أوروبا وحرب الاستنزاف الاقتصادية   
الثلاثاء 1434/1/21 هـ - الموافق 4/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:57 (مكة المكرمة)، 16:57 (غرينتش)
المواطنون الأوروبيون يشعرون بقلق شديد جراء ارتفاع البطالة والفقر نتيجة أزمة الديون السيادية (الجزيرة)
 
محمد عبد الله العريان
 
كنت في التاسعة من عمري عندما دخلت مصر ما أصبح يعرف بحرب الاستنزاف مع إسرائيل، وخلال هذه الفترة من اللاحرب واللاسلم تفاقمت التوترات وانتهكت حالة من الهدوء الهش بشكل دوري بمناوشات مسلحة.

فقد بدأت حرب الاستنزاف في أعقاب حرب يونيو/حزيران 1967 التي منيت فيها مصر -في مفاجأة هائلة لأغلب المصريين والعالم برمته- بهزيمة ساحقة، فقد أُقعِدَت قواتها الجوية وسُحِق جيشها تقريبا، واستولت إسرائيل على كامل شبه جزيرة سيناء.

كان جيش إسرائيل -الذي تمركز على الضفة الشرقية لقناة السويس- يبعد عن القاهرة بمسافة لا تزيد عن مائة كيلومتر إلا قليلا، ومع استمرار المقاتلات النفاثة الإسرائيلية في السيطرة على المجال الجوي أصبحت عاصمة مصر وتجمعاتها السكانية الكبيرة عُرضة لمخاطر شديدة.

بيد أن الرواية الرسمية لم تعكس إلا القليل من هذا، فسواء على قنوات التلفزيون الرسمي التابعة للدولة أو الصحف التي تسيطر عليها الحكومة -في ذلك الوقت لم تكن هناك صحافة حرة ولا شبكة إنترنت ولا قنوات إخبارية خاصة- قيل للمواطنين على سبيل الطمأنة إن مصر استعادت السيطرة على مصيرها، إلا أنهم كانوا يعلمون أن هذا غير صحيح.

قلق عام
وحتى يومنا هذا ما زلت أتذكر بوضوح مشاعر القلق العام التي سادت بين المواطنين بفعل المخاوف العميقة إزاء ما قد يخبئه لهم المستقبل. وخشي الناس من استثمار أموالهم وتساءل العديد منهم ما إذا كان عليهم أن يهاجروا بحثاً عن مستقبل أفضل.

ومع بقاء القضايا الأساسية بلا تسوية نشبت في أعقاب حرب الاستنزاف حرب أخرى شاملة في عام 1973، وهي الحرب التي فاجأت مرة أخرى أغلب الناس داخل وخارج مصر. وفي هذه المرة انتصرت القوات المسلحة المصرية في عدد من المعارك المبكرة ونجحت في تأمين وقف إطلاق النار الذي استعادت بموجبه جزءاً من شبه جزيرة سيناء، الأمر الذي مهد طريق التوصل إلى اتفاقية السلام مع إسرائيل في العام 1979.

أسرد قصة حرب الاستنزاف وما شعر به المصريون من قلق عام ليس بهدف مقارنتها بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني اليوم، بل إن السبب في واقع الأمر هو أنني أرى الكثير من أوجه التشابه بين هذه القصة وما نراه من أزمة الديون الأوروبية
لا أسرد هذه القصة بهدف مقارنتها بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني اليوم، والذي أسفر قبل بضعة أسابيع فقط عن مقتل العديد من المدنيين غالبيتهم الساحقة في غزة، بل إن السبب في واقع الأمر هو أنني أرى الكثير من أوجه التشابه بين هذه القصة وما نراه من أزمة الديون الأوروبية.

يشعر المواطنون الأوروبيون -خاصة في الاقتصادات الواقعة على هامش القارة مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا- بالقلق الشديد، فمعدلات البطالة مرتفعة إلى مستويات غير مقبولة، وآخذة في الزيادة، ولا تزال اقتصادات هذه البلدان مستمرة في الانهيار داخليا، الأمر الذي يؤدي إلى انكماشات تراكمية تسجل أرقاماً قياسية جديدة، ومعدلات الفقر آخذة في الارتفاع.

وليس من المستغرب أن تقترن زيادة معدلات الهجرة إلى دول منطقة اليورو الأقوى (مثل ألمانيا) بزيادة تدفقات رأس المال إلى خارج هذه الاقتصادات الواقعة على أطراف أوروبا.

ولكن من حسن الحظ أن أوجه التشابه بعيدة عن الكمال، فأوروبا لا تشهد صراعات مسلحة ولا ترتبط مشاعر انعدام الأمان بالقنابل وصفارات الإنذار، فالتهديد اقتصادي وليس عسكريا. ورغم هذا فهناك شعور حقيقي بحالة من اللاحرب واللاسلم.

السلام الاقتصادي
ويظل السلام الاقتصادي في أوروبا حلماً بعيد المنال لسبب بسيط: فالحكومات لم تتمكن حتى الآن من إيجاد وسيلة لتوليد ثلاثية النمو وتشغيل العمالة والاستقرار المالي. وكلما طال أمد هذه الحال فإن المزيد من الأكسجين يُمتَص من القطاعات التي لا تزال سليمة نسبيا، ويرجع هذا إلى ثلاثة أسباب مختلفة.

السبب الأول: أن اقتصادات منطقة اليورو مترابطة بدرجة مفرطة، وبالتالي فإنها مسألة وقت لا أكثر قبل أن ينتقل الضعف من هذه المنطقة إلى مناطق أخرى. ولنتأمل هنا ما يحدث في ألمانيا، الدولة التي تتمتع بإدارة جيدة والتي تصورت ذات يوم أنها في مأمن من المتاعب والمشاكل من حولها.

فبعد فترة من معدلات البطالة المنخفضة إلى مستويات قياسية، تباطأ النمو الاقتصادي بشكل ملحوظ حتى بلغ 0.2% فقط على أساس ربع سنوي أثناء الفترة من يوليو/تموز الماضي إلى سبتمبر/أيلول الماضي، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية فإن معدل النمو في الربع الأخير من هذا العام سيصبح سالبا.

السلام الاقتصادي في أوروبا حلم بعيد المنال لأن الحكومات لم تتمكن حتى الآن من إيجاد وسيلة لتوليد ثلاثية النمو وتشغيل العمالة والاستقرار المالي. وكلما طال أمد هذه الحال فإن المزيد من الأكسجين يُمتَص من القطاعات التي لا تزال سليمة نسبيا
والسبب الثاني: أن فاتورة إنقاذ منطقة اليورو تواصل الارتفاع، فمن المتوقع أن تنضم قبرص إلى الدول الثلاث الأخرى (اليونان وإيرلندا والبرتغال) في الاحتياج إلى تمويل رسمي كبير، ومن بين الدول الثلاث المذكورة فإن إيرلندا فقط تقترب من استعادة قدرتها الطبيعية على طرق باب أسواق رأس المال العالمية.

ومع احتياج إسبانيا أيضاً إلى مليارات أخرى لإعادة تمويل بنوكها فإن المطالبات الطارئة المفروضة على دافعي الضرائب في دول قلب أوروبا تواصل الارتفاع. والواقع أن هذا يُعَد أحد العوامل التي ساهمت في قرار مؤسسة موديز -بعد ستاندرد آند بورز- بتجريد فرنسا من تصنيفها الائتماني الممتاز (AAA).

انتشار العدوى
والسبب الأخير: يتعلق بانتشار هذه العدوى المؤذية إلى خارج دول منطقة اليورو السبع عشرة، ذلك أن أزمة الديون في المنطقة تعمل على تقويض التعاون مع دول الاتحاد الأوروبي وعددها سبع وعشرون، الأمر الذي أدى إلى الفشل المذهل للقمة الأخيرة بشأن ميزانية الاتحاد الأوروبي.

كما ساهمت هذه الأزمة في التباطؤ الاقتصادي للصين، وهو ما يثير المخاوف (التي أعتقد أنها مبالغ فيها) من أن تجد القيادات الجديدة للبلاد نفسها في مواجهة مشاكل عويصة في هندسة الهبوط الناعم لاقتصاد تعود معدلات نمو أعلى من 10% (أو أقل من هذه النسبة قليلا).

وكاد هذا الافتقار للسلام يفضي إلى حرب اقتصادية ومالية صريحة لولا الدور الحاسم -والمتنامي- الذي قام به البنك المركزي الأوروبي، ففي ظل الزعامة الجريئة لـماريو دراغي التزم البنك بمنح أغلب الحكومات أكبر قدر ممكن من الوقت حتى تتمكن من تدبير أمورها.

ولقد قام المركزي الأوروبي بهذا الأمر من خلال الاعتماد على تدابير مبتكرة وضعت ميزانيته العمومية المرنة في محل ميزانيات الحكومات المجهدة ومستثمري القطاع الخاص المرتابين والمودعين الفارين بأموالهم من البنوك.

علاجات ترقيعية
ولكن من الخطأ الفادح رغم ذلك أن نفترض أن البنك المركزي الأوروبي قادر على جلب السلام الاقتصادي الدائم، فهو غير قادر على هذا. وإذا استمرت الحكومات على ارتباكها والتشاحن فيما بينها فإن أكثر ما تستطيع أن تفعله هو تأخير الحرب لفترة من الوقت.

مثل حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر فإن الاضطرابات في منطقة اليورو تختمر بشكل مستمر، وإذا استمرت الحكومات في التعثر من علاج ترقيعي إلى آخر فإنه سيتم إرباك الدفاعات التي أقامها البنك المركزي الأوروبي
ومثل حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر فإن الاضطرابات الاقتصادية والمالية والاجتماعية الأساسية في منطقة اليورو تختمر بشكل مستمر، وإذا استمرت الحكومات في التعثر من علاج ترقيعي إلى آخر -وهو الاحتمال الذي يظل مرتفعاً بشكل غير مريح- فإن التأخير في تنفيذ حل شامل سيؤدي في نهاية المطاف إلى إرباك الدفاعات التي أقامها البنك المركزي الأوروبي بشجاعة كبيرة.

قد يزعم البعض أنه كما قادت حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر في نهاية المطاف إلى حرب شاملة ثم معاهدة سلام فإن الأوروبيين أيضاً يحتاجون إلى أزمة كبرى تحملهم على المضي قدما، ولكنها فكرة بالغة الخطورة، فهي لا تنطوي على مخاطر هائلة فحسب بل وأيضاً تكاليف بشرية مؤقتة مرتفعة إلى حد غير مقبول.

الواقع أن الحكومات الأوروبية تُحسِن صنعاً إذا استخدمت وقف إطلاق النار المالي الذي يبدي البنك المركزي الأوروبي استعداده لتحمل تكاليفه عنها. وإهدار هذه الفرصة من دون التقدم نحو الاستقرار الدائم من شأنه أن يعرض أوروبا لاضطرابات كفيلة بأن تؤدي بشكل كبير إلى تقليص آفاق الاستقرار الاقتصادي والنمو والقدرة على خلق وظائف في أوروبا على المدى الطويل.

ــــــــــــــــ
الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة