أزمة الموازنة المصرية تستعصي على المسكنات   
الثلاثاء 1435/11/29 هـ - الموافق 23/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:52 (مكة المكرمة)، 11:52 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

الموازنة العامة للدولة
زيادة أعباء الدين
تراجع النمو والعوائد الضريبية
المعونات ليست حلا
التوظيف السياسي الخطأ

الموازنة العامة للدولة
الموازنة العامة للدولة ليست مجرد مجموعة من الأرقام الصماء، التي تصلح معها العمليات الحسابية بشكل مجرد، ولكنها تعكس سياسات مالية واقتصادية، تعود على المجتمع إما بالنفع والإيجاب، أو بالسلب وبمزيد من المشكلات.

وواقع التعامل مع الموازنة المصرية، يعكس منهج التعامل الحسابي، وبخاصة منذ انقلاب يوليو/تموز 2013.

تم الإعلان بمصر عن مجموعة من الإجراءات التي استهدفت خفض عجز الموازنة إلى معدل 10% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي ليكون بحدود 240 مليار جنيه فقط, دون مراعاة لما تعكسه هذه الإجراءات من تداعيات اجتماعية واقتصادية على المجتمع

فتم الإعلان عن مجموعة من الإجراءات التي استهدفت خفض عجز الموازنة إلى معدل 10% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، ليكون بحدود 240 مليار جنيه فقط, دون مراعاة لما تعكسه هذه الإجراءات من تداعيات اجتماعية واقتصادية على المجتمع.

ومن هذه الإجراءات تخفيض سعر الفائدة على الاقتراض بنحو 2%، والذي اتبع منذ يوليو/تموز 2013، والإعلان عن تطبيق الحد الأقصى للأجور، وتخفيض قيمة الدعم بموازنة العام المالي 2014/2015، بنحو خمسين مليار جنيه، وزيادة الإيرادات بنحو 35 مليار جنيه من خلال فرض حزمة من قوانين الضرائب الجديدة.

يضاف إلى ذلك وجود بعض المساعدات الخليجية، وكذلك فتح باب الاقتراض من المؤسسات الدولية، والتي كان آخرها قرضين من البنك الدولي، قيمتهما مليار دولار، لمد خطوط الغاز للمنازل، ولمساعدة المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وكل هذه الإجراءات لم تشفع لمن يقومون على أمر الموازنة العامة، بأن يحققوا هدفهم. ففي خلال الأسبوع الفائت، أعلن هاني قدري دميان -وزير المالية- أن العجز بالموازنة العامة سيكون بحدود 11%، بزيادة قدرها 1% عما هو مخطط له بالموازنة.

وزاد من حدة الوضع التمويلي للموازنة تصريح وزير الاستثمار، أشرف سالمان بعزم الحكومة على توظيف إيرادات الاكتتاب في سندات قناة السويس في تمويل العجز بالموازنة العامة للدولة، بحجة أن المشروع لن يحتاج لكامل المبلغ المتاح في السنة الأولى، وأن التكلفة التمويلية لهذه الأموال أقل من الاقتراض من الجهاز المصرفي.

ويتوقع أن يتجاوز عجز الموازنة العامة بمصر حاجز 11% الذي أعلن عنه الوزير في ضوء الأداء الاقتصادي الحالي، وفي ضوء التصرفات المالية التي تتخذها الحكومة، وبالتالي لن يكون نصيب الشعب من الإجراءات التي اتخذت لخفض الدعم، سوى رفع الأسعار، وزيادة التضخم وكذلك زيادة معدلات الفقر والبطالة, وأن ما اتخذ من إجراءات كان بمثابة مسكنات استعصت على علاج مشكلات الموازنة العامة المزمنة.

ونستطيع أن ندلل على ذلك من خلال الآتي:

زيادة أعباء الدين
بعد إجراء تخفيض الدعم، في بداية يوليو/تموز 2014، كان من الطبيعي أن تزداد معدلات التضخم، ولم يجد البنك المركزي مفر من رفع سعر الفائدة بمعدل 1%، في منتصف يوليو/تموز، لتصبح الفائدة على الإيداع 9.25%، وعلى الإقراض 10.25%.

ومن شأن هذه الخطوة أن تحمل الموازنة العامة عشرة مليارات جنيه كزيادة في تكلفة الاقتراض لتمويل الموازنة العامة، وبخاصة أن القرار اتخذ في بداية العام المالي، ولا تزال الحكومة المصرية تمارس الاقتراض بشكل أسبوعي بما قيمته خمسة إلى سبعة مليارات جنيه مصري.

وفي سبتمبر/أيلول الحالي اتخذت الحكومة خطوتها بشأن قناة السويس الجديدة، وتم إصدار سندات تمويل المشروع. وبالنظر إلى الشأن التمويلي لهذا المشروع وأعبائه المالية نجد أنه يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة، وبخاصة في السنوات الأولى للمشروع وذلك من جهتين: الأولى أن فوائد هذه السندات المستحقة على فترة تسعة أشهر من العام المالي 2014/2015 ستصل تكلفتها إلى 5.7 مليارات جنيه، ستكون خصمًا من عوائد قناة السويس، التي تؤول عوائدها للموازنة العامة للدولة.

 والأمر الثاني أن وزير المالية أعلن خلال الأيام الماضية عن إنشاء حساب خاص يجنب فيه جزءا من الإيرادات العامة لسداد أصل قيمة سندات مشروع قناة السويس، ليتم سدادها في ميعاد الاستحقاق، دون أن تكون عبئا يدفع مرة واحدة بعد خمس سنوات. وهذا معناه أن نحو 12 مليار جنيه سيتم تجنبها سنويًا من الإيرادات العامة.

لا ينم الأداء الاقتصادي بمصر عن تحقيق المعدلات المستهدفة في ضوء مشكلة الطاقة التي تسببت في إيقاف العديد من المشروعات أو العمل بشكل جزئي لا يتناسب مع طاقتها الإنتاجية، كما أن عدم تحقيق معدلات النمو المستهدفة من شأنه أن يؤثر على العوائد الضريبية بشكل كبير

ومن هنا نستنتج أن المشروع سيحمل الموازنة العامة نحو 17.7 مليار جنيه في نهاية العام المالي الحالي، ثم 19.7 مليار جنيه في الأعوام الأربعة التالية، ونظرًا لأن مشروع الموازنة العامة، تم اعتماده دون أن تدرج فيه هذه التكلفة، فبلا شك ستكون هذه التكلفة زيادة في أعباء الدين العام، وزيادة في عجز الموازنة المرتقب، والمتوقع له أن يتجاوز تقديرات الوزير المحددة بـ11%.

ومشكلة استخدام عوائد سندات قناة السويس في تمويل عجز الموازنة، أنها تستخدم في إنفاق جار لا يحقق أية عوائد مالية، يمكنها تغطية جزء من تكلفة هذا الدين، أو سداد أصله، وبالتالي فهي كانت مجرد بديل للاستدانة عبر الأذون والسندات الحكومية، ومصر لديها سوابق تاريخية في هذا الصدد.

في النصف الثاني من التسعينيات أصدرت مصر سندات دولية بسعر فائدة عال، بنحو ملياري دولار، على أن تستخدم في مشروعات إنتاجية تقوم على أمر سداد قيمة السندات، وتكلفتها التمويلية، ولكن بعد حصول مصر على التمويل، أعلن عن استخدام المبلغ في سداد عجز الموازنة.

تراجع النمو والعوائد الضريبية
إن من أهم العوامل التي عولت عليها موازنة العام المالي 2014/2015 أن تحقق زيادة قدرها 1% في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، وكذلك الأمر بالنسبة للعوائد الضريبية، حيث أشار البيان المالي إلى تقدير العوائد الضريبية بـ364 مليار جنيه، بزيادة قدرها 77 مليار جنيه عن عام 2013/2014.

ولا ينم الأداء الاقتصادي بمصر عن تحقيق هذه المعدلات، في ضوء مشكلة الطاقة، التي تسببت في إيقاف العديد من المشروعات، أو العمل بشكل جزئي، لا يتناسب مع طاقتها الإنتاجية، وعدم تحقيق معدلات النمو المستهدفة من شأنه أن يؤثر على العوائد الضريبية بشكل كبير.

فالعوائد الضريبية المقدرة تمثل 66% من الإيرادات العامة، وأي تراجع في قيمتها سيؤدي إلى زيادة العجز بالموازنة العامة، التي لا تجد مفرا من الوفاء بالنفقات المقدرة بها، حيث إنها نفقات حتمية، مثل الأجور، وأعباء الدين، وتكلفة الدعم، ولن يكون هناك أمام الحكومة للتراجع في شيء من النفقات، سوى مخصصات الاستثمارات العامة، والمقدرة بـ67 مليار جنيه، وهو أمر سلبي للغاية، فأي نقص في هذه الاستثمارات معناه مزيد من الركود والبطالة.

المعونات ليست حلا
بين الفينة والأخرى، تحمل لنا وسائل الإعلام ما مفاده حصول مصر على معونات معينة من جهات عربية وأجنبية، وكذلك منح في شكل تسهيلات قصيرة المدى، كتلك التي أعلن عنها في مجال مد الإمارات لمصر بالمشتقات البترولية بما قيمته ثمانية مليارات دولار، وهذه المعونات أو المساعدات هي بمثابة ترحيل للأزمة وليس حلا لها.

فهذه التسهيلات ليست مجانية، ولكنها تكلفة تتحملها الموازنة العامة للدولة، من خلال أعباء تكلفة هذه التسهيلات، حتى ولو كانت بأسعار فائدة بسيطة. ومن جهة أخرى فإن هذه المعونات لا تتصف بالديمومة، بينما معضلات الموازنة العامة مزمنة، ومما يزيد من حدتها استمرار أسباب العجز والدين العام، وتزايدهما لمرحلة الخطر، حيث تجاوز الدين العام نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي.

التوظيف السياسي الخطأ
في مستهل البيان المالي لموازنة العام المالي الحالي تمت الإشارة إلى ضرورة إصلاح الجهاز الإداري للدولة، من خلال إعادة النظر في أعداد العاملين بالدولة، وأن الأمر سوف يستغرق 15 عامًا  للوصول لعدد يتناسب مع الخدمات المقدمة من المؤسسات الحكومية. ولكن خلال الأيام الماضية أعلن عن توظيف ثلاثين ألف معلم، من خلال مسابقة عامة وذلك خلال احتفالات مصر بعيد المعلم، في الوقت الذي تشكو الموازنة فيه من فاتورة الأجور التي وصلت لنحو 217 مليار جنيه.

المسكنات التي تلجأ لها الحكومة المصرية من التباهي بخفض عجز الموازنة من خلال المساعدات الخليجية، أو اتخاذ إجراءات لا تراعي تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، لن تكون ناجعة في علاج معضلات الموازنة

فزيادة أعداد المعلمين مطلوبة لكن لا بد من قراءة الأعباء المالية على الموازنة التي تعاني معضلات، فضلا عن أن هذا الإجراء أيضًا سيساعد على زيادة العجز بالموازنة، من خلال تجاوز بند الأجور لوزارة التعليم.

إن من أهم الأسباب التي أدت إلى الوضع السلبي للموازنة العامة بمصر، التوظيف السياسي للإنفاق العام. فكلما كانت الحكومة في حالة لاسترضاء الرأي العام، اتخذت قرارات غير مدروسة من حيث الأعباء المالية، وبالتالي أخذ الدين العام في التصاعد المذهل دون وجود برنامج لسداده، أو إدارته بالطريقة التي تلجمه في إطار المعدلات المسموح بها.

المسكنات التي تلجأ لها الحكومة المصرية من التباهي بخفض عجز الموازنة من خلال المساعدات الخليجية، أو اتخاذ إجراءات لا تراعي تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية لن تكون ناجعة في علاج معضلات الموازنة.

الحل في أن تمتلك مصر قاعدة إنتاجية حقيقية تعتمد على التمويل الذاتي بشكل كبير، تساهم في إعادة التوازن للناتج المحلي الإجمالي ليكون عماده الإنتاج وليس الاستهلاك، وتؤدي إلى زيادة الضرائب وفرص العمل، في هذه الحالة سيكون بمقدور مصر تجاوز معضلات موازنتها.
_______________

كاتب صحفي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة