اليونان.. الطرف الأضعف والخاسر   
الخميس 23/4/1436 هـ - الموافق 12/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:07 (مكة المكرمة)، 14:07 (غرينتش)

أناتول كالتسكي

النتائج الاقتصادية التي يريدها الطرفان
دراغي مثال نموذجي لتقدم المفاوضات
رفض المفاوضات مع الترويكا

مستقبل أوروبا يعتمد الآن على شيء يبدو مستحيلا، إذ يتعين على اليونان وألمانيا أن يتوصلا إلى اتفاق.

وما يجعل التوصل إلى مثل هذا الاتفاق يبدو مستحيلاً ليس معارضة حقيقية لأي من الحكومتين، فقد طالبت اليونان بخفض الدين، في حين أصرت ألمانيا على عدم شطب ولو يورو واحد منه، بل إن المانع أكثر جوهرية، إذ من الواضح أن اليونان هي الطرف الأضعف في هذا الصراع، وإن ما تجازف به أعظم كثيرا.

توحي نظرية اللعبة بأن بعض الصراعات الأكثر استعصاءً على التنبؤ بتطوراتها هي تلك التي تدور بين مقاتل ضعيف لكنه قوي العزيمة، وبين خصم قوي يبدي قدراً أقل كثيراً من الالتزام.

وفي مثل هذه السيناريوهات، تميل النتيجة الأكثر استقراراً إلى التعادل الذي يجعل كلا الطرفين راضياً بشكل جزئي.

النتائج الاقتصادية التي يريدها الطرفان
من السهل في المواجهة اليونانية الألمانية -على الأقل نظريا- تصميم مثل هذه اللعبة ذات النتيجة الإيجابية، وما علينا إلا أن نتجاهل الخطاب السياسي ونركّز على النتائج الاقتصادية التي يريدها الطرفان حقا.

يبدو أن ألمانيا عازمة على مقاومة أي شطب من الدين اليوناني. وفي نظر الناخبين الألمان، يشكل هذا الهدف أهمية أكبر كثيراً من تفاصيل الإصلاحات البنيوية اليونانية، لذلك يبدو التوصل إلى اتفاق مستبعدا

فألمانيا عازمة على مقاومة أي شطب من الدين. وفي نظر الناخبين الألمان، يشكل هذا الهدف أهمية أكبر كثيراً من تفاصيل الإصلاحات البنيوية اليونانية.

واليونان من جانبها عازمة على الخلاص من التقشف العقابي الهدّام الذي فرضته عليها "الترويكا" (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي) بإصرار من ألمانيا. وبالنسبة للناخبين اليونانيين، يشكل هذا الهدف أهمية أكبر كثيراً من الحسابات التفصيلية حول صافي القيمة الحالية للدين الوطني في ثلاثين عاما.

ولا بد أن يكون التوصل إلى اتفاق أمرا سهلا عبر التفاوض إذا ركز كلا الطرفين على أولى أولوياتهما، مع القبول بالتسوية بشأن أهدافهما الثانوية. ولكن من المؤسف أن استعداد البشر لارتكاب الأخطاء يعمل -فيما يبدو- ضد مثل هذا الحل العقلاني.

إن وزير مالية اليونان الجديد يانيس فاروفاكيس أستاذ في الاقتصاد الرياضي، وهو متخصص في نظرية المباريات، ولكن أساليبه التفاوضية -التردد الذي لا يمكن التنبؤ به بين العدوانية والضعف- لا تتفق مع ما تمليه نظرية المباريات، إذ يتلخص تصور فاروفاكيس للإستراتيجية في تصويب مسدس إلى رأسه، ثم المطالبة بفدية مقابل عدم سحب الزناد.

ويبدو أن صناع السياسات الألمان والأوروبيين يستجيبون لخدعته. ونتيجة لهذا، أصبح الجانبان عالقين في مواجهة عدوانية سلبية جعلت المفاوضات الجادة في حكم المستحيل.

دراغي مثال نموذجي لتقدم المفاوضات
ولكن لم تكن هذه النتيجة حتمية، ففي الشهر الماضي فقط قدّم رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي مثالاً نموذجياً للكيفية التي كان يجب أن تتقدم بها هذه المفاوضات، عندما تفوق في المناورة على المعارضة الألمانية للتحفيز النقدي الذي كانت أوروبا تحتاج إليه بوضوح.

فقد أمضى دراغي أشهراً طويلة قبل إعلان البنك المركزي الأوروبي يوم 22 يناير/كانون الثاني الماضي اعتزامه إطلاق برنامج التيسير الكمي وسط مناقشة عامة محتدمة مع الألمان حول النقطة التي ربما يختارونها من حيث المبدأ كخط أحمر، النقطة التي يصبح التوصل إلى اتفاق في حكم المستحيل عند تحاوزها. فكان الخط الأحمر بالنسبة لألمانيا هو تبادلية الدين، فلا ينبغي أن يتم أي تقاسم للخسائر إذا عجز أي بلد في منطقة اليورو عن السداد.

وقد سمح دراغي للألمان بالفوز في هذه القضية التي اعتبرها غير ذات أهمية من الناحية الاقتصادية.

ولكن الأمر البالغ الأهمية هو أنه كان حريصاً على عدم التراجع حتى آخر لحظة ممكنة.

ومن خلال تركيز مناقشة التيسير الكمي على تقاسم المخاطر، تمكن دراغي من تشتيت انتباه الألمان عن قضية أكثر أهمية: حجم برنامج التيسير الكمي الهائل الذي تحدى بشكل كامل المحظور الألماني ضد التمويل النقدي للديون الحكومية. ومن خلال التنازل في اللحظة المناسبة عن قضية غير ذات أهمية، حقق دراغي اختراقاً هائلاً يشكل أهمية حقيقية بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي.

ولو تبنى فاروفاكيس إستراتيجية مماثلة في التعامل مع أزمة اليونان، لكان تمسّك بإصرار بمطلبه بإلغاء الدين حتى اللحظة الأخيرة، ثم تراجع عن هذا "المبدأ" مقابل تنازل كبير بشأن التقشف والإصلاحات الهيكلية، أو ربما لكان بوسعه أن يتبنى إستراتيجية أقل عدوانية: التسليم منذ البداية بالمبدأ الألماني الذي يقضي بقدسية الديون، ثم إثبات إمكانية تخفيف تدابير التقشف من دون أي خفض للقيمة الاسمية للدين اليوناني. ولكن بدلاً من ملاحقة أي من الإستراتيجيتين بإصرار، تردد فاروفاكيس بين التحدي والتوفيق، فخسر مصداقيته على الجبهتين.

فقد بدأت اليونان التفاوض بالإصرار على خفض الدين كخط أحمر، ولكن بدلاً من التمسك بهذا الموقف وتحويل المناقشة حول الإعفاء من الديون إلى تكتيك مشتت للانتباه على غرار تكتيكات دراغي، تخلت اليونان عن هذا المطلب في غضون أيام.

رفض المفاوضات مع الترويكا
ثم جاء الاستفزاز العقيم المتمثل في رفض المفاوضات مع الترويكا برغم حقيقة مفادها أن المؤسسات الثلاث كانت جميعها أكثر تعاطفاً مع المطالب اليونانية مقارنة بالحكومة الألمانية.

وأخيرا، رفض فاروفاكيس أي تمديد لبرنامج الترويكا، فخلق هذا موعداً نهائياً جديداً غير ضروري يوم 28 فبراير/شباط الجاري لسحب تمويل البنك المركزي الأوروبي، وما قد يترتب على ذلك من انهيار النظام المصرفي اليوناني.

ويبدو أن قادة اليونان المثاليين الجدد يتصورون أنهم قادرون على التغلب على المعارضة البيرقراطية دون الاستعانة بالتنازلات المعتادة والتعتيم، بمجرد التلويح بتفويضهم الديمقراطي ببساطة. ولكن أسبقية البيرقراطية على الديمقراطية من المبادئ الأساسية التي لن تتنازل عنها مؤسسات الاتحاد الأوروبي أبدا.

والمحصلة هي أن اليونان عادت إلى حيث بدأت في مسابقة البوكر مع ألمانيا وأوروبا، فقد أظهرت الحكومة الجديدة أفضل أوراقها في وقت مبكر للغاية، ولم تعد تتمتع بأي قدر من المصداقية إذا كانت تريد محاولة الخداع.

أياً كان شكل الاستسلام فإن اليونان لن تكون الخاسر الوحيد، فقد فوّت أنصار الديمقراطية والتوسع الاقتصادي أفضل فرصهم للتغلب على ألمانيا في المناورة وإنهاء التقشف المدمر للذات الذي فرضته برلين على أوروبا

ما الذي قد يحدث بعد ذلك إذن؟ النتيجة الأكثر ترجيحاً هي اعتراف حزب سيريزا بالهزيمة قريبا، كما فعلت أي حكومة أخرى في منطقة اليورو تم انتخابها بتفويض إصلاحي ثم ارتدت عائدة إلى برنامج على غرار برنامج الترويكا، ولكنه محلى بإسقاط اسم "الترويكا".

والاحتمال الآخر -والبنوك اليونانية لا تزال قادرة على العمل- ربما يكون تنفيذ الحكومة من جانب واحد لبعض خططها الراديكالية بشأن الأجور والإنفاق العام، وتحدي الاحتجاجات في بروكسل وفرانكفورت وبرلين.

وإذا حاولت اليونان مثل هذا التحدي المنفرد، فيكاد يكون من المؤكد أن البنك المركزي الأوروبي سيصوت لصالح وقف تمويله الطارئ للنظام المصرفي اليوناني بعد انتهاء العمل ببرنامج الترويكا نهاية الشهر الجاري. ومع اقتراب هذا الموعد النهائي، فربما تتراجع الحكومة اليونانية، تماماً كما استسلمت إيرلندا وقبرص عندما واجهتا تهديدات مماثلة.

وهذا الاستسلام في اللحظة الأخيرة قد يعني استقالة الحكومة اليونانية الجديدة والاستعاضة عنها بحكومة تكنوقراط يوافق عليها الاتحاد الأوروبي، كما حدث في الانقلاب الدستوري ضد سيلفيو برلسكوني في إيطاليا عام 2012.

وفي سيناريو آخر أقل تطرفا، ربما تضحي الحكومة اليونانية بوزير المالية فاروفاكيس، مع بقاء أعضاء الحكومة الآخرين. والاحتمال الوحيد الآخر عندما تبدأ البنوك اليونانية في الانهيار، هو الخروج من اليورو.

وأياً كان شكل الاستسلام فإن اليونان لن تكون الخاسر الوحيد، فقد فوّت أنصار الديمقراطية والتوسع الاقتصادي أفضل فرصهم للتغلب على ألمانيا في المناورة وإنهاء التقشف المدمر للذات الذي فرضته برلين على أوروبا.
ـــــــــــــ
رئيس معهد الفكر الاقتصادي الجديد، ومؤلف كتاب "الرأسمالية النسخة 4.. مولد اقتصاد جديد".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة