عولمة الاحتجاجات الشعبية   
الأحد 1432/12/11 هـ - الموافق 6/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:42 (مكة المكرمة)، 15:42 (غرينتش)

حركة "احتلوا وول ستريت" تحتج على تحكم 1% من الشعب الأميركي بمعظم الثروة (الفرنسية-أرشيف) 

جوزيف ستغلتز

حركة الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت من تونس في يناير/كانون الثاني الماضي وانتقلت لاحقا إلى مصر ثم إسبانيا غدت الآن حركة كونية بعدما أصبحت هذه الاحتجاجات تطوق وول ستريت -عاصمة الرأسمالية العالمية- ومدنا أخرى عبر القارة الأميركية.

وبفضل العولمة والتقنيات الحديثة، تمكنت الحركات الاجتماعية من اجتياز الحدود والتنقل عبرها بسرعة فائقة كما تنتقل الأفكار، وفي كل مكان تجد لها تربة خصبة، يغذيها إحساس بأن "النظام" قد فشل، وقناعة بأن العملية الانتخابية حتى في الدول الديمقراطية لم تصلح الأخطاء. وحتى حينما نجحت في إصلاح الأخطاء، فإنها لم تفلح في ذلك إلا بضغوط قوية من الشارع.

في شهر مايو/أيار الماضي زرت موقع الاحتجاجات التونسية، وفي يوليو/تموز تحدثت في إسبانيا إلى أعضاء في حركة "إنديغنادوس" (التي تعني الساخطون)، ومن هناك ذهبت لمقابلة شباب الثورة المصرية في ميدان التحرير بالقاهرة.

وقبل أسابيع قليلة، تحدثت إلى نشطاء في حركة "احتلوا وول ستريت" في نيويورك. وفي كل مرة تكررت فكرة واحدة، عبارة واحدة، لازمة واحدة: "نحن الـ99%".

هذا الشعار يحاكي عنوان مقالة نشرتها مؤخرا أصف فيها تعمق الظلم الاجتماعي في الولايات المتحدة. 1% من الشعب الأميركي يتحكمون في أكثر من 40% من الثروة ويحصلون على أكثر من 20% من الدخل. ثم إن هذه الطبقة الثرية لم تجن ثروتها لأنها أسهمت أكثر من غيرها في نهضة المجتمع بل لأنها بكل بساطة سماسرة ناجحون (وفاسدون أحيانا).

هذا لا ينفي بالطبع أن بعضا من هذه الفئة الصغيرة أسهمت إسهامات كبيرة. وفي حقيقة الأمر فإن المنافع الاجتماعية لكثير من الابتكارات الحقيقية (وليس طبعا الابتكارات المالية الجديدة التي تسببت في تدمير الاقتصاد العالمي) تفوق بكثير ما جناه أصحاب هذه الابتكارات.

غير أن النفوذ السياسي عبر العالم والممارسات غير التنافسية (التي تلقى غالبا دعما سياسيا) لعبت دورا مركزيا في تعميق الظلم الاقتصادي.

احتجاجات وسط لندن ضد النظام الاقتصادي بالبلاد (غيتي-أرشيف)

النظم الضريبية
فالنظم الضريبية التي تمكن مليارديرا مثل وارن بوفيت من دفع ضرائب أقل من سكرتيرته، أو تمكن المضاربين الذين أسهموا في انهيار النظام الاقتصادي العالمي من دفع ضرائب تقل عن أولئك الذين يعملون لهم أو معهم، هذه النظم عززت هذه الظاهرة.

ولقد أظهرت البحوث التي أجريت في الأعوام الأخيرة مدى تجذر الإحساس بالظلم. فالمحتجون الإسبان وغيرهم في الدول الأخرى، محققون في سخطهم: فهنا نظام أنقذ رجال المصارف وترك أولئك الذين كانوا فرائس لهم لأنفسهم.

والأدهى والأمر أن المصرفيين عادوا إلى مكاتبهم يحصدون مكافآت لا يحلم معظم الموظفين بجنيها طيلة الحياة، بينما لا يجد الشباب الذين كدوا وكدحوا في الدراسة أي فرصة للحصول على وظيفة لائقة.

إن تعاظم ظاهرة الظلم الاجتماعي والاقتصادي متولد من حلقة مفرغة: السماسرة الأثرياء يستخدمون ثروتهم في وضع تشريعات تحمي وتنمي ثروتهم ونفوذهم.

فالمحكمة الأميركية العليا أطلقت (في قرارها سيئ الذكر المعروف باسم "مواطنون متحدون") يد الشركات في استخدام أموالها للتأثير في الاتجاهات السياسية. وبينما يحق للأثرياء استخدام أموالهم كي يصدحوا بآرائهم، فإن الشرطة لم تسمح لي بمخاطبة نشطاء حركة "احتلوا وول ستريت" في الشوارع عبر مكبر الصوت.

إن التناقض الصارخ بين الديمقراطية المقيدة والمصرفيون الأحرار لم يمر دون أن يلفت الانتباه. لكن المحتجين كانوا مبدعين: فقد أعادوا ما قلت عبر الجماهير كي يُسمِعوه للجميع، ولتفادي مقاطعتي بالتصفيق، فقد استخدموا إشارات قوية بالأيدي للتعبير عن موافقتهم.

هم محقون في قولهم إن ثمة خطأ ما في "نظامنا". ففي الولايات المتحدة هناك ملايين المنازل الفارغة التي لا تجد من يسكنها وهناك ملايين المشردين الذي لا يجدون مساكن تؤويهم.

"
حركات الاحتجاج لها مطلبان أساسيان: الأول يتمثل في الحصول على وظيفة معقولة براتب معقول ورؤية اقتصاد ومجتمع أكثر عدالة، الثاني هو المطالبة بديمقراطية  يكون الناس لا المال فيها هو المهم
"

لا أجندات
لقد وجهت انتقادات للمتظاهرين بسبب عدم وجود أجندة لهم، لكن هذا الانتقاد في غير محله ولا يبدو أن منتقديهم يدركون الغاية من هذه الاحتجاجات. هذه الاحتجاجات تعبير عن الإحباط من العملية الانتخابية، هي جرس إنذار.

كلنا يذكر ربما الاحتجاجات التي شهدتها مدينة سياتل الأميركية عام 1999 بمناسبة انطلاق جولة جديدة من محادثات التجارة العالمية. تلك احتجاجات لفتت الأنظار إلى إخفاقات العولمة والمؤسسات الدولية والاتفاقات التي تحكمها.

وفي عقد الستينيات لفتت حركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة الانتباه إلى التمييز الممأسس في المجتمع الأميركي، والذي لم نتخلص منه تماما حتى اليوم. لكن انتخاب باراك أوباما يظهر مقدار التحول الذي أنتجته هذه الاحتجاجات والحركات.

حركات الاحتجاج هذه لها مطلبان أساسيان: الأول مطلب متواضع يتمثل في الحصول على وظيفة معقولة براتب معقول ورؤية اقتصاد ومجتمع أكثر عدالة. هذه مطالب عادية لا ثورية. ثانيا هم يطالبون "بصفقة عظيمة": ديمقراطية يكون الناس لا المال فيها هو المهم، واقتصاد سوق يقوم بما ينبغي له أن يقوم به.

هذا المطلبان مترابطان، فالأسواق غير المنضبطة (كما رأينا) تقود إلى أزمات اقتصادية وسياسية. ولذلك لا تعمل الأسواق بالطريقة التي ينبغي لها أن تعمل بها إلا عندما تعمل في إطار من الضوابط الصحيحة، ولا يمكن بناء ذاك الإطار إلا عبر ديمقراطية تعكس مصالح الجماهير لا مصلحة الـ1%. الحكومات التي نشتريها بالمال ليست حكومات جديدة.

ــــــــــــ
أستاذ اقتصاد وحائز جائزة نوبل

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة