هل يعمل اقتصاد شينزو آبي على النحو المطلوب؟   
الجمعة 1435/11/11 هـ - الموافق 5/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:37 (مكة المكرمة)، 16:37 (غرينتش)

كويتشي هامادا-طوكيو

في شهر أبريل/نيسان الماضي، نفذت الحكومة اليابانية زيادة ضريبة الاستهلاك المخطط لها منذ فترة طويلة من 5% إلى 8%، وهي الخطوة الأولى في زيادة من خطوتين من المتوقع أن تصل بالمعدل إلى 10% بحلول عام 2015.

وهذه الزيادة -التي تُعَد سمة أساسية في إستراتيجية رئيس الوزراء شينزو آبي ذات الشعب الثلاث لإحياء الاقتصاد الياباني- تشير إلى التزام الحكومة الطويل الأجل بضبط الأوضاع المالية. ولكنها أيضاً وجهت لليابان ضربة قوية في مجال الاقتصاد الكلي.

تُظهِر بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأولية انكماشاً بنسبة 6.8% في الربع الثاني من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أكبر انكماش منذ زلزال وتسونامي عام 2011 الذي خرب البلاد.

وعلاوة على ذلك، هبط الإنفاق الاستهلاكي بمقدار غير مسبوق، مما ساهم في انحدار حقيقي (معدل وفقاً للتضخم) بنسبة 5.9% عن يوليو/تموز الماضي.

ولكن ليست كل الأخبار سيئة. ذلك لأن السياسة النقدية التوسعية -السهم الثاني من الأسهم الثلاثة في جعبة اقتصاد آبي، بعد التحفيز المالي- أدت إلى انخفاض معدل البطالة إلى 3.8%، كما تجاوزت نسبة فرص العمل إلى المتقدمين لطلب الوظائف نقطة التعادل، وضاق معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من الصفر.

السياسة النقدية التوسعية أدت إلى انخفاض معدل البطالة إلى 3.8%، كما تجاوزت نسبة فرص العمل إلى المتقدمين لطلب الوظائف نقطة التعادل، وضاق معامل انكماش الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقرب من الصفر

وقد أتاحت هذه البيانات ظهور وجهتي نظر متعارضتين، حيث يخشى بعض خبراء الاقتصاد أن تؤدي بيانات الربع الثاني السلبية إلى تثبيط توقعات التضخم، وبالتالي تقويض خطة آبي لتعزيز النمو.

ومن ناحية أخرى، يؤكد البنك المركزي الياباني على النتائج الإيجابية المترتبة على سياسته النقدية، وهو متردد في مواصلة تدابيره التوسعية.

إذا أثبتت وجهة النظر الأولى صحتها، فسوف يكون لزاما على البنك المركزي الياباني أن يخفف السياسة النقدية بشكل أكبر للتعويض عن تراجع التضخم. وإذا كان البنك المركزي الياباني على حق فينبغي له أن يحافظ على نهجه الحالي، ويتعين على الحكومة إما أن تؤجل زيادة ضريبة الاستهلاك الثانية أو تنفذها على مرحلتين (كل مرحلة 1%)، بدلا من زيادة واحدة بنسبة 2%.

بطبيعة الحال، تُظهِر بيانات الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني استجابة الاقتصاد المباشرة للزيادة. ولكن يجب أن لا يتم اتخاذ أي قرار قبل إطلاق نتائج الربع الثالث، لتقديم صورة أوضح لما سيحدث للاقتصاد الياباني بعد استيعابه لزيادة المعدل الأولى. ومن حسن الحظ أن هذا هو على وجه التحديد ما يعتزم آبي القيام به.

في كل الأحوال، من الصعب أن ينكر أحد نجاح السياسة النقدية، ولكن مع انحسار فجوة الانكماش فإن الأثر الإجمالي للسياسة النقدية سوف يَضعُف، فيصبح تأثيره على الأسعار بشكل متزايد أقوى من تأثيره على الناتج.

ولهذا السبب فقد آن الأوان لكي يحول قادة اليابان تركيزهم بعيداً عن السهمين الأول والثاني اللذين يركزان على الطلب، نحو السهم الثالث الذي يستهدف العرض: أو إستراتيجية النمو الجديدة.

السهم الثالث ليس نهجا تقليديا قائما على السياسة الصناعية، بل إنه على العكس من ذلك يؤكد على إصلاح سوق العمل وإلغاء القيود التنظيمية وخفض معدل ضريبة الشركات

عندما يتجمع لدى الاقتصاد الفائض الكافي من الطلب، فإن تعزيز إنتاجية جانب العرض يصبح بلا طائل من الناحية العملية في غياب الجهود الرامية إلى تعزيز الطلب. وهذا يعني ضمنا أنه لم يكن من المناسب التركيز على النمو قبل أن تضيق فجوة الانكماش إلى حد كبير، أي حتى الآن.

إن السهم الثالث ليس نهجاً تقليدياً قائماً على السياسة الصناعية، بل إنه على العكس من ذلك يؤكد على إصلاح سوق العمل وإلغاء القيود التنظيمية وخفض معدل ضريبة الشركات.

ويتلخص أحد المكونات الرئيسية في إستراتيجية آبي للنمو في توسيع قوة العمل، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً نظراً للشيخوخة السكانية السريعة التي يواجهها المجتمع الياباني.

ومن بين الحلول المنطقية دمج المزيد من العمالة الأجنبية في الاقتصاد الياباني، ولكن الجهود الرامية لتعزيز الهجرة تواجه حواجز اجتماعية وثقافية كبرى.

ويكمن الحل الأكثر بساطة في تعبئة النساء في سنِّ العمل ممن بقين في المنزل، أو يخططن لذلك.

ومن خلال إزالة الحواجز التي تحول دون تشغيل النساء، سواء كانت عقبات عملية مثل نقص خدمات رعاية الطفل، أو قيودا اجتماعية، فسوف يكون بوسع اليابان أن تزيد بشكل كبير من معدل مشاركة النساء في قوة العمل، وهو ما من شأنه أن يخلق حائط صد عظيم القيمة ضد النقص المتنامي في اليد العاملة.

تدعو خطة آبي إلى تقديم سلسلة من المناطق الاقتصادية الخاصة الأقل خضوعاً للقيود التنظيمية، وكل منها بهدف محدد، كاعتماد تكنولوجيا طبية جديدة أو اجتذاب الشركات الأجنبية

والحتمية الثانية لتعزيز النمو هي إزالة القيود التنظيمية الحكومية المرهقة بشكل مفرط. ففي ظل النظام الحالي، استغرق الأمر 34 عاماً للموافقة على إنشاء مدرسة طبية جديدة نتيجة لتواطؤ بين المسؤولين الحكوميين والأطباء.

تدعو خطة آبي إلى تقديم سلسلة من المناطق الاقتصادية الخاصة الأقل خضوعاً للقيود التنظيمية، وكل منها بهدف محدد، كاعتماد تكنولوجيا طبية جديدة أو اجتذاب الشركات الأجنبية.

ويَعِد هذا التحرك بالمساعدة في منع النزعة التعويقية الضارة من قِبَل السلطات. وفي الوقت نفسه، يتعين على الحكومة أن تعمل مع النقابات المهنية في البلاد على تعزيز مرونة وكفاءة سوق العمل.

وأخيرا، تتطلب إستراتيجية آبي للنمو خفض الضريبة على الشركات، وهي أداة قوية لزيادة القاعدة الضريبية في عالم تتنافس فيه البلدان على اجتذاب الشركات المتعددة الجنسيات.

والواقع أن الضرائب الأقل تشكل أهمية بالغة لزيادة الاستثمار الأجنبي والمحلي في اليابان.

لا شك أن بعض هذه المبادرات -وخاصة إزالة القيود التنظيمية- ستواجه مقاومة شديدة من قِبَل البيروقراطيين الذين يشعرون بالقلق الشديد من احتمال فقدانهم لنفوذهم. ولكن ما دام آبي -بدعم من وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء يوشيهايد سوجا- ملتزماً بأهدافه المعلنة، فإن مستقبل الاقتصاد الياباني سوف يظل مشرقا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة