باريس الجنوب .. نصف سكانها فقراء وخمسهم بلا عمل   
الخميس 1423/1/15 هـ - الموافق 28/3/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

أرجنتينيون يتجاذبون بقرة أملا في الفوز بقطعة من لحمها بعد أن سقطت من شاحنة بإحدى المدن الأرجنتينية
هوت الأزمة الاقتصادية في الأرجنتين صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية بنصف السكان تحت خط الفقر وغدا أكثر من 20% منهم بلا عمل أو وظيفة الأمر الذي يعني أنهم غير قادرين الآن على تأمين الاحتياجات الأساسية كالطعام والشراب.

وقد ظل الفقراء لعقود طويلة ظاهرة غير بادية للعيان في الأرجنتين إلا إنهم الآن يتدفقون من الأحياء الفقيرة للعيش في شوارع العاصمة حيث بقايا أبنية أنيقة من القرن التاسع عشر وناطحات السحاب على أمل الحصول على هبات من المارة.

يحدث هذا بمدينة كانت توصف من قبل بباريس الجنوب لمقاهيها الأنيقة وشوارعها الجميلة .. مدينة طرزها المعمارية -التي تمزج بين عصر الاستعمار الإسباني والعصر الحديث- تجعلها أكثر شبها بالعواصم الأوروبية منها بعواصم دول أميركا اللاتينية.

وبعكس الفقراء في دول أخرى بالمنطقة عاش فقراء الأرجنتين بعيدا عن الأعين في مجتمعات مغلقة بعيدا عن العاصمة التي لم تعتد رؤية البائعة يجوبون الشوارع مثلما هو الحال في البرازيل وبوليفيا.

أثرياء جانبهم حسن الطالع!
وظل الأرجنتينيون الذين ينحدر معظمهم من أصل إسباني أو إيطالي يعتبرون أنفسهم لفترة طويلة أنهم أوروبيو العالم الجديد. تقول الكاتبة كريستينا وارغون "لا نشعر بأن لنا أي روابط مع باقي دول أميركا اللاتينية. الناس في بوينس آيرس يشعرون بأنهم مثل أثرياء يواجهون بعض سوء الحظ".

وأصبحت بعض الشوارع ومداخل البنايات بوسط المدينة مأوى للبؤساء فيما يعيش آخرون في المتنزهات ومحطات السكك الحديدية. إنهم يدفعون ثمن أزمة مالية خانقة تفجرت نتيجة عقود من الفساد وتراجع استثمارات قطاع الصناعة والبنية التحتية وبسبب سياسات عشوائية لحكومات متعاقبة.

الأزمة وليدة فساد إدارات متعاقبة
وأدى الإفراط الشديد في الإنفاق إلى تراكم هائل في الديون في عقد التسعينيات حتى عجزت الدولة عن تسديد أقساط مستحقة من الدين العام البالغ قيمته 141 مليار دولار أوائل هذا العام ثم اضطرت إلى خفض قيمة العملة الوطنية البيزو.

وبمجرد إعلان شركة عن وظيفة معينة يتدفق العشرات من أصحاب الكفاءات والخبرات على مقر الشركة. وفي أجواء تشبه الحالة الكوبية لا غرابة أن يجد المرء أطباء ومحاسبين ومهندسين يعملون كسائقي سيارات أجرة في بلد صار يعتمد على عطف الدول الأجنبية حتى في توفير احتياجاته الدوائية.

التسول بديل الجريمة
وصار التسول البديل الوحيد للجريمة بالنسبة لأعداد كبيرة من المعوزين المنتشرين في الشوارع تقول باتريشيا مالانكا من جماعة بوينس آيرس بريزنتيه التي تسعى إلى إيواء المشردين "نرى أعدادا متزايدة من الناس في الشوارع لأن الخدمات الاجتماعية انهارت. الناس يطردون لأنهم لم يدفعوا الإيجار".

وتابعت "هناك عائلات تأتي من الأقاليم للتسول لمدة أسبوع في شوارع العاصمة ثم العودة في نهاية الأسبوع". وقد أصبح مشهدا مألوفا في العاصمة أن يرى المرء عشرات العاطلين والمشردين ينظمون مسيرات واحتجاجات للمطالبة بوظائف وطعام.

واضطرت البنوك في العاصمة مثل الكونغرس إلى تغطية نوافذها بحواجز معدنية لحمايتها من حجارة الغاضبين الباحثين عن الحقوق الطبيعية في العمل والطعام.

توقعات قاتمة
ومما يزيد من الأوضاع سوءا غياب أي بصيص أمل في نهاية للأزمة إذ يسخر الاقتصاديون من بيانات الحكومة المتفائلة التي تزعم أن الانكماش الاقتصادي هذا العام لن يزيد على 5% تقريبا, ويقولون إنه لابد سيكون أكثر من ذلك بكثير.

إلا أن الآمال معلقة بقوة على ضخ مليارات الدولارات في شرايين الاقتصاد الأرجنتيني من صندوق النقد الدولي باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من الانهيار التام.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة