الفساد بمصر يتحدى المؤسسات والنُظم والقوانين   
الأربعاء 1431/12/17 هـ - الموافق 24/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 19:01 (مكة المكرمة)، 16:01 (غرينتش)
 
 
يركز الخطاب السياسي للنظام المصري على مكافحة الفساد، وكانت آخر هذه الإشارات، ما جاء في البرنامج الانتخابي للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم لانتخابات مجلس الشعب 2010، "إننا نخوض الانتخابات القادمة‮.. ‬وأعيننا علي هؤلاء‮.. ‬ونطرح برنامج الحزب للسنوات الخمس المقبلة‮.. ‬من أجل هؤلاء‮. ‬نطرحه من أجل المزيد من النمو وفرص العمل وتحسين الدخول‮.. ‬نطرحه من أجل المزيد من التصدي للفساد".
 
والقارئ لهذه العبارة، يتخيل أن جهود مكافحة الفساد في مصر قائمة على قدم وساق، وأن ما سيبذل هو إضافة لجهود قائمة، استطاعت أن تقلص دائرة الفساد وتلجمه، ولكن ما تنتهي إليه المسوح والدراسات المحلية، أو التقارير الدولية هو تفشي الفساد في مصر. فتقرير منتدى دافوس عن التنافسية لسنوات مضت يفسر تأخر مصر على مؤشر التنافسية بانتشار الفساد بالإضافة إلى عوامل أخرى.
 
 فمصر حصلت على 3.1 من 7 درجات لقياس مكافحة الفساد، على مؤشر التنافسية. ويوضح مقياس الحكم الجيد للبنك الدولي أن قدرة مصر على السيطرة على الفساد تتراوح ما بين 30% و48%.
 
أما مؤشر لحرية الاقتصادية فيذهب إلى أن قدرة مصر على التحرر من الفساد تصل إلى 29%. كما أن نتائج المسح الميداني الذي أجراه مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في عام 2009، أشارت إلى أن 90% من أفراد عينة المسح اعتبروا دفع الرشوة أمرا مألوفا يقوم به الجميع.
 
وذكر 56% من أفراد العينة أن الموظف العام طلب منهم الرشوة مباشرة. كما ذكر 70% منهم أنهم دفعوا الرشوة من أجل إنجاز أعمالهم بسرعة.
 
وفي إطار الخطاب السياسي للنظام المصري فقد وعد رئيس الوزراء أحمد نظيف في مايو/أيار 2006، أي منذ ما يزيد على 4 سنوات، بأن الحكومة تبذل جهدها من أجل إصدار قانون "حرية تبادل المعلومات"، إلا أن الواقع يشهد بأن القانون لم ير النور بعد، ولو مجرد مشروع قانون يقدم للبرلمان.
 
ويعول المجتمع الأهلي كثيرًا على صدور هذا القانون من أجل مزيد من الشفافية ومكافحة الفساد وخاصة في الجهاز الإداري للدولة، وحتى تكون تقارير ودراسات الجهات الرقابية المالية والإدارية متاحة لجميع الأفراد في الوقت وبالتكلفة المناسبين. وعلى الرغم من أن الفساد يشمل مجالات متعددة، منها ما يمس الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية فإننا سنركز هنا على الفساد في المجال الاقتصادي.
 
70 ألف قضية فساد سنويا
تتعدد المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد في مصر على صُعد مختلفة ما بين أجهزة رقابية، وتشريعية، تشمل الجوانب الإدارية، والمالية، ومع ذلك فالفساد يزداد في مصر عامًا بعد عام، من قبل صغار الموظفين، وبعض كبار المسؤولين، ورجال الأعمال والبرلمانيين. فالتقرير الثالث للجنة الشفافية والنزاهة (التابعة لوزارة الدولة للتنمية الإدارية) الصادر عام 2010 يوضح أن قضايا الفساد على صعيد الجهاز الإداري للدولة، الذي يضم نحو 6.1 ملايين فرد، تبلغ 70 ألف قضية سنويًا، يحفظ منها 40 ألف قضية، ويُحكم في أقل من ألفين قضية.
 
 وقد أرجع التقرير هذه الزيادة في قضايا فساد الجهاز الإداري للدولة إلى شيوع الإهمال وانتشار الرشوة وغياب المحاسبة، وتضارب الاختصاصات.
 
 وتعكس النتيجة الخاصة بالتعامل مع قضايا فساد الجهاز الإداري، مدى اطمئنان القائمين على أمر الفساد، وتراخي المساءلة تجاههم، مما يشجعهم على الاستمرار في الفساد، وعدم الاكتراث بعقوبة أو قانون.
 
"
من يحاسب هم الصغار، بينما الكبار وأصحاب المحسوبيات يفلتون من العقوبة أو المساءلة.

"
فكون 57.2% من القضايا يتم حفظها أي كأن شيئًا لم يكن!!، ويظل نحو 40% أخرى من هذه القضايا معلقًا بلا حسم، ولا يكون الحكم إلا في نسبة 2.8% من القضايا، فمعنى ذلك أن ما يتم ضبطه، ويدرج على جدول أعمال الأجهزة الرقابية، ليس إلا استكمالا للشكل الإجرائي، دون الاقتراب الحقيقي من عملية مكافحة الفساد.
 
 كما يعكس نتيجة في غاية الخطورة، وهي أن من يحاسب هم الصغار، بينما الكبار وأصحاب المحسوبيات يفلتون من العقوبة أو المساءلة في إطار ما يحفظ أو يعلق من قضايا، أو قد يكون لعيب في اللوائح والقوانين، بحيث تعطي للمخالفين ثغرات يستطيعون من خلالها إسقاط جرائمهم.
 
أما دراسة منظمة الشفافية الدولية الصادرة عام 2009، بعنوان "دراسة حول نظام النزاهة الوطني بمصر"، فتذهب إلى أنه على الرغم من وجود تطورات إيجابية على مدار السنوات القليلة الماضية في نظام النزاهة بمصر، فإن حالات الفساد في تزايد ملحوظ، والآليات واللوائح المعمول بها حاليًا غير كافية لمواجهة تحدي الفساد في مصر.
 
كما تؤكد الدراسة وجود ثغرات كبيرة للفساد في نظام حوكمة البلاد، وأن من أكبر المشكلات التي تواجه مكافحة الفساد، التدخل السياسي في عمل الهيئات المعنية بمكافحة الفساد، والافتقار إلى وجود آليات تحمي المبلغين عن الفساد بكافة صوره، وكذلك وجود عوائق حكومية للحد من فاعلية المجتمع الأهلي ومؤسسات الإعلام في مواجهة الفساد.
 
 ويلاحظ تدخل السلطة التنفيذية في كافة شؤون الجهات الرقابية، حتى تلك التي أريد لها أن تعبر عن المجتمع الأهلي، مثل "لجنة الشفافية والنزاهة" فهي جزء من الكيان الإداري لوزارة الدولة للتنمية الإدارية، ويرأسها وزير التنمية الإدارية، وفيها ممثلون عن جهات حكومية مثل وزارة الخارجية.
 
كما أن "اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد" التي صدر بتكوينها قرار وزاري يحمل رقم 2890 لسنة 2010، فإنها تقع تحت سيطرة السلطة التنفيذية بصورة كبيرة، حيث إن تشكيلها  المقترح يضم وزير العدل رئيسًا، وممثلين عن وزارات الخارجية، والداخلية، والعدل، والتنمية الإدارية. وفضلًا عن السيطرة الحكومية على هاتين اللجنتين، فإنهما لا يخرجان عن إعادة تشكيل نفس الجهات القائمة على مكافحة الفساد، ولم تنجح في تحقيق أهدافها، في ضوء نتائج مؤشر الشفافية الدولية وغيره بشأن الفساد في مصر.  
 
"
تتدخل السلطة التنفيذية في كافة شؤون الجهات الرقابية، حتى تلك التي أريد لها أن تعبر عن المجتمع الأهلي، مثل "لجنة الشفافية والنزاهة

"
تزايد الفساد في ظل حكومة نظيف
تظهر البيانات أن مصر لم تنجح في تحسين ترتيبها على مؤشر الشفافية الدولية خلال الفترة 2001/2010، فقد شهد ترتيب مصر تدهورًا واضحًا.
 
 فبعد أن حصلت مصر على 3.6 درجات في عام 2001، حصلت على 3.1 درجات في عام 2010، وهو وضع لا يستقيم مع الخطاب السياسي للحكومة الذي يدعي محاربة الفساد. وظلت مصر تتأرجح بين التقويمين وتدهور وضعها في عاميْ 2008 و2009، بالحصول على 2.8 درجة. وهو ما يعني تزايد معدلات الفساد.
 
وإذا ما أخذنا في الاعتبار وضع الفساد مع مجيء حكومة الدكتور أحمد نظيف في عام 2004، فسنجد أن ترتيب مصر على مؤشر الشفافية في نفس العام كان 3.2 درجات، إلا أنه في عامي 2005 و2006 على التوالي شهد ترتيب مصر تحسنًا طفيفًا جدًا بدرجة 3.4 و3.3، وهو الأمر الذي دعا رئيس الوزراء في مايو/أيار 2006، أن يعلن في مؤتمر عن "دور التقنيات الحديثة في مجال الكشف عن الغش والفساد" أن هذا التحسن في ترتيب مصر على مؤشر الشفافية الدولية، أتى نتيجة للإجراءات والخطوات الجادة التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الفساد، من تدعيم صلاحيات أجهزة الرقابة المالية والإدارية واحترام سيادة القانون.
 
 لكن نتائج مؤشر الشفافية منذ عام 2007  لم تكن في إطار تصريحات رئيس الوزراء، فجاء ترتيب مصر في عام 2007 عند درجة 2.9 ثم 2.8 على مدار سنتين متتاليتين.
 
وكان ترتيب عام 2010 هو 3.1 درجات. وهو ما يعني -حسب المنهجية التي قوم بها رئيس الوزراء وضع مصر في عام 2006- أن هناك تراجعًا في دعم الأجهزة الرقابية المالية والإدارية، وكذلك حدوث اهتزاز في شأن احترام سيادة القانون.
 
 وفي كل الأحوال فإن ترتيب مصر في أحسن تقديرات المؤشر في عام 2001، عند تقدير 3.6 درجات، فهي دون المتوسط. فدرجات المؤشر من صفر إلى 10 والحصول علي 10 يعني الشفافية المطلقة، والحصول على صفر يعني الفساد الكامل، كما أن وضع مصر مقارنة بالدول العربية على نفس المؤشر متأخر. إذ تحتل المرتبة 11 من بين 19 دولة عربية شملها المؤشر في عام 2010.  
 
تطور وضع مصر على مؤشر الشفافية الدولية خلال الفترة من 2001 إلى 2010
 
السنة ، عدد البلدان التي شملها المؤشر على مستوى العالم،  ترتيب مصر بين دول العالمن،  درجة مصر على مؤشر الشفافية

 

2001    91  54  3.6

2002    102 62  3.4

2003    133 70  3.3

2004    145 77  3.2

2005    158 70  3.4

2006    163 70  3.3

2007    179 105 2.9

2008    180 115 2.8

2009    180 111 2.8

2010    178 98  3.1

المصدر: تم إعداد الجدول عن طريق الباحث من خلال الاطلاع على تقرير منظمة الشفافية الدولية خلال الفترة.

فساد رأس المال
منذ تولي حكومة د. نظيف الأمور في عام 2004، برز دور رجال الأعمال في السلطة بشكل أكبر، من خلال إسناد المناصب الوزارية إليهم، على الرغم من تعارض المصالح الناتج بين توليهم هذه الحقائب الوزارية، وأنشطتهم الاقتصادية الخاصة التي كانوا يمارسونها قبل تولي الوزارة. ومن أبرز هؤلاء الوزراء، أحمد المغربي وزير الإسكان، ومحمد منصور وزير النقل السابق، وزهير جرانة وزير السياحة.
 
 وقد برزت مؤخرًا ملفات فساد تتعلق ببعض هؤلاء الوزراء لحصولهم على أراض مملوكة للدولة، أو لشركات قطاع الأعمال العام، بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية، على الرغم من اعتراضات الجهاز المركزي للمحاسبات على هذه الصفقات.  
 
وكانت الصورة الأخرى لفساد رأس المال في مصر، من خلال وصول رجال الأعمال إلى مجلس الشعب بأعداد كبيرة، في مجلسيْ الشعب والشورى،، حيث وصل عددهم في برلمان عام 2005 إلى 68 عضوًا، تولى بعضهم رئاسة لجان مهمة، تتعلق بشأن المال والاقتصاد، مثل لجنة الخطة والموازنة (المهندس/ أحمد عز)، ولجنة الصناعة والطاقة (رجل الأعمال محمد أبو العينين).
 
وصدرت تشريعات اقتصادية تم توجيهها لصالح رجال الأعمال، كما حصل في قانون تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار، إذ تم التلاعب في تجريم الاحتكار وإسناد تحديد الغرامة إلى الوزير المختص، وتم إلغاء عقوبة مصادرة السلع محل الاحتكار، وأيضًا إلغاء إعفاء المحتكر من العقوبة في حالة إبلاغه عن ذلك.
 
 كما صيغ قانون الضرائب الجديد لصالح رجال الأعمال لتخفيض الضرائب من نسبة 32% إلى 20%.
 
وكانت هناك حوادث فساد ضخمة ارتبطت برجال الأعمال أعضاء مجلسيْ الشعب والشورى، مثل غرق العبارة لرجل الأعمال الشهير ممدوح إسماعيل (عضو مجلس الشورى)، وفساد عقد "مدينتي" لرجل الأعمال وعضو مجلس الشورى هشام طلعت مصطفى، الذي يشغل شقيقه طارق عضوية مجلس الشعب.
 
 وفتح ملف أراضي الدولة حصول العديد من رجال الأعمال الأعضاء في البرلمان على آلاف الأفدنة من خلال قرارات تخصيص، مثل محمد أبو العينين وأحمد عز ومحمد فريد خميس، في منطقة خليج السويس.
 
"
صيغ قانون الضرائب الجديد لصالح رجال الأعمال لتخفيض الضرائب من نسبة 32% إلى 20%.

"
إفساد حكومي للنواب
اتخذت الحكومة بعض القرارات تجاه نواب مجلس الشعب فسرت بأنها نوع من الإفساد تجاه أعضاء مجلس الشعب، ومخالفة للمادة 95 من الدستور، والمادة 372 من اللائحة الداخلية لمجلس الشعب. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تم تعيين بعض النواب في مجالس إدارات أو رؤساء مجالس إدارات لشركات مملوكة للدولة، وهو ما يمنعه القانون، وتم ذلك مع كل من د. محمد إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق وعضو مجلس الشعب، حيث عين رئيس شركة بترول مملوكة للدولة، ولم يزح من منصبه إلا بحكم قضائي بعدم صحة قرار الحكومة بتعيينه في منصبه.
 
 وكذلك الأمر مع النائب رضا وهدان حيث عين من قبل الحكومة رئيسًا لشركة "سوير جيت"، وقضت محكمة مجلس الدولة ببطلان قرار تعيينه، فالمادة 372 من اللائحة الداخلية لمجلس الشعب تنص على أنه "لا يجوز للعضو فور إعلان انتخابه أن يقبل التعيين في إحدى الوظائف العامة في الحكومة أو القطاع العام، وما في حكمها،...إلخ.
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

 
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة