الصين ودعوات وكالة الطاقة الدولية   
الخميس 1432/11/23 هـ - الموافق 20/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:27 (مكة المكرمة)، 15:27 (غرينتش)

النمو القوي لاستهلاك الطاقة بالصين يجعلها قبلة لمنتجي المحروقات بالعالم (الجزيرة)


سعد الله الفتحي*

 

تؤكد الإحصاءات الأخيرة أن الصين أصبحت أكبر مستهلك للطاقة في العالم في العام 2010، إذ تجاوز استهلاكها الولايات المتحدة للمرة الأولى. ويصح القول إن 2010 شهد انتعاشا في الاقتصاد العالمي الذي قاد إلى ارتفاع استهلاك الطاقة في جميع مناطق العالم، ولكن يبدو أن هذا التفوق الصيني لا رجعة فيه.

 

فوفقا لنشرة بريتيش بتروليوم الإحصائية (استعراض الطاقة في العالم 2011) كان استهلاك مجموع الطاقة الأولية في الصين 2458 مليون طن مكافئ نفط في العام الماضي، أي بزيادة 11% عن 2009، وحوالي 21% من الإجمالي في العالم، حيث كان النمو العالمي في حدود 5.6%.

 

هذا المعدل المرتفع للنمو كان سمة للصين لسنوات عديدة، وهو يعكس استمرار النمو الاقتصادي السريع في البلاد والتغييرات في أسلوب الحياة. وكان استهلاك النفط حوالي 445 مليون طن مكافئ ومعدل نموه 11% عن 2009، أي ما يعادل 899 ألف برميل يوميا، بما في ذلك استهلاك هونغ كونغ.

 

وفي الوقت نفسه أصبحت الصين أكبر سوق للغاز في آسيا، واستهلاكها بلغ حوالي 102 مليون طن مكافئ في 2010 أي بزيادة 22% عن 2009، حيث إن استهلاك الغاز مقيد حاليا بتوفر المعروض منه. وكان استهلاك الفحم 1720 مليون طن مكافئ نفط بزيادة 10% عن 2009، وبنسبة مذهلة تبلغ 48% من استهلاك العالم.

 

لذلك فإنه من المحتمل أن تعتمد الصين على الفحم لسنوات عديدة قادمة رغم أنها تحاول جاهدة استخدام موارد الطاقة الأنظف، حيث تستهدف تخفيض حصة الفحم من 70% حاليا إلى 30% في 2050. ومع ذلك، لا أحد سوف يفاجأ إذا بدأت الصين استيراد الفحم قريبا.

 

"
على الرغم من زيادة الإنتاج الصيني من النفط الخام إلى 4.1 ملايين برميل يوميا في 2010 من 3.8 ملايين في 2009، فإنه لا مفر من زيادة اعتماد الصين على الواردات
"
استهلاك الطاقة

وبلغ استهلاك الطاقة الكهرمائية 163 مليون طن مكافئ نفط، أي بارتفاع نسبته 17% عن200، فيما لم تتجاوز مساهمة الطاقة النووية 17 مليون مكافئ نفط، ومصادر الطاقة المتجددة 12 مليون طن مكافئ نفط فقط، ولو أن هذه المصادر الأخيرة مرشحة كلها لنمو سريع مستقبلا.

 

حالة العرض تكشف عن زيادة اعتماد الصين على الواردات من النفط والغاز، إذ وصلت الواردات الصافية –التي بدأت في العام 1993- من البترول في العام الماضي 5.3 ملايين برميل يوميا.

 

وعلى الرغم من زيادة إنتاج النفط الخام في الصين، ولا سيما من الحقول البحرية، إلى 4.1 ملايين برميل يوميا في 2010 من 3.8 ملايين برميل في 2009، فإنه لا مفر من زيادة اعتماد الصين على الواردات التي ازدادت نسبتها من 33% في عام 2009 إلى 55.2% في النصف الأول من 2011.

 

أما واردات الغاز فبدأت في 2007 وبلغت 16.1 مليار متر مكعب في 2010 في حين كانت 7.3 مليارات فقط في 2009. فالصين عندها محطة واحدة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، في وقت تسعى لبناء أخرى، علاوة على الكميات المستوردة بخطوط الأنابيب القادمة من روسيا وميانمار ومنطقة بحر قزوين.

 

الطاقة النووية

وعلى الرغم من الكارثة النووية في فوكوشيما، فإن الصين عازمة على المضي قدما بخططها النووية، حيث من المحتمل أن تنمو القدرة من ثمانية غيغاوات في 2005 إلى 86 في 2020. ويقدر باحثون أن 40% من توسعات القدرات النووية المخطط لها في العالم هي في الصين.

 

أما سعي الصين لزيادة مساهمة الطاقات المتجددة فإنه الأكثر وضوحا، ومع نمو بـ75% في 2010 عن 2009 يمكن للمرء أن يرى هذا التوجه. فقد احتلت الصين أخيرا المركز الأول لمؤشر "إرنست ويونغ" لمجموع مصادر الطاقة المتجددة من خلال زيادة استخدام الطاقة الشمسية والرياح البحرية.

 

وتعتزم بكين بناء قدرة إضافية تناهز سبعين غيغاوات على الأقل من مزارع الرياح، وخمسة غيغاوات من المزارع الشمسية الجديدة.

 

وإذ يتقدم عدد الأنفس بالصين نحو 1.5 مليار نسمة وليس هناك تباطؤ منظور في النمو فإن استهلاك الطاقة سيستمر في النمو، وسيكون تنويع مصادرها هو المفتاح لتأمين الإمدادات كما يتضح من الاتجاهات المذكورة أعلاه.

 

"
الصين تستثمر أين ما في وسعها في العالم لتعزيز موقفها وتلبية احتياجاتها في المستقبل. وتسعى البلدان المنتجة للنفط إلى مغازلة الصين لتأمين زيادة حصتها في السوق
"
توسع خارجي

وبينما يتواصل استكشاف وتطوير موارد النفط والغاز، فإن الصين تستثمر حيثما وسعها الأمر في مناطق العالم، قصد تعزيز موقفها وتلبية احتياجاتها في المستقبل.

 

ويقال إن السياسة الخارجية للصين مستندة إلى حاجتها لاستيراد الإمدادات الخارجية للطاقة من بلدان بأفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، مقابل تمويل بعض مشاريع البنية الأساسية في هذه البلدان.

 

وتسعى البلدان المنتجة للنفط مثل المملكة العربية السعودية والكويت وروسيا والعراق إلى مغازلة الصين لتأمين زيادة حصتها في السوق والاستفادة من استثمارات المشاريع المشتركة في التخزين والتكرير والبتروكيمياويات والتوزيع.

 

وبصرف النظر عن النفط والغاز فإن متابعة تطوير الطاقة النووية والمتجددة في الصين سيكون على أشده، وربما يشمل ذلك تحويل الفحم إلى سوائل، بالإضافة إلى تنفيذ برامج لتحسين كفاءة استخدام الطاقة.

 

إن الضغوط على الصين لتحسين المعايير البيئية سيفرض تغييرات في هذه السلسلة من استخدام الطاقة، ولا سيما فيما يتعلق بمواصفات المنتجات النفطية والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

 

نصيب الفرد

وفي الوقت الحالي فإن نصيب الفرد من استهلاك النفط بالصين هو برميلين في السنة بالمقارنة مع 23 برميلا في الولايات المتحدة، وسيعني مجرد مضاعفة هذا الرقم حاجة الصين إلى تسعة ملايين برميل يوميا تضاف إلى الطلب العالمي على النفط فلا عجب أن منظمة أوبك تقدر الطلب على النفط الخام في الصين بـ16.7 مليون برميل يوميا في 2030.

 

هذا الوضع الذي بيناه لا يغيب عن أنظار المستهلكين الآخرين وخاصة وكالة الطاقة الدولية، التي أسست في 1974 كمنتدى للمستهلكين من الدول الغنية التي كان استهلاكها من النفط 75% من الاستهلاك العالمي، ولكنه انخفض تدريجيا إلى 50% في الوقت الحاضر، نتيجة لنمو الطلب في البلدان النامية واستقراره أو انحساره في الدول الغنية.

 

ولذلك، تشهد الوكالة تضيق قاعدتها وأساس وجودها وإن كان قد انضم إليها أعضاء آخرون بعد دخولهم في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وصرح نوبو تاناكا، المدير التنفيذي السابق للوكالة لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في مارس/آذار 2010 قائلا "إن أهميتنا باتت موضع تساؤل لأن نصف استهلاك الطاقة قد أصبح فعلا في البلدان غير الأعضاء في المنظمة، وبالنسبة للنفط فإن معظم الاستهلاك سيكون قريبا في البلدان المذكورة".

 

ولهذا تحاول الوكالة دعم نفوذها بدعوة الدول الأخرى للتعاون في برامجها، حيث قامت في 20 سبتمبر/أيلول الماضي بالتوقيع على مذكرة تفاهم مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) – وهو تكتل يتألف من عشرة بلدان آسيوية بدون الصين- في بروناي دار السلام لتعزيز العلاقات بسبب نمو استهلاكهم من الطاقة، نظراً إلى النمو الاقتصادي والسكاني وزيادة التحضر والتصنيع.

 

وأنتجت دول آسيان 2.9 مليون برميل يوميا واستهلكت 3.8 ملايين برميل في 2010، في حين كان استهلاكها من الطاقة الإجمالية يعادل ما يقرب من عشرة ملايين برميل يوميا، ويتوقع أن يزداد بـ84% بحلول 2035.

 

"
تسعى وكالة الطاقة الدولية جاهدة لإغراء الصين في قبول نوع من التعاون وحتى الدعوة الصريحة للانضمام إلى الوكالة حيث يمكن توسيع نطاق التعاون على إدارة مخزون النفط
"
وكالة الطاقة

ولكن وكالة الطاقة غير ناجحة تماما في مسعاها مع الصين بالرغم من محاولاتها نتيجة لارتفاع استهلاك الطاقة الأولية الإجمالي بالصين في 2010 إلى ما يعادل خمسين مليون برميل تقريبا أو 21% من الإجمالي في العالم.

 

وتسعى الوكالة جاهدة إلى إغراء الصين في قبول نوع من التعاون، وحتى الدعوة الصريحة للانضمام إلى الوكالة. فمنذ تموز 2008 ونتيجة لارتفاع أسعار النفط والضغوط البيئية دعا نوبو تاناكا الصين للانضمام إلى الوكالة، ولكن قانون هذه الأخيرة ينص على أن أعضاءها يجب أن يكونوا أعضاء بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

 

ولذلك تم تعديل الدعوة إلى "شراكة خاصة"، حيث يمكن تبادل المعلومات والخبرات، ولكن الأهم من ذلك "سياسة توسيع نطاق التعاون على إدارة مخزون النفط"، حيث دعيت الصين لإرسال مراقبين إلى بعض اجتماعات الوكالة المتعلقة بعدة مواضيع وخاصة إدارة مخزون النفط.

 

عضوية الصين

هذا التوجه له من يؤيده في الصين، إذ يقول ما هونك الباحث الأقدم في جامعة الصين النفطية "إن الصين والوكالة بأعضائها الحاليين سيستفيدون من عضوية الصين"، وإن "هذا سيساعد على استقرار أسواق الطاقة في العالم من خلال تنسيق الحركة وتعديل مستويات مخزون النفط وتبادل المعلومات المهمة بخصوص التقنيات".

 

ولكن القادة السياسيين الصينيين يلتزمون الحذر ولم يصدر عنهم حتى الآن أي تعليق رسمي على هذه المفاتحات، فهم يرون أن وكالة الطاقة يسيطر عليها الأغنياء، خصوصا الولايات المتحدة، فيما تريد الصين الحفاظ على موقفها كداعية للبلدان النامية التي هي منها على كل حال.

 

ولكن شركات الطاقة المملوكة للدولة بالصين يزداد تعاونها كفريق مع الشركات الغربية كلما كان ذلك أفضل لها -كما حدث في العراق- رغم أنها منعت من شراء شركات النفط في الولايات المتحدة.

 

إلا إن الوكالة الدولية ستستمر في محاولاتها، حتى أنها وضعت نسخة صينية من موقعها على الإنترنت إلى حد يتكهن البعض بأن العضوية الصينية يمكن أن تحدث خلال السنوات الخمس القادمة.

 

"
وكالة الطاقة أشادت أخيرا بشركات الطاقة الصينية وخاصة بعملها باستقلالية نسبية عن الحكومة، حيث أنفقت أكثر من 48 مليار دولار على استثمارات بالخارج
"
شركات صينية

وقد أشادت الوكالة في تقرير صدر أخيرا بشركات الطاقة الصينية وخاصة بعملها باستقلالية نسبية عن الحكومة، حيث أنفقت أكثر من 48 مليار دولار على استثمارات النفط والغاز في الخارج.

 

وشدد المدير التنفيذي السابق للوكالة في خطاب مطول ببكين يوم 25 يونيو/حزيران 2011 على أسباب دعوته للتعاون الوثيق مع الصين، وأعرب عن أسفه أنه لم يستطع تحقيق عضوية الصين خلال فترة ولايته. وقال إنه من المنتظر أن يزداد الطلب على الطاقة في الصين بـ75% بحلول 2035 مقارنة بالعام 2008.

 

كما أن الصين تعتمد اعتماداً متزايداً على الأسواق العالمية للنفط والغاز والفحم في المستقبل، لذا -وفقا لتاناكا- يجب السعي لوضع "آليات مشتركة لإدارة الأزمة"، وربما في يوم ما يتحقق انضمام بكين إلى الوكالة "كمنتدى إدارة الطاقة على الصعيد العالمي".

 

المخزون الإستراتيجي

وأشاد تاناكا بدعم الصين لقرار وكالة الطاقة إطلاق ستين مليون برميل نفط من المخزون الإستراتيجي علنا، وقال إنها إشارة جيدة للتقدم الذي أحرزناه في تعاون أوثق خلال السنتين الأخيرتين".

 

وأشار إلى المزايا التي تتحقق للصين من حيث حالات الطوارئ وأمن الطاقة، ونقل التكنولوجيا، و"لكي تثبت للعالم أن الصين وصلت إلى حد من التنمية يعطيها ثقة التعامل جنبا إلى جنب مع الدول المتقدمة".

 

وقد ترددت الآراء ذاتها من لدن المديرة التنفيذية الجديدة للوكالة ماريا فان در هوفن، حيث ذكرت أنها ستعزز التعاون مع الصين.

 

إذا هل ستدخل الصين في عضوية الوكالة؟ لا أعلم ولكن الذين قرؤوا رواية جورج أورويل (مزرعة الحيوان) يتذكرون أن الاشتراكيين والرأسماليين يمكن أن يلعبوا الورق على المنضدة نفسها، وأن ذلك لن يكون في صالح الدول المنتجة للنفط والغاز، والتي عليها أن تعزز تعاونها مع الصين وتطمئنها بشأن احتياجاتها.

 

 

* مدير دائرة دراسات الطاقة في أوبك سابقا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة