار وقيمة الاستهلاك المحلي نحو 2.3 مليار دولار

أوضاع الدواء
تعكس الأرقام التي تخص صناعة الدواء في مصر أن البلاد من أكبر منتجي ومستهلكي الدواء في المنطقة العربية، مع الأخذ في الاعتبار أن صناعة الدواء لا تقوم في الأساس على الإنتاج الكمي، ولكنها تعتمد بالأساس على الإنتاج العلمي للدواء، الذي يرتبط بالبحث العلمي.

فوفق أرقام العام 2011، بلغت قيمة إنتاج مصر من الدواء 2.8 مليار دولار من خلال 85 مصنعا تعود ملكيتها للقطاعين العام والخاص والقطاع المشترك، فيما تصل قيمة الاستهلاك المصري من الدواء 2.3 مليار دولار، وتقدر التقارير حجم سوق الدواء المصري بنحو 2.5 مليار دولار.

وحسب دراسة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار أجريت في 2003 فإن معدل نمو سوق الدواء يقدر بنحو 30% سنويا نظرا لعدد السكان ومعدلات النمو السكاني التي تصل إلى 1.9% سنويا، كما تعد مصر الثانية عربيا على صعيد تصدير الدواء بنحو 410 ملايين دولار سنويا.

غير أن صناعة الدواء بمصر تمر بمشكلات، منها اتفاقية حقوق الملكية الفكرية، وهي إحدى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ومن بين مقتضياتها تحرير تجارة الدواء، ولكن الحكومة المصرية تتمسك دائما بحقها بصفتها دولة نامية في توفير الدواء بأسعار مقبولة بل ومدعومة في بعض الأحيان، لاعتبارات الدخل وأمور اجتماعية أخرى.

وزاد من تدخل الدولة في أسعار الدواء انتشار بعض الأمراض المزمنة بين المصريين في الآونة الأخيرة، مثل أمراض ضغط الدم والسكر والفشل الكلوي وأمراض الكبد.

والتحدي في صناعة الدواء ليس الإنتاج الكمي، ولكنه البحث والتطوير لامتلاك حقوق الملكية الفكرية التي تريد اتفاقية منظمة التجارة العالمية وضعها حيز التنفيذ الكامل لاحتكار سوق الدواء لصالح الدول المتقدمة.

أوضاع السلاح
تعد قضية السلاح من القضايا شديدة الحساسية في قضية امتلاك الإرادة، خاصة في دولة لها خصوصيتها الإقليمية مثل مصر، فالمعروف أن القاهرة قد غيرت من توجهها في التسليح في نهاية السبعينيات من التكنولوجيا الروسية إلى التكنولوجيا الأميركية، حتى إن المعونات التي بدأت واشنطن في تقديمها لمصر منتصف سبعينيات القرن الماضي مثل فيها التسليح جزءا مهما، ويصل الآن إلى نحو مليار دولار سنويا.

مصر تنتج وتطور بعض الأسلحة ولكنها ليست دولة مصدرة لها (الفرنسية-أرشيف)

وقد طرح هذا التحول في التكنولوجيا العسكرية إشكالية عندما أثيرت مسألة إمكانية الاستغناء عن المعونة الأميركية، حيث سيكلف ذلك مصر كثيرا، إذ سيتطلب هذا السيناريو أمرين، الأول أن يسمح لمصر باستيراد السلاح الأميركي وتقوم بدفع مبالغ موازية لمقدار المعونة، والثاني أن تغير مصر وجهتها وتدبر احتياجاتها بعيدا عن السوق الأميركية.

والجدير بالذكر أن الولايات المتحدة أسقطت مطلع تسعينيات القرن الماضي ديونا عسكرية عن مصر بقيمة تقارب 6.7 مليارات دولار، وذلك مقابل الدور المصري في حرب الخليج الثانية.

ولكن لا يعني هذا بحال من الأحوال أن المدرسة العسكرية المصرية تسلم الأمر بالكلية لمسألة الاستيراد، فهناك تنتج محليا وأخرى تُطور. والجدير بالإشارة هنا أن القدرات الحالية لمصر في إنتاج السلاح لم تمكنها بعد من الانضمام لنادي الدول المصدرة لها أو أن تستغني عن استيراد بعض متطلبات التسليح.

ويرتبط امتلاك مصر لمقدراتها في مجال التسليح بتطوير التعليم والبحث العلمي، لأنهما المفتاح الذي لا يمكن الدخول بدونه إلى هذا المجال، حيث تعد معظم الاستخدامات التكنولوجية في العالم عسكرية الغاية في المقام الأول، ثم تطور للأغراض المدنية بعد ذلك.

نماذج ملموسة
المقدرات الثلاثة المذكورة سابقا التي تضمنها خطاب الرئيس المصري ليست مستحيلة المنال، فهناك نماذج حية لامتلاك ناصيتها في دول صاعدة، مثل كوريا الجنوبية والصين والهند والبرازيل، وكلها تمكنت من الوصول لمعدلات مرضية تحقق لها توازن قوى في محيطها الإقليمي، ويمكنها من امتلاك إرادتها.

هناك نماذج حية لامتلاك ناصية مقومات الإرادة القومية في دول صاعدة مثل كوريا الجنوبية والصين والهند والبرازيل، وكلها تمكنت من الوصول لمعدلات مرضية

وهنا يعد تصريح الرئيس المصري بمثابة حجر الأساس للإرادة السياسية التي تدفع لتحقيق بقية المقومات الاقتصادية للإرادة القومية، مع الأخذ في الاعتبار أن مصر لن تبدأ في هذه المجالات من الصفر، ولكن ستعمل على الدفع بقوة لتحقيق هذه المقومات في فترة زمنية أقل مما كان مقدرا له من قبل.

وسيساعد القضاء على الفساد مصر على إنجاز خطوات متقدمة في مسألة الأمن الغذائي وغيره، حيث عمل الفاسدون قبل الثورة على توجيه سياسة الاستيراد بشكل يحققون معه عمولات أكبر، كما أن صياغة سياسات اقتصادية سليمة من شأنها أن تساعد على تحفيز المستثمرين على الاستثمار في مشاريع إنتاجية في مصر.

والمجالات الثلاثة المشار إليها ليست هي كل عناصر امتلاك الإرادة القومية بشكل حصري ولكن العمود الفقري لذلك، ويعد البحث العلمي ركيزة في بلوغ الاكتفاء في الميادين المذكورة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة