الصين والحلم المزعج   
الأحد 1435/10/8 هـ - الموافق 3/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)

جين فريدا-لندن*

منذ أول خطاب ألقاه بوصفه رئيساً للصين في العام الماضي، اعتنق شي جين بينغ ما يسمى "الحلم الصيني" المتمثل في التجديد الوطني وتحسين الذات الفردية. ولكن حتمية معالجة هذا الكم غير المسبوق من الديون التي تراكمت لدى الصين في السنوات الأخيرة تختبر عزيمة الزعيم الصيني، لكن يبدو أن حكومته تتعامى عن هذه الحتمية.

يتجلى ضعف قدرة الحكومة الصينية أو عدم استعدادها المؤكد لكبح جماح الديون في التزامها المتناقض بتنفيذ إصلاحات بنيوية كبرى في حين تحافظ على نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بمعدل 7.5%.

ولأن الصين مدينة بقدر كبير من نموها الأخير للاستثمار الممول بالاستدانة -غالباً في مشاريع مثل البنية الأساسية والإسكان بهدف دعم الحلم الصيني- فإن أي جهد للسيطرة على نمو الائتمان من المرجح أن يؤدي إلى هبوط حاد. والواقع أن هذا الاحتمال يدفع السلطات الآن بالفعل إلى تأخير إصلاحات بالغة الأهمية.

من المؤكد أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الصين، والتي بلغت 250% هذا الشهر، لا تزال أدنى كثيراً من نظيراتها في أغلب الاقتصادات المتقدمة، والمشكلة هي أن المخزون لدى الصين من الائتمان الخاص يرافقه غالباً نصيب للفرد في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ نحو 25 ألف دولار أميركي، وهو ما يقارب أربعة أمثال المستوى الحالي في الصين.

مثال اليابان
وهناك أوجه تشابه قوية بين معضلة الصين الحالية وطفرة الاستثمار التي شهدتها اليابان في ثمانينيات القرن العشرين. فمثلها كمثل الصين اليوم، كان معدل الادخار الشخصي في اليابان مرتفعا، وهو ما تمكن المستثمرون بفضله من الاعتماد بشكل كبير على القروض المصرفية التقليدية الممولة محليا. وعلاوة على ذلك، عملت الروابط المالية العميقة بين القطاعات على تضخيم التداعيات المحتملة للمخاطر المالية. وكان موقف اليابان الخارجي قويا، تماماً كما هي حال الصين الآن.

ومن بين أوجه التشابه الأخرى كان تراكم الديون داخل قطاع الشركات، فقد ارتفعت مستويات الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة) في الصين من 2.4 أمثال رأسمال المساهمين عام 2007 إلى 3.5 أمثاله العام الماضي، وهذا المستوى أعلى كثيراً من المستويات الأوروبية والأميركية، وما يقرب من نصف هذه الديون يصبح مستحقاً في غضون عام واحد، برغم أن الكثير منها يستخدم لتمويل مشاريع البنية الأساسية التي يحتاج إتمامها إلى سنوات عديدة.

تجربة اليابان من الممكن أن تزودنا برؤية مهمة للمخاطر التي تواجهها الصين، فبعد انفجار فقاعة اليابان انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي، الذي بلغ في المتوسط 5.8% في السنوات الأربع السابقة للانهيار، إلى 0.9% فقط طيلة السنوات الأربع التالية

وما يزيد الطين بلة أن قسماً كبيراً من الائتمان الجديد نشأ في قطاع الظل المصرفي بأسعار فائدة مرتفعة، الأمر الذي أدى إلى إنهاك قدرة المقترضين على السداد. والواقع أن واحدة من كل خمس شركات مدرجة يتجاوز إجمالي روافعها المالية ثمانية أمثال رأسمال المساهمين وتكسب أقل من ضعف المبلغ الذي يغطي الفائدة، وهو ما يضعف إلى حد كبير من قدرة هذه الشركات على تحمل صدمات النمو.

من المؤكد أن موقف الصين أكثر تطرفاً من موقف اليابان. فعند أوجه كانت نسبة الاستثمار في اليابان 33% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 47% في حالة الصين. وهو فارق كبير، وخاصة إذا علمنا أن نصيب الفرد في الدخل في الصين لا يتجاوز 19% من نظيره في اليابان عند أعلى مستوى بلغه، وأن ديونها بلغت بالفعل 60% من ديون اليابان.

وعلاوة على ذلك، كانت الديون المتراكمة لدى الصين -71 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الخمس الماضية- أكثر حدة من مثيلاتها في اليابان، حيث كان نمو مستويات الدين لا يتجاوز 16 نقطة مئوية على مدى فترة السنوات الخمس قبل الانهيار.

وهذا سبب آخر يجعلنا نعتقد بأن تجربة اليابان من الممكن أن تزودنا برؤية مهمة للمخاطر التي تواجهها الصين. فبعد انفجار فقاعة اليابان، انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي، الذي بلغ في المتوسط 5.8% في السنوات الأربع السابقة للانهيار، إلى 0.9% فقط طيلة السنوات الأربع التالية. ومع ترك الديون المعدومة تتفاقم على دفاتر الميزانيات العمومية للبنوك، اختفى النمو وبدأ الانكماش. وفي حين استقر الدين الخاص كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد ارتفع الدين العام بنحو 50% في السنوات الخمس التي تلت الانهيار.

فقاعتا الائتمان والإسكان
ومن المرجح أن يتسبب انهيار فقاعة الائتمان في الصين إلى هبوط نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1 أو 2% في المتوسط، على مدى السنوات الأربع التالية، على افتراض انخفاض الإنفاق الرأسمالي السنوي في ظل نمو الاستهلاك بنسبة محترمة من 3 إلى 5%. وبهذا فقد ترتفع ديون القطاع العام الموحدة إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

وهو توقع متواضع نسبيا، ففي غياب مثبتات الاستقرار التلقائية أو إطار الاستقرار المالي القوي الذي يرتكز على التأمين على الودائع، يصبح التغلب على الجوانب السلبية من الإصلاحات المالية المحتملة المزعزعة للاستقرار والتي تلاحقها الحكومة الآن أمراً صعباً بالقدر الكافي، حتى إن أي صدمة ائتمانية قد تتحول إلى كارثة.

السبيل الوحيد الذي قد يمكّن الحكومة الصينية من دعم النمو في الأمد القريب يتلخص في السعي إلى توفير المزيد من الحوافز المدفوعة بالدين، كما فعلت في وقت سابق من هذا العام
وبوسعنا أن نجد نقطة تحول ديون الصين لفقاعة الإسكان الهائلة. ووفقاً لبنك الاستثمار "يو بي أس"، فإن المعروض الجديد من المساكن في المناطق الحضرية تجاوز كثيراً الطلب الأساسي الهامشي من نمو سكان المناطق الحضرية. والواقع أن نصف الزيادة الرسمية تقريباً ليست زيادة على الإطلاق، بل هي مجرد اعتراف بالعمال الريفيين الذين كانوا يعيشون ويعملون في المدن لبعض الوقت.
سوف يكون تأثير الانخفاض الحاد في أسعار العقارات بعيد المدى. ففي نهاية المطاف، تشكل الضمانات العقارية حجر الأساس للنظام المالي الصيني، حيث تتراوح تقديرات تعرض البنوك المباشر وغير المباشر للعقارات بين 66 و89% من الناتج المحلي الإجمالي.

وما يزيد الأمور تعقيداً افتقار الحكومة إلى الخيارات المتاحة لتثبيت استقرار الأسواق العقارية. والواقع أن جزءاً أساسياً من المشكلة يكمن في استجابة الصين للضعف الدوري التي تنطوي دوماً على المزيد من بناء المساكن.

إن افتقار الصين إلى مثبتات الاستقرار التلقائية يعمل على إبراز التوتر بين أهداف الإصلاح وضرورات النمو بشكل واضح، والسبيل الوحيد الذي قد يمكّن الحكومة من دعم النمو في الأمد القريب يتلخص في السعي إلى توفير المزيد من الحوافز المدفوعة بالدين، كما فعلت في وقت سابق من هذا العام. ولكن هذا من شأنه أن يؤدي أيضاً إلى استمرار ديون الصين في النمو، مع مزاحمة الديون المعدومة الائتمان الجيد.

وإذا استمر قادة الصين في اختيار النمو القائم على الدين بدلاً من الإصلاح، فإن هذا لن يؤدي إلا إلى تأخير أو ربما إطالة المدة قبل التباطؤ الحتمي. وهذا من شأنه أن يحول حلم الصين الذي راود شي جين بينج إلى احتمال أكثر مراوغة.
____________
ترجمة: أمين علي
*جين فريدا خبير إستراتيجي عالمي لدى مؤسسة موور أوروبا لإدارة رأس المال.
المصدر: بروجيكت سِنديكيت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة