أفريقيا واعدة رغم التحديات   
الأربعاء 1432/1/10 هـ - الموافق 15/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 11:52 (مكة المكرمة)، 8:52 (غرينتش)

40% من سكان القارة البالغ عددهم مليار شخص يعيشون في المدن (رويترز)


بالأمس القريب نعى العالم قارة محطمة وصفت بكلمات قليلة لرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير حين قال في 2001  "إن وضع أفريقيا وصمة في جبين العالم".
 
وقد كان هذا شائعا عندما يصف أحد الوضع في القارة السوداء التي أنهكتها الحروب الأهلية والركود الاقتصادي وانتشار الأمراض، فألقتها في براثن فقر دائم.
 
تحول المصير
لكن بعد عشر سنوات تغلبت القارة على ذلك المصير الذي بدا في السابق محتوما. وتحول الوصف من الشقاء الذي التصق بها إلى وصف يليق بمناطق حضرية تنمو باستمرار وارتفاع في طبقة المستهلكين وعقد صفقات كبيرة للأعمال بحيث أصبحت أرضا للفرص.
 
وأضحت القارة واحدة من أكثر وأسرع مناطق العالم  نموا. فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي للقارة في ما بين 2000 و2008 بمعدل 4.9% سنويا وهو ضعف نسبة نموها في العقدين السابقين.
وبحلول عام 2008 كان ناتج أفريقيا يساوي 1.6 تريليون دولار أي ما يعادل تقريبا كلا من روسيا والبرازيل.
 
"
زاد الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا في ما بين 2000 و2008 بمعدل 4.9% سنويا وهو ضعف نسبة نموها في العقدين السابقين

"
وكانت أفريقيا وآسيا المنطقتين اللتين ارتفع فيهما الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2009 الذي شهد الكساد العالمي.
كما زادت العائدات من المصادر الطبيعية، الدعامة القديمة لاقتصاد أفريقيا, بحيث مثلت 24% من النمو الاقتصادي خلال العقد الأخير، وجاءت النسبة الباقية من القطاعات الواعدة المزدهرة الأخرى مثل القطاع المالي, وتجارة التجزئة والزراعة والاتصالات.
 
وبالرغم من أنه ليست كل دولة أفريقية غنية بالمصادر الطبيعية, فإن نمو الناتج المحلي الإجمالي تزايد في كل القارة تقريبا.
 
وأضحت الإصلاحات الحكومية وزيادة الاستقرار السياسي وتحسن الاقتصادات الكلية وتوفير بيئة أفضل للأعمال التجارية راسخة في منطقة ضاع فيها الأمل منذ وقت طويل.
 
فقد هبط معدل التضخم إلى 8% في السنوات الأولى من القرن الحالي بعد أن حلق بمستوى 22% قبل عقد واحد. كما أن الدول الأفريقية خففت من العوائق التجارية وخفضت الضرائب وقامت بخصخصة الشركات وحررت العديد من القطاعات بما فيها القطاع المصرفي.
 
ويوجد في أفريقيا اليوم أكثر من 100 شركة محلية تزيد عائداتها على مليار دولار. كما ارتفع  تدفق رأس المال إلى القارة من 15 مليار دولار فقط عام 2000 إلى 87 مليار دولار عام 2007. ويعود ذلك لسبب وجيه هو أن أفريقيا تحقق أعلى عائد على الاستثمار مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم.
 
توقعات جيدة
ومن المؤكد أن تبقى حالات من المخاطرة وعدم الاستقرار. لكن التوقعات على المدى البعيد تبدو جيدة. فالطلب العالمي على السلع في تزايد كما أن أفريقيا في وضع يؤهلها لتحقيق الربح.
 
فالطلب المتنامي على هذه المواد الخام يأتي من اقتصادات العالم الناشئة بحيث تمثل هذه الاقتصادات نصف تجارة منطقة جنوب الصحراء الأفريقية. كما أن إنتاج أفريقيا من النفط والغاز والمعادن وغيرها من الموارد الطبيعية الأخرى من المتوقع أن ينمو بنسبة تتراوح ما بين 2 و4% سنويا خلال السنوات العشر القادمة.
 
ووفقا للأسعار الحالية فإن قيمة إنتاجها من المصادر الطبيعية سترتفع إلى 540 مليار دولار بحلول عام 2020 وربما أكثر من ذلك بحسب ارتفاع أسعار السلع.
 
وسيمثل المستهلكون في المناطق الحضرية بأفريقيا المصدر الأكبر للنمو. ففي عام 1980 كان 28% من الأفارقة يعيشون في المدن, أما اليوم فإن 40% من سكان القارة البالغ عددهم مليار شخص يعيشون في المدن وهي نسبة قريبة من عدد السكان في الصين وأكبر منها في الهند. ومن المرجح أن يستمر النمو الحضري في السنوات القادمة.
 
كما يتوقع أن يزداد عدد الأسر ذات الدخول التقديرية (ما يتبقى من الدخل بعد الإنفاق على الأساسيات) بنسبة 50% خلال السنوات العشر القادمة ليبلغ 128 مليون أسرة. ويصل حاليا إنفاق الأسر في أفريقيا إلى أكثر من 860 مليار دولار سنويا وهو رقم يزيد عن الهند وروسيا.
 
وينمو إنفاق المستهلكين في أفريقيا بثلاثة أضعاف سرعته في الدول المتقدمة وقد يصل إلى 1.4 تريليون دولار سنويا خلال عقد واحد.
 
النمو يستحث النمو
فلا شيء يستحث النمو مثل النمو، كما أن النمو الحضري لأفريقيا يؤدي إلى زيادة الطلب على بناء طرق جديدة وسكك حديدية وتطوير مصادر نظيفة للمياه وتوليد المزيد من الكهرباء وغير ذلك من متطلبات البنية التحتية.
 
"
قيمة إنتاج أفريقيا من المصادر الطبيعية سترتفع إلى 540 مليار دولار, وربما أكثر بحلول عام 2020 

"
وحتى الزراعة التي تخلفت أفريقيا فيها منذ زمن بعيد، تستعد للانطلاق. فالقارة تحوي 60% من أراضي العالم غير المستغلة الصالحة للزراعة, وعليه فإذا ما أقدم المزارعون على زيادة استغلالها, وزادوا إنتاج المحاصيل فيها إلى 80 من المعدل العالمي، وحولوا جهودهم إلى المحاصيل ذات القيمة العالية فإنهم يستطيعون زيادة قيمة إنتاجهم الزراعي إلى 500 مليار دولار بحلول 2020 من 280 مليار دولار حاليا.
 
وقد غيرت الشركات المتعددة الجنسيات من نمط تفكيرها بخصوص القارة، حتى وإن كان العالم السياسي ما زال ينظر إلى أفريقيا على أنها تستحق الإحسان.
 
واستطاعت شركات الاتصالات أن تجتذب 316 مليون مشترك منذ عام 2000 وهو عدد يزيد عن سكان الولايات المتحدة، كما أن شركة التجزئة الأميركية الضخمة وول مارت سعت إلى شراء إحدى شركات التجزئة في القارة بمبلغ 4.6 مليارات دولار مما يؤكد أن أفريقيا تتمتع بإمكانات تجارية ضخمة لم يشهدها العالم منذ أن بدأ انفتاح الصين قبل 20 عاما.
 
وستزداد تلك الإمكانات وتنمو بينما تخطو القارة نحو التحضر. ويوجد في القارة حاليا 52 مدينة لا يقل عدد سكان كل واحدة منها عن مليون نسمة وهو عدد يوازي عدد المدن في أوروبا الغربية اليوم.
 
وسيظل لأفريقيا الأمل في مستقبل مشرق رغم التحديات.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة