كاميرون ومستقبل أوروبا   
الخميس 1434/3/26 هـ - الموافق 7/2/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:08 (مكة المكرمة)، 10:08 (غرينتش)

كمال درويش

ترجمة رؤية كاميرون إلى واقع
الأداء الاقتصادي وأهمية الإصلاح
المرونة مطلوبة لتجنب الانكماش

 ترجمة رؤية كاميرون إلى واقع
كان خطاب "أوروبا" -الذي ألقاه رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون في 23 يناير/كانون الثاني- قوياً ومصقولاً وشاملاً لرؤية جريئة، كما ساق حججاً وجيهة.

وكان الخطاب مصيباً في ثلاثة أمور بشكل خاص. لكن ترجمة الحجج التي ساقها إلى واقع مؤسسي تكاد تكون تحدياً مستحيلا.

فأولاً كان كاميرون على حق في التأكيد على الحاجة الملحة إلى تجديد الدعم الشعبي للاتحاد الأوروبي. ذلك أن نسبة الأوروبيين الذين يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي "شيء جيد" تنخفض بشكل مطرد.

إن الأنظمة الديمقراطية تتطلب إدارة حوار حقيقي. ورغم هذا فإن العديد من القرارات بشأن مستقبل أوروبا ومنطقة اليورو تـُتخذ في سياق تكنوقراطي بحت، حيث لا يفهم أغلب المواطنين حقاً ماذا يجري، ناهيك عن شعورهم باهتمام صناع القرار السياسي. وقد يكون بوسع المرء أن يناقش مدى ملاءمة الاستفتاء العام كأداة لطلب موافقة الناس، لكن طلب موافقتهم أمر حتمي.

وعلى حد تعبير كاميرون "فهناك فجوة بين الاتحاد الأوروبي ومواطنيه ظلت تنمو بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وهي تمثل الافتقار إلى المساءلة الديمقراطية والقبول، وهو ما نستطيع أن نستشعره بشدة في بريطانيا". إن التصدي للتحديات السياسية بشكل مباشر أفضل كثيراً من محاولة التهرب من المناقشة.

رؤية كاميرون لمستقبل أوروبا المؤسسي من الصعب أن تترجم إلى تفاصيل قابلة للتطبيق

وثانيا، كان كاميرون مصيباً عندما قال "إن الاتحاد الأوروبي بعد خروجه من أزمة منطقة اليورو... سوف يكون متحولاً إلى الحد الذي يصعب معه التعرف عليه بسبب التدابير المطلوبة لإنقاذ منطقة اليورو". فهو لم ينكر أن منطقة اليورو تحتاج إلى المزيد من التكامل، لكنه لاحظ بشكل صحيح أن الدرجة المطلوبة من التكامل السياسي تقع خارج منطقة ارتياح المواطنين البريطانيين وغيرهم في الاتحاد الأوروبي.

وأخيرا، يزعم كاميرون أن الاتحاد الأوروبي ليس غاية في حد ذاته، بل إنه لابد أن يحقق أداءً اقتصادياً أفضل لصالح مواطنيه من خلال التأكيد على التحدي المتمثل في القدرة التنافسية، وخاصة فيما يتصل بالبلدان الناشئة الجديدة. ولقد أكَّد في خطابه الضعف الاقتصادي الذي تمكن من العديد من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (ولو أن أداء بعض هذه الدول -مثل ألمانيا ودول الشمال- في الأسواق العالمية كان في واقع الأمر معقولاً إلى حد كبير).

الأداء الاقتصادي وأهمية الإصلاح
وباعتباره محافظا، يلقي كاميرون باللائمة في الضعف الاقتصادي على حجم الدولة ودرجة عالية من تنظيم السوق، رغم أن بعض دول الشمال -حيث الإنفاق الضخم على الحكومة والتنظيمات المالية والبيئية القوية- حالها أفضل كثيراً من المملكة المتحدة الأقل إنفاقاً على الحكومة وخضوعاً للتنظيمات المالية والبيئية. ولكنه كان محقاً فيما يتصل بضرورة مناقشة الأداء الاقتصادي، وأهمية إصلاح أوروبا على النحو الذي يعمل على تعظيم فرصها في المنافسة العالمية.

من الطبيعي أن يؤيد المحافظون خفض حجم الحكومة ووضع ثقة أكبر في الأسواق الحرة، وأن يناصر الديمقراطيون الاجتماعيون والـخُضر سياسات عامة قادرة على تقليص التفاوت في الدخول، وتوفير المزيد من المنافع العامة (مثل البيئة النظيفة ووسائل النقل العام)، والمزيد من القيود التنظيمية لمساعدة الأسواق على أداء وظيفتها بقدر أعظم من الاستقرار وتوزيع الفوائد بشكل أكثر توازنا. ولابد أن تشكل مناقشة القدرة التنافسية جزءاً من المناقشة حول تجديد أوروبا.

بيد أن رؤية كاميرون لمستقبل أوروبا المؤسسي من الصعب أن تترجم إلى تفاصيل قابلة للتطبيق.

فهو يدعو إلى أوروبا "الانتقائية حسب الطلب"، على الأقل بالنسبة للدول خارج منطقة اليورو. وهو يتصور احتمال تمكين المملكة المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى التي اختارت عدم الالتحاق بعضوية منطقة اليورو من التفاوض كل منها منفردة على "صفقة" محددة وخاصة مع الاتحاد الأوروبي، فتنتقي وتختار من بين أبعاده المتعددة تلك التي تناسبها بأفضل شكل وتفرض عليها أقل قدر من التكاليف.

وبالتفكير في العواقب التي قد تخلفها أوروبا كهذه على مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فلا يملك المرء إلا أن يتساءل كيف قد تتمكن مؤسسات مثل المفوضية الأوروبية، والبرلمان الأوروبي، ومجلس الوزراء، من أداء وظيفتها على هذا النحو. فهل يتم إنشاء مجموعة واحدة من المؤسسات الفرعية لكل دولة أبرمت صفقة خاصة مع الاتحاد؟ ولنقل -مثلا- مفوضية لمنطقة اليورو والسويد، وأخرى لمنطقة اليورو والمملكة المتحدة؟

هل يصبح البرلمان الأوروبي مجزأً بطريقة مماثلة؟ وهل يكون لدى المجلس الأوروبي مجموعة متنوعة من أشكال العضوية؟ وكم عدد خيارات الخروج المؤقتة أو الدائمة التي قد تتوفر؟ وكيف يتمكن مواطنو أوروبا -الذين يعانون ما يكفي من المتاعب بسبب التعقيدات الكامنة في الحكم الأوروبي- من استيعاب مثل هذه البنية الأشبه بـ"صحن الإسباغيتي"؟

الأمر يتطلب بالضرورة بعض المرونة إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد أن يتجنب الانكماش لكي يتحول في النهاية إلى منطقة يورو أصغر حجما

ومع هذا فإن كاميرون محق في اعتقاده أنْ ليس كل دول الاتحاد الأوروبي ستكون راغبة في و/أو قادرة على المشاركة كجزء من منطقة اليورو الأكثر تكاملا.

المرونة مطلوبة لتجنب الانكماش
إن الأمر يتطلب بالضرورة بعض المرونة إذا كان للاتحاد الأوروبي أن يتجنب الانكماش لكي يتحول في النهاية إلى منطقة يورو أصغر حجما. وتشكل العضوية البريطانية أهمية كبيرة للعديد من الأوروبيين.

قد يكون أحد السبل للتغلب على المعضلة يكمن في رسم مستقبل مؤسسي يشمل في الأساس نوعين فقط من الدول داخل الاتحاد الأوروبي والسوق المشتركة: الدول الملتحقة بعضوية منطقة اليورو، وتلك التي لديها عملات وطنية. ولابد أن يشمل الأمر أيضاً مجموعتين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مجموعة لمنطقة اليورو، وأخرى للدول غير الملتحقة بعضوية منطقة اليورو، ولو أن الأمر قد لا يخلو من تداخل.

هذه هي الحال موجودة بالفعل في بعض المناطق، على سبيل المثال مجلس التعريفة الاقتصادية والمالية (إيكوفين) الذي يضم كل بلدان الاتحاد الأوروبي، والمجموعة الأوروبية لوزراء المالية التي تضم بلدان منطقة اليورو فقط. ومن الممكن إنشاء كيان مماثل للبرلمان الأوروبي، وهلم جرا. لا شك أن الأمر سوف يكون معقدا، إلا أن إدارته سوف تكون ممكنة؛ ولكن ينبغي لنا أن نناقش الكيفية.

إن إبرام معاهدة أوروبية جديدة لن تسمح بالانتقاء، ولكنها من الممكن أن تعطي كل بلد عضو الفرصة للانضمام، أو الالتزام إما بمنطقة اليورو الأكثر تكاملاً على المستوى السياسي أو المجموعة الثانية الأقل تكاملا. وسوف تكون هناك قواعد واضحة وآليات لاتخاذ القرار لكل مجموعة من الدول، بما يخضع للتصويت الديمقراطي من قِبَل برلمان أوروبي ذي مستويين.

لا شك في أن تفاصيل عديدة ستحتاج إلى عمل شاق، ولكن هذه الرؤية قد تكون هي القادرة على منح أوروبا الفرصة لكي تظل كبيرة وشاملة، في حين تحافظ على القلب المتكامل سياسياً الذي تحتاج إليه منطقة اليورو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
نائب رئيس مؤسسة بروكنغز، وعضو الاتفاقية الدستورية الأوروبية سابقا، ووزير الشؤون الاقتصادية في تركيا سابقا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة