الاقتصاد الفلسطيني ومعضلة الاعتماد على الخارج   
الثلاثاء 1429/7/27 هـ - الموافق 29/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 8:19 (مكة المكرمة)، 5:19 (غرينتش)
 
 
أثارت وقائع وتفاصيل الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، وقبله ومعه قيام إسرائيل بعزل المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية، والتضييق على الحركة فيها، معضلة اعتمادية الكيان الفلسطيني الناشئ على الخارج، وبينت مدى العطب في الاقتصاد الفلسطيني، والقيود المفروضة على استقلالية الكيان الفلسطيني، في كل المجالات، وأهمها المجال الاقتصادي.
 
وعلى الصعيد الخارجي باتت هذه السلطة رهينة متطلبات الدول المانحة في عديد من القضايا السيادية، وضمنها إنهاء المقاومة والعنف (محاربة الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية)، وإدخال تغييرات على شكل السلطة، وعلاقاتها الداخلية، تحت بند ما يعرف بإصلاح المؤسسات الفلسطينية.

افتقد كيان السلطة الفلسطينية منذ قيامه، بموجب اتفاق أوسلو (1993) الموارد الأساسية، وبدا واضحا أنه سيعتمد في معظم حاجاته الأساسية على موارده من إسرائيل (الكهرباء والمياه والمحروقات والمواد التموينية والصيدلانية ومواد البناء)، كما سيعتمد في تغطية نفقاته على المساعدات المالية، التي تأتي من ما بات يعرف بالدول المانحة (أي الداعمة لعملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل)، إضافة إلى الاقتطاعات الضريبية، التي تجبيها إسرائيل، عن السلع الداخلة لمناطق السلطة.

"
افتقد كيان السلطة الفلسطينية منذ قيامه الموارد الأساسية واعتمد في معظم حاجاته على إسرائيل موردا للكهرباء والوقود والمواد الصيدلانية والتموينية واعتمد كذلك على الدول المانحة 

"
وكان مؤتمر باريس الاقتصادي، الذي عقد أواخر العام الماضي (2007) وشاركت فيه 68 دولة وعشرون منظمة ومؤسسة دولية، أكد بشكل واضح مدى تبعية الكيان الفلسطيني للتمويل الخارجي، ما تمثل بتعهد الدول والجهات المشاركة بتقديم مبلغ قدره 7.4 مليارات دولار، على ثلاث سنوات للسلطة، في حين أن القيادة الفلسطينية كانت تأمل تحصيل أقل من ذلك بمليارين من الدولارات (!). ومثلا، فقد وعدت الولايات المتحدة تقديم 555 مليونا، وبريطانيا 500 مليون، والاتحاد الأوروبي 640 مليونا، وكندا 360 مليونا، في حين تعهدت كل من فرنسا وألمانيا والسويد وإسبانيا بتقديم 300 مليون دولار، كل على حدة، ومن الدول العربية، مثلا، فقد تعهدت السعودية بتقديم مبلغ 500 مليون دولار، والإمارات العربية المتحدة 300 مليون دولار والكويت 300 مليون دولار.
المعضلة هنا لا تكمن فقط في واقع أن السلطة الفلسطينية لم تستطع تنمية مواردها الذاتية، بسبب المعيقات والحصارات والممارسات التقييدية والتخريبية، التي انتهجتها إسرائيل ضدها وضد المجتمع الفلسطيني، في الضفة والقطاع المحتلين، خصوصا في السنوات السبع الماضية. فإضافة إلى ما تقدم فإن هذه السلطة لم تعمل كما يجب، طوال المرحلة الماضية


(أي منذ قيامها عام 1994)، من أجل تنمية مواردها الذاتية.
 

على العكس من ذلك فإن السلطة، وتحت ضغط اعتبارات غير مهنية، توجّهت، وربما اضطرّت، لتوسيع التزاماتها بتضخيم جهاز الموظفين لديها، وضمن ذلك الموظفين في الأجهزة الأمنية، لاعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية، تتعلق، أولا، باستيعاب الأعداد الكبيرة من المنضوين في العمل الفصائلي في مرحلة ما قبل قيام السلطة. وثانيا، لامتصاص القادمين الجدد من المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع إلى سوق العمل. وثالثا، لتأمين متطلبات عيش أكبر قطاع من الفلسطينيين.
 
لقد تفاقمت إجراءات التهميش والحصار والتخريب الإسرائيلية منذ اندلاع الانتفاضة وما تضمنته من مواجهات (أواخر العام 2000)، خصوصا مع وجود حوالي 600 حاجز في الضفة الغربية، وقد تسببت هذه الإجراءات بانخفاض الإنتاج بنسبة 40% للفرد (بالقياس للعام 1999)، وازدياد نسبة الفقر، وارتفاع نسبة البطالة إلى ما يقارب 23% من القوة العاملة في الأراضي المحتلة، علما أن نسبة البطالة في قطاع غزة باتت تزيد عن 50% (بحسب تقارير البنك الدولي). (هآرتس21/12/2007)

ولعل كل ذلك يفسّر كيف أن السلطة باتت منشغلة، ومنهكة، ومرتهنة في سعيها لتأمين رواتب حوالي 160 ألف موظف، 81 ألفا منهم في القطاعات الحكومية الوظيفية والخدمية، والباقي (نصفهم تقريبا!) في الأجهزة الأمنية، لعدد سكان يناهز 3.5 ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع (بحسب البيانات الرسمية للسلطة الفلسطينية، حتى يونيو 2006)، بمعنى أنه ثمة موظف لكل 24 من الفلسطينيين عموما، وبالتفاصيل فثمة موظف مدني، وموظف أمني، لكل 50 منهم، وهو عدد كبير، ومكلف جدا، بمختلف المقاييس، وللقطاعين المدني والأمني.
 
وتفيد بيانات وزارة المالية الفلسطينية، للعام 2006، بأن كتلة الرواتب والأجور، في السلطة، تعادل مبلغا قدره 1.2 مليار دولار تقريبا (بمبالغ قدرها 678.19 مليون دولار للمدنيين، و502.81 مليون دولار للعسكريين)، وذلك من أصل إجمالي النفقات البالغ قدره 1.6 مليار دولار، تقريبا، في حين أن صافي الإيرادات المحلية (الضريبية وغير الضريبية) لم تزد عن 351.60 مليون دولار. 

"
تتحمل السلطة الفلسطينية عبئا ماليا كبيرا بسعيها لتأمين رواتب وأجور نحو 160 ألف موظف مدني وعسكري

"
وتكشف هذه المعطيات حجم العبء التمويلي الكبير الواقع على كاهل السلطة، حيث أن الكتلة الأكبر من الموازنة تذهب للرواتب والأجور، وليس للإنفاق على الخدمات أو الاستثمارات، كما يبين ذلك ضعف موارد السلطة المحلية، واعتماديتها العالية على تمويل نفقاتها من الموارد الخارجية.

ويمكن الاستنتاج من كل ما تقدم أن السلطة الفلسطينية باتت بمثابة معيل كبير للمجتمع الفلسطيني، بدلا من أن يقوم هذا المجتمع بتمويل سلطته، أو تأمين الجزء الأكبر من موارد دولته المفترضة، التي يتّضح


أنها تفتقد الإمكانيات الذاتية اللازمة لقيامها واستمرارها وتطورها.

 

ولا شك أن هذا الوضع يخلق تداعيات، كبيرة وخطيرة، على الخيارات السياسية للسلطة، التي باتت أمام شعبها مطالبة بالشيء ونقيضه، فهي مطالبة بالاستمرار بتقديم مستحقات "الإعالة" الشهرية، من جهة، ومطالبة بالاستمرار بمواجهة الإملاءات الخارجية، وضمنها الإسرائيلية، التي لا تتلاءم مع الحقوق الفلسطينية، بشكلها الناجز، من جهة أخرى.

وعلى الصعيد الخارجي باتت هذه السلطة رهينة متطلبات الدول المانحة في عديد من القضايا السيادية، وضمنها إنهاء المقاومة والعنف (محاربة الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية)، وإدخال تغييرات على شكل السلطة، وعلاقاتها الداخلية، تحت بند ما يعرف بإصلاح المؤسسات الفلسطينية.

الأنكى أن هذه السلطة، باعتبارها مازالت في موقع حركة التحرر الوطني، مطالبة بالاستمرار بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، واحتضان مقاومة شعبها لهذا الاحتلال، ومطالبة أيضا بمواجهة الإملاءات السياسية الإسرائيلية في عملية المفاوضات، ومع هذا وذاك، فهي معنية، بنفس الوقت، باستمرار العلاقة الإشكالية والمتداخلة مع إسرائيل، التي مازالت تسيطر على مختلف أوجه الحياة في الكيان الفلسطيني، بسيطرتها على الحدود الخارجية، والمعابر من وإلى الأراضي الفلسطينية، ومن وإلى الضفة والقطاع، وبالنسبة لتحكمها بالواردات والصادرات، إلى الأراضي المحتلة، وبالنسبة إلى كونها مسؤولة عن إمدادات هذه الأراضي بالمواد الأساسية، من المياه إلى الكهرباء إلى المحروقات.
 
"
باتت السلطة الفلسطينية رهينة متطلبات الدول المانحة في عديد من القضايا السيادية، وضمنها إنهاء المقاومة والعنف (محاربة الإرهاب بالمصطلحات الإسرائيلية)، وإدخال تغييرات على شكل السلطة، وعلاقاتها الداخلية، تحت بند ما يعرف بإصلاح المؤسسات الفلسطينية

"
وبالنسبة لقطاع غزة، مثلا (والحال في الضفة ليست أفضل بكثير) فإن إسرائيل تتحكم بمعظم إمداداته من الكهرباء والطاقة والمواد التموينية والطبية، كما تتحكم بالنشاط التجاري وبحركة الناس على المعابر، إلى الضفة أو إلى مصر. فهي مثلا، تزوّد القطاع بما يعادل 80% من التيار الكهربائي و100% من الوقود و70% من الماء و100% من الوقود الذي يشغل المحركات الكهربائية، التي تشغل بدورها آليات رفع الماء من الآبار الارتوازية.
ويبدو أن "حماس" عندما أخذت الحكومة، ثم عندما هيمنت على قطاع غزة، لم يكن بحسبانها هذا الوضع المعقد، ولم تهيئ نفسها للتعامل معه، فليس ثمة موارد مالية لتغطية الرواتب، وثمة اعتمادية عالية على الإمدادات التي تأتي من إسرائيل (الكهرباء والطاقة والمياه)، فضلا عن أن إسرائيل تتحكم بكل واردات السلع للأراضي المحتلة.

ومعلوم أنه كلما تقلصت قدرة كيان ما، أو دولة، عن تأمين مواردها الذاتية، وكلما زادت اعتماديتها على الموارد الخارجية، كلما تهيأت مسبقا للتفريط بجزء من سيادتها، والخضوع للإملاءات الخارجية. فمن البديهي أن تقيّد كل هذه المتطلبات والارتهانات السلطة، وتضعها في وضع إشكالي وحرج على كافة الصعد الداخلية والخارجية، وفي مواجهة إسرائيل، بغض النظر عن حقيقة توجهاتها أو خياراتها أو رغباتها.

وربما أن الأخطر من ذلك أن هذه الأحوال شوشت على طبيعة القضية الفلسطينية، بتحولها من حركة تحرر وطني من الاستعمار والاستيطان الصهيوني، إلى مجرد حركة تتطلع لتأمين متطلبات العيش لشعبها. وتحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية إلى قضية اقتصادية، وتحويل الاهتمام من مسألة إنهاء الاحتلال إلى مسألة تأمين لقمة العيش للفلسطينيين، بغض النظر عن حقوقهم السياسية والوطنية.

لكن ما يجب الانتباه إليه هنا، هو أن التحول في هذه الاتجاهات لا ينم عن جهل، أو عن تناس، وإنما ضمن رؤية مفادها، أن تحويل الفلسطينيين، من الناحية السياسية، يفترض إيجاد تحولات راسخة في بيئتهم الثقافية والاجتماعية، وخلق ظروف حياة جديدة لهم، من خلال تحويل سوق العمل، من سوق قائمة على التفرغ في الفصائل، والمليشيات المسلحة، إلى سوق عمل تتأسس على الانخراط في الوظيفة العمومية، والمؤسسات الخدمية، والمناطق الصناعية.

ولعل هذه التحولات هي ما تراهن عليه معظم الأطراف الفاعلة من الولايات المتحدة إلى أوروبا، إلى الطرفين المباشرين (إسرائيل والسلطة)، وهو ما يجري الإعداد له في هذه المرحلة، إنفاذا لرؤية بوش بشأن الدولتين. وهذا، ربما، العنوان الأساسي للمرحلة المقبلة: بناء المؤسسات، وإيجاد مناطق صناعية، وتسهيل حياة الفلسطينيين في الضفة، لخلق تحولات ملائمة لحل سياسي يجري اختباره لاحقا على شكل دولة فلسطينية، بغض النظر عن حدودها، وحدود سيادتها.

ويستنتج من ذلك أن مسألة إقامة كيان فلسطيني لم تعد تقتصر على البعد السياسي، على أهميته، وإنما باتت تشمل المجالين الاقتصادي والأمني، فلا يمكن الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة بدون تمكّن هذه الدولة من هذين البعدين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة