التكلفة الاقتصادية لانفلات الأمن بمصر   
الثلاثاء 14/3/1433 هـ - الموافق 7/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 5:02 (مكة المكرمة)، 2:02 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي
 
الاستقرار السياسي والأمني هو الضمانة التي تحظى بالإجماع للخروج من المشكلات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد المصري، سواء تلك المشكلات المزمنة التي ورثتها مصر من العهد البائد لمبارك، أو تلك التي تسببت فيها الأحداث المتتالية لثورة 25 يناير المباركة.
 
وقد سادت حالة من التفاؤل على الصعيد السياسي بعد إجراء الانتخابات البرلمانية بمراحلها الثلاث دون وقوع خلل أمني، لسيطرة كل من الجيش والشرطة على المقدرات الأمنية، كما لوحظ تواجد شرطي إلى حد ما في الشارع، مما ساعد على حالة من التفاؤل على الصعيد الأمني أيضًا.
 
غير أنه على مدار الشهر الماضي، تدهورت الحالة الأمنية في الشارع المصري بصورة كبيرة، من السطو المسلح على البنوك وشركات نقل الأموال وشركات الصرافة، إلى الاعتداء على محلات تجارية شهيرة ودور مسنين ونهب أموالها، أو خطف سائحين.
 
وكان الحادث الجلل الذي هز المجتمع المصري المجزرة التي ارتُكبت في ملعب مدينة بورسعيد، ثم تبعتها عمليات نوعية لخرق الطوق الأمني، مثل خطف أحفاد وأولاد الأثرياء والحصول على دية وصلت إلى ملايين الجنيهات، وكذلك حرق بعض المؤسسات العامة مثل مبنى مصلحة الضرائب العقارية، والاعتداء على أقسام الشرطة بحرق مقراتها لتهريب متهمين في قضايا جنائية.
 
كل ذلك صب في مسار التأثير السلبي على أداء الاقتصاد المصري الحالي والمتوقع خلال الفترة القادمة، وهو الأمر الذي نتناوله في هذا التحليل.
 
"
معدل نمو الاقتصادي المصري لن يتجاوز 1% للعام المالي الجاري في أحسن الأحوال، وإذا استمر التدهور الأمني سيعني تراجعا أكبر لمعدل النمو، وبذلك سيكون الاقتصاد في موقف حرج
"
تراجع الناتج المحلي
حسب بيانات البنك المركزي المصري (النشرة الاقتصادية لشهر ديسمبر/كانون الأول 2011) فإن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول للعام المالي الحالي الذي بدأ مطلع يوليو/تموز الماضي بلغ 0.3%، والتي تعتبر أفضل مما تلاها من حيث الاستقرار الأمني.
 
وإذا ما اعتبرنا –جدلا- أن أداء الاقتصاد المصري لن يقل عن هذا المعدل في باقي الفترة من العام، فإن معدل النمو لن يتجاوز 1% إلا بمعدل يسير، إلا أن هذا السيناريو غير قابل للتحقيق في ظل تدهور الناحية الأمنية، وهو ما يعني تراجع معدل أداء الاقتصاد المصري عن معدل الربع الأول من العام، وبذلك يكون الاقتصاد المصري في موقف حرج.

وإذا ما أخذنا في الاعتبار المؤشرات المعتمدة على نمو الناتج المحلي،  وهي الزيادة في معدلات المواليد والتي تقدر بنحو 2%، ومن المفترض أن تكون معدلات النمو الاقتصادية ثلاثة أضعافها.. أو مؤشر البطالة وعدم قدرة الاقتصاد على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل -الذين يقدر عددهم سنويًا بنحو 750 ألف فرد- والتي تتطلب أن ينمو الاقتصاد المصري بمعدل 7-8%، وبذلك فإن معدلات البطالة في الاقتصاد المصري ستشهد ارتفاعًا ملحوظًا عما هي عليه الآن.
 
والدليل على ذلك خلال هذه الأيام واضح من خلال انتشار الباعة الجائلين، وزيادة رقعة الاقتصاد غير المنظم، وإشارة بعض وسائل الإعلام إلى غلق نحو 1600 مصنع بعد الثورة.
 
انخفاض الاستثمارات
أظهرت البيانات الخاصة للبنك المركزي المصري تراجع الاستثمارات المنفذة خلال الربع الأول للعام المالي لتصل إلى 46.1 مليار جنيه مصري، مقارنة بـ56.3 مليارا للفترة المقابلة من العام المالي السابق.

وبذلك نجد أن حجم التراجع بلغ 10.2 مليارات جنيه، وأن نسبة التراجع بلغت 18.1%. ومن الطبيعي أن ينعكس تراجع الاستثمارات الكلية بوضوح على ارتفاع معدلات البطالة والفقر في المجتمع.
 
كما تشير البيانات إلى أمر مهم، وهو تراجع نسبة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات المنفذة في الربع الأول من العام المالي الحالي ليصل إلى نسبة 67.8% مقارنة بنحو 70% في الفترة المقابلة من العام السابق،  في حين زادت نسبة مساهمة الاستثمارات العامة عما كانت عليه في العام الماضي، من قبل الاستثمارات الحكومية والشركات العامة والهيئات الاقتصادية.
 
"
ارتفعت معدلات الفقر في المجتمع المصري إلى 25.2% من السكان حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
"
ارتفاع معدلات الفقر
رفعت ثورة 25 يناير شعار "عيش، حرية، كرامة إنسانية"، إلا أن البيانات الصادرة بعد عام من الثورة عن الفقر أتت عكس ذلك، حيث ارتفعت معدلات الفقر في المجتمع إلى 25.2% من السكان في العام المالي السابق، مقارنة بـ 21.6% عام 2008/2009، وذلك حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
 
غير أن الوجه القبلي كان أكثر تأثرا بارتفاع معدلات الفقر من الوجه البحري، وإن كان كلا الإقليمين قد تأثر سلبيًا بارتفاع معدلات الفقر. فبلغ الفقر في ريف الوجه القبلي نسبة 51.4% من السكان مقابل 43.7%، وفي حضر الوجه القبلي ارتفع معدل الفقر بين السكان من 21.7% إلى 29.5%. أما في الوجه البحري فوصل معدل الفقر في الريف إلى 17% من السكان مقارنة بـ16.7%، وفي الحضر بلغ معدل الفقر بين السكان 10.3% مقابل 7.3%.
 
تراجع السياحة
لم تعد السياحة لمعدلات أدائها قبل الثورة، فما زالت تدور حول 900 ألف سائح شهريا حتى سبتمبر/أيلول 2011، إلا أنه بعد حادث اختطاف السائحتين الأجنبيتين يتوقع أن تعاني السياحة في مصر كثيرا، وبالتالي أن تشهد العمالة المصرية زيادة في ضياع فرص العمل، بل وتعثر في سداد التزامات المؤسسات السياحية تجاه البنوك وغيرها من الجهات التي تتعامل معها.
"
من شأن تردي الوضع الأمني في مصر أن يضعف موقف القاهرة في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي لطلب قروض لتمويل الميزانية العمومية، وخاصة من ناحية القدرة على سداد التزامات القرض
"
التكلفة الاقتصادية
لوحظ في مشروع موازنة العام الجاري أنه زاد من مخصصات قطاع النظام العام وشؤون السلامة العامة إلى 22.7 مليار جنيه، بعدمل كان 18.5 مليارا كمتوقع للعام الماضي، أي أن الزيادة في حدود خمسة مليارات جنيه، في الوقت الذي كان ينتظر فيه تخفيض مخصصات الأمن لتتجه إلى قطاعي التعليم والصحة وخدمة الفقراء.
 
وصار من المألوف في الشارع المصري أن تغلق شركات الصرافة أبوابها الرئيسية وتسمح بالتعامل مع زبائنها عبر فتحة صغيرة بالباب، كما زادت إجراءات التأمين على المؤسسات المالية، ليس من قبل المؤسسة الأمنية الرسمية فحسب، ولكن من خلال المؤسسات المالية نفسها. ومن شأن هذه الإجراءات أن تزيد من تكلفة عمل هذه المؤسسات، وبالتالي التأثير على أرباحها، والأخطر هو تراجع ثقة أصحاب المدخرات في الذهاب إلى هذه المؤسسات والتعامل معها، فضلًا عن أن يقلقوا على مصير مدخراتهم بهذه المؤسسات.

كما لوحظ أن المؤسسات الاقتصادية قد زادت من حجم إنفاقها على الأمن وتسليح أفراد الأمن بها. كما تلجأ بعض العائلات إلى شراء السلاح لتأمين منازلها، أو الاحتفاظ ببعض أنواع السلاح في سياراتهم. وقد أدى هذا الأمر إلى رواج تجارة السلاح غير المشروعة، حيث يتم تهريب كميات غير محدودة من الأسلحة عبر الحدود المصرية من كل من السودان وليبيا، وقد أعلنت الجهات الأمنية غير مرة ضبطها لكميات كبيرة من الأسلحة من هذين المنفذين.
 
ويزيد من خطورة نشاط تجارة الأسلحة غير المشروعة أن ثمنها يدفع بالعملات الأجنبية، وعادة ما يحصل العاملون بهذه التجارة على متطلبات التمويل من خارج المؤسسات الرسمية، وهو ما يخلق سوقا سوداء ويزيد من الطلب على الدولار، وبالتالي العمل على خفض سعر العملة الوطنية.
 
ضبابية الرؤية
فقد طالت الفترة الانتقالية المقدرة للأوضاع السياسية في مصر، ومن بينها حالة القلق التي تعيشها مصر على الصعيد الأمني، وهو ما أثر بدوره على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لمصر، فكانت محدودة للغاية خلال العام الأول للثورة، ولم تعد إلى سابق عهدها قبل الثورة، بل تؤثر هذه الحالة أيضًا على قرارات المستثمرين المحليين سلبيًا فلم تتم عمليات توسعة لمشروعات قائمة، أو التفكير في مشروعات جديدة.

في حالة استمرار الحكومة المصرية على طلبها لقرض صندوق النقد الدولي، فإن الوضع الأمني سيساعد على إضعاف موقفها التفاوضي بشأن قدرة الاقتصاد المصري على سداد التزامات القرض.
 
"رأس المال جبان".. مسلمة يدركها الجميع، وبدون توفير الأمن لن تكون هناك تنمية اقتصادية حقيقية تعمل على تحقيق مطالب ثورة 25 يناير، من القضاء على الفساد ومحاربة الفقر والبطالة، أو الانتقال بالاقتصاد المصري من مصاف الدول النامية إلى الدول الصاعدة.
 
ولذلك تعمل الثورة المضادة في مصر على قدم وساق لهز الثقة في الاقتصاد المصري عبر زعزعة الأمن وتنفق على ذلك ببذخ، فليس من صالحها استقرار الأوضاع وسيادة دولة القانون، لأنهم سيكونون أول من تضيع مصالحهم، بل وتعرضهم لمحاسبات على فسادهم.
 
ليس بوسع أحد الوقوف على رقم محدد لحجم إنفاق الثورة المضادة لزعزعة الأمن، ولا حجم التجارة غير المشروعة في السلاح، ولا أيضًا حجم ما ينفقه الأفراد على تأمين مؤسساتهم ومنازلهم وأنفسهم. وبلا شك فإن الفرصة البديلة للإنفاق على هذه البنود، من شأنها أن تخلق فرصا للعمل ويزيد من الاستثمارات ويساعد على تغيير وجه مصر الاقتصادي. وبقدر نجاح الحكومة المصرية ومعها المجتمع في استقرار الأمن، ستنجح في صناعة مستقبلها الاقتصادي والعكس صحيح.  
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة