أزمات ما بعد الأزمة   
الثلاثاء 25/2/1434 هـ - الموافق 8/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:12 (مكة المكرمة)، 12:12 (غرينتش)

 

جوزيف ستيغليتز

 

تجاهل المشكلات الطويلة الأجل
من التصنيع إلى الخدمات
أزمة غياب العدالة

تجاهل المشكلات الطويلة الأجل
في ظل أزمة اليورو والهاوية المالية في أميركا، أصبح من السهل أن نتجاهل مشكلات الاقتصاد العالمي الطويلة الأجل. وبينما نركز على مخاوف آنية مباشرة، تتفاقم هذه المشكلات، ونستمر نحن في إهمالها على النحو الذي يعرضنا جميعاً للخطر.

وأخطر هذه المشكلات ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي. ففي حين أدى ضعف أداء الاقتصاد العالمي إلى تباطؤ مواز للزيادة في مستويات الانبعاثات الكربونية، فإن هذا ليس أكثر من فترة إرجاء قصيرة. ونحن متخلفون كثيراً عن المنحنى: ولأن استجابتنا لتغير المناخ كانت بطيئة للغاية، فإن تحقيق هدف الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية بما لا يتجاوز درجتين مئويتين سوف تستلزم تخفيضات حادة في مستويات الانبعاثات في المستقبل.

ويقترح البعض أننا ينبغي لنا -نظراً للتباطؤ الاقتصادي- أن نؤجل التعامل مع قضية الاحتباس الحراري العالمي. ولكن العكس هو الصحيح، ذلك أن تعديل وتكييف الاقتصاد العالمي وفقاً لتغير المناخ من شأنه أن يساعد في استعادة الطلب الكلي والنمو.

ومن ناحية أخرى، تستلزم وتيرة التقدم التكنولوجي والعولمة بالضرورة تنفيذ تغييرات بنيوية سريعة في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. وقد تكون هذه التغييرات مؤلمة، وفي الغالب لن تتعامل معها الأسواق بشكل جيد.

من التصنيع إلى الخدمات
وتماماً كما نشأت أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين جزئياً من المصاعب التي صاحبت التحول من اقتصاد ريفي زراعي إلى اقتصاد حضري صناعي، فإن مشكلات اليوم تنشأ جزئياً من الحاجة إلى الانتقال من التصنيع إلى الخدمات. ولا بد من إنشاء شركات جديدة. والواقع أن الأسواق المالية الحديثة أكثر براعة في عمليات المضاربة والاستغلال منها في توفير الأموال لمشاريع جديدة، وخاصة مشاريع الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

ستيغليتز: هناك أزمة عالمية فيما يتصل بغياب العدالة والتفاوت بين الناس (الأوروبية)

وعلاوة على ذلك، يتطلب إتمام عملية الانتقال هذه الاستثمار في رأس المال البشري الذي لا يستطيع الأفراد تحمل تكاليفه عادة. ومن بين الخدمات التي يحتاج إليها الناس الصحة والتعليم، وهما قطاعان تلعب فيهما الحكومة عادة دوراً بالغ الأهمية (نظراً لنقائص السوق الكامنة في هذين القطاعين والمخاوف بشأن العدالة).

وقبل اندلاع أزمة 2008، دارت أحاديث مطولة عن اختلالات التوازن العالمية، والحاجة إلى حمل الدول ذات الفائض، مثل ألمانيا والصين، على زيادة استهلاكها. ولم تختف هذه القضية، بل إن فشل ألمانيا في معالجة فائضها الخارجي المزمن يمثل جزءاً لا يتجزأ من أزمة اليورو. وفي الصين هبط الفائض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن العواقب البعيدة الأمد لم تتكشف بعد.

ولن يختفي العجز التجاري الإجمالي لدى الولايات المتحدة من دون زيادة في المدخرات المحلية والمزيد من التغيرات الجوهرية في الترتيبات النقدية العالمية. فالأول من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التباطؤ في البلاد، والتغييران ليسا ضمن الأجندة.

فبينما تزيد الصين من استهلاكها، فإنها لن تشتري بالضرورة المزيد من السلع من الولايات المتحدة. بل إنها من المرجح أن تزيد من استهلاكها من السلع غير المتداولة -مثل الرعاية الصحية والتعليم- فيسفر هذا عن اضطرابات عميقة في سلسلة الإمداد العالمية، وخاصة في الدول التي كانت تقدم المدخلات لمصدري السلع المصنعة في الصين.

أزمة غياب العدالة
وأخيرا، هناك أزمة عالمية فيما يتصل بغياب العدالة والتفاوت بين الناس. والمشكلة لا تكمن في أن مجموعات الدخل العليا تحصل على حصة أكبر من الكعكة الاقتصادية فحسب، بل إن من هم في منتصف السلم أيضاً لا يشاركون في النمو الاقتصادي، في حين تتزايد معدلات الفقر في العديد من البلدان. وفي الولايات المتحدة تبين أن تكافؤ الفرص لم يكن أكثر من أسطورة.

وفي حين تسببت أزمة الركود العظيم في تفاقم هذه الاتجاهات، فإنها كانت ظاهرة قبل فترة طويلة من اندلاع الأزمة. والواقع أنني (وغيري) كنت أزعم أن التفاوت المتنامي بين الناس يُعَد واحداً من الأسباب التي أدت إلى التباطؤ الاقتصادي، وأنه يشكل جزئياً نتيجة حتمية للتغيرات البنيوية العميقة الطارئة على الاقتصاد العالمي.
التفاوت المتنامي بين الناس يُعَد واحداً من الأسباب التي أدت إلى التباطؤ الاقتصادي، ويشكل جزئياً نتيجة حتمية للتغيرات البنيوية العميقة الطارئة على الاقتصاد العالمي

إن النظام الاقتصادي والسياسي الذي يفشل في تلبية احتياجات أغلب المواطنين ليس مستداماً في الأمد البعيد. وفي نهاية المطاف، سوف يتآكل الإيمان بالديمقراطية واقتصاد السوق، وسوف تصبح شرعية المؤسسات والترتيبات القائمة موضع شك.

والنبأ السار هنا هو أن الفجوة بين الدول الناشئة والمتقدمة ضاقت إلى حد كبير في العقود الثلاثة الأخيرة. ورغم ذلك فإن مئات الملايين من البشر لا يزالون يعيشون في فقر، ولم يتم إحراز تقدم يُذكَر في تضييق الفجوة بين الدول الأقل تقدماً وبقية دول العالم.

وهنا لعبت اتفاقيات التجارة الحرة -بما في ذلك استمرار إعانات الدعم الزراعية غير المبررة، التي تعمل على كبح الأسعار التي يعتمد عليها دخل الكثير من أفقر الفقراء- دوراً واضحا. ذلك أن الدول المتقدمة لم تف بوعدها في الدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني 2001 بتأسيس نظام تجاري داعم للنمو، أو بتعهداتها في قمة مجموعة الثماني في غلين إيغلز في عام 2005 بتقديم قدر أكبر من المساعدة للدول الأكثر فقرا.

ولن تعمل السوق من تلقاء نفسها على حل أي من هذه المشكلات. فالاحتباس الحراري العالمي يمثل مشكلة "منافع عامة" بالغة الخطورة والأهمية. ومن أجل تنفيذ التحولات البنيوية التي يحتاج إليها العالم، يتعين على الحكومات أن تضطلع بدور أكثر نشاطا، في وقت تتزايد فيه المطالبات بخفض الإنفاق في أوروبا والولايات المتحدة.

وبينما نتصارع مع أزمات اليوم، يتعين علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كنا نستجيب لها بطريقة تفضي إلى تفاقم مشكلاتنا الطويلة الأمد. إن المسار الذي تميز بظهور الصقور المدافعين عن تقليص عجز الموازنات وأولئك المناصرين لسياسات التقشف، يعمل في النهاية على إضعاف الاقتصاد اليوم وتقويض آفاق المستقبل.

ومن عجيب المفارقات هنا أنه في ظل نقص الطلب الكلي، الذي يشكل المصدر الرئيسي للضعف العالمي اليوم، لا يزال البديل متاحا: ألا وهو الاستثمار في مستقبلنا على النحو الذي يساعدنا في التعامل بشكل متزامن مع مشكلاتنا الرئيسية مثل الاحتباس الحراري، وغياب المساواة واستمرار الفقر في العالم، وضرورة العمل على تنفيذ التغيير البنيوي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
جوزيف ستيغليتز: حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا الأميركية. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "ثمن التفاوت: كيف يهدد المجتمع المنقسم اليوم مستقبلنا؟".

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة