مصر تواجه فشلا اقتصاديا أم حربا اقتصادية   
الجمعة 9/2/1437 هـ - الموافق 20/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 3:58 (مكة المكرمة)، 0:58 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

تضخم فاتورة الواردات وتفاقم الديون
مشاكل هيكلية تضعف الصناعة
العلاقات التجارية مع تركيا
الخوف من الحقيقة

بدأت منذ أشهر محاولات من بعض الإعلاميين المصريين للترويج لنظرية المؤامرة ضد مصر، واستقبلت في حينها بنوع من السخرية، لكن بعد الآثار الاقتصادية السلبية لحادثة سقوط الطائرة الروسية تداعى بعض الإعلاميين والكتاب الاقتصاديين للحديث صراحة عن حرب اقتصادية تخوضها قوى عالمية ضد البلاد.

وتطوع أحد الباحثين والكتاب المعروفين في جريدة الأهرام ليسطر مقالته الأسبوعية بعنوان "الحرب الاقتصادية على مصر وسبل مواجهتها"، وسبق ذلك التركيز على المعنى نفسه في برامج تلفزيونية.

فهل تواجه مصر بالفعل حربا اقتصادية؟ أم أن هناك حالة من الفشل في إدارة الملفات الاقتصادية جنت البلاد من ورائها تدهورا في مؤشراتها الاقتصادية والاجتماعية؟

إذا كان التحليل سينطلق من حادثة الطائرة الروسية، وما ترتب عليها من ضرب لقطاع السياحة، وتعرض مصر لخطر فقدان إيراداتها من النقد الأجنبي التي كانت تحصل عليها من السياحة فالخطب هين، فالبلاد تعرضت من قبل لأحداث مماثلة تعرض فيها القطاع لتوقف شبه تام، كما وقع في أحداث الإرهاب في نهاية تسعينيات القرن الماضي بمدينة الأقصر، وكانت الخسائر مقتصرة على النشاط السياحي، وأمكن للحكومة مساعدة القطاع واستعادت السياحة عافيتها بعد شهور.

ولكن الأمر أكبر من هذا، والدليل على ذلك أن أزمة انهيار الجنيه المصري، وكذلك انخفاض احتياطي النقد الأجنبي هما عنصران متواليان تعيشهما البلاد على مدار السنوات الخمس الماضية، وظهرا بشكل أكثر حدة بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013.

فاتورة واردات مصر قفزت إلى ثمانين مليار دولار دون أن تتم تلبية كامل احتياجات الصناعة المحلية، أو تلبية طلبات المستوردين، مما يؤشر على أن الوضع هو تراجع اقتصادي وليس حربا على مصر في المجال الاقتصادي

تضخم فاتورة الواردات وتفاقم الديون
كما أن فاتورة الواردات التي قفزت إلى ثمانين مليار دولار دون تلبية كامل احتياجات الصناعة المحلية أو تلبية طلبات المستوردين تؤشر على أن الوضع هو تراجع اقتصادي وليس حربا على مصر في المجال الاقتصادي.

إن الأمثلة على تدهور الاقتصاد المحلي أكثر من أن تحصى، ولعل ملف الدين العام هو المرآة العاكسة لتفاقم مشكلة مصر الاقتصادية، إذ بلغ الدين العام 2.6 تريليون جنيه (331 مليار دولار)، ومع ذلك تعاني البلاد من أزمة تمويلية لا يظهر لها علاج من قبل الحكومة في الأجل القصير أو المتوسط، وقد أصبحت آلية الاستدانة محليا وخارجيا إستراتيجية معلنة رغم المخاطر المترتبة على اتباعها، سواء على الأجيال الحالية أو القادمة.

إن المنطق يجعلنا ننظر إلى المبررات التي يسوقها مدعو وجود حرب اقتصادية ضد مصر من خلال دراسة واقع الاقتصاد قبل حادثة الطائرة الروسية، وأيضا النظر في هويات الأعداء المفترضين الذين يخوضون هذه الحرب.

ما تعيشه مصر من مشكلات اقتصادية في السنوات الخمس الماضية -وتحديدا بعد الانقلاب- لا يحتاج إلى تدليل، فبيانات المؤسسات الحكومية ترصد هشاشة الناتج المحلي الإجمالي من حيث اعتماده على 95% من مكوناته على الاستهلاك في بلد يصل تعداده السكاني لنحو 92 مليون نسمة.

ولا تواكب معدلات النمو الاقتصادي لمصر في أحسن تقديراتها -وتبلغ 4.5%- معدلات الزيادة السكانية التي تناهز 2.5%، والواجب أن تكون معدلات نمو الناتج ثلاث مرات معدلات نمو الزيادة السكانية.

وحتى الفرصة المالية التي أتيحت للحكومة من خلال تمويل محلي كامل بنسبة 100% أساءت استخدامها في مشروع بلا دراسة جدوى وهو توسعة قناة السويس، في حين أن الفرصة البديلة في قطاعي الصناعة والزراعة كانت هي الأفضل تنمويا من حيث زيادة إنتاج السلع والخدمات، وخلق فرص عمل حقيقية ومستديمة، فضلا عن أنها تسهم بشكل كبير في خفض العجز بالميزان التجاري، وتخفيف عبء الطلب على الدولار.

مشاكل هيكلية تضعف الصناعة
إن أداء الصادرات المصرية يواصل منحناه السلبي منذ أحداث الانقلاب العسكري وذلك بفعل أسباب واضحة وهي نقص الطاقة لدى المصانع، وعجز الجهاز المصرفي عن توفير الدولار لاستيراد مستلزمات الإنتاج، وبالتالي فنحن أمام مشكلات هيكلية تقضي على قدرة الصناعة المصرية في المنافسة محليا ودوليا.

تصريحات المسؤولين المصريين السابقين خير دليل على معاناة مصر الاقتصادية لأسباب ذاتية، وليس بسبب ادعاء أن هناك حربا اقتصادية من الخارج عليها، فقد كانت لوزير التجارة والصناعة السابق منير فخري عبد النور تصريحات بارزة ومنشورة من قبيل "مصر خلاص فلست"، و"المستثمر الأجنبي يجيب الطاقة معه"

إن تصريحات المسؤولين المصريين السابقين خير دليل على معاناة مصر الاقتصادية لأسباب ذاتية، وليس بسبب ادعاء أن هناك حربا اقتصادية من الخارج عليها، فقد كانت لوزير التجارة والصناعة السابق منير فخري عبد النور تصريحات بارزة ومنشورة من قبيل "مصر خلاص فلست"، و"المستثمر الأجنبي يجيب الطاقة معه"، وكذلك تصريحات وزير الاستثمار الحالي أشرف سالمان بأن "الجنيه لا بد أن يشهد مزيدا من التخفيضات" من أجل تنشيط الاستثمار الأجنبي المباشر.

إذا كان قرار كل من روسيا وبريطانيا بسحب سياحهما من مصر أحد مظاهر الحرب الاقتصادية على مصر فالواقع يبين أن لندن وموسكو لا تزالان من أصحاب العلاقات الاقتصادية والتجارية الملموسة مع مصر، فبريطانيا هي أكبر مستثمر أجنبي غير عربي في البلاد باستثمارات مباشرة تراكمية تناهز 26 مليار دولار، خاصة في قطاع النفط، ويتدفق منها نحو مليون سائح سنويا إلى مصر، ويقترب حجم التبادل التجاري بين البلدين من ملياري جنيه إسترليني (ثلاثة مليارات دولار).

أما روسيا فقد وصل حجم تبادلها التجاري مع مصر إلى 5.4 مليارات دولار، وإن كان الميزان التجاري يحقق فائضا لصالح روسيا إلا أن الأخيرة تصدر سلعا إستراتيجية إلى مصر وإن كانت في شكل سلع تقليدية من قبيل القمح والنفط، ويأتي من روسيا نحو ثلاثة ملايين سائح سنويا إلى مصر.

إذن لم تكن هناك حرب معلنة أو مسبقة من لدن بريطانيا وروسيا ضد مصر، ولكن التصرف الطبيعي عقب حادثة تفجير الطائرة أن تعيد هذه الدول حساباتها من أجل الحفاظ على مواطنيها.

العلاقات التجارية مع تركيا
وحتى تركيا التي تتعرض لخطاب عدائي من قبل الإعلام المصري، والتي قد توجه إليها أصابع الاتهام في الحرب الاقتصادية ضد مصر فإن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حجم تجاراتها مع مصر لم يتأثر كثيرا بعد الانقلاب.

ففي العام 2013 كان حجم التبادل التجاري بين البلدين 4.8 مليارات دولار وانخفض في 2014 إلى 4.6 مليارات دولار، أي بنحو مئتي مليون دولار فقط في ظل ميزان تجاري في صالح تركيا، وحتى في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري وصل التبادل التجاري بين البلدين إلى 3.1 مليارات دولار.

وبالتالي فهذه الدول صاحبة مصلحة في علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع مصر، إذ تشير كافة بيانات الميزان التجاري لمصر مع هذه الدول إلى عجز في الجانب المصري، وأن هذه الدول هي المستفيدة من استمرار علاقاتها الاقتصادية مع القاهرة.

إن على مصر أن تبحث عن أسباب التفريط في أهم مميزات الدولة، وهي توفير الأمن على أراضيها، خاصة داخل مطاراتها وموانئها. ويصدق على من يدعي من الإعلاميين والكتاب بأن هناك حربا اقتصادية على مصر بأنه كمن صنع عدوا من خشب وتهيأ لمحاربته، وعاش أوهام الحرب والمواجهة.

الخوف من الحقيقة
إن ما يدفع النخبة الفاسدة في مصر للترويج بأن هناك حربا اقتصادية على بلادها هو حالة القمع التي يمارسها الانقلاب، والخوف من أن يشرح الباحثون والكتاب حقيقة الوضع الاقتصادي لمصر بعد الانقلاب.

إن ما تفرضه حالة مصر الاقتصادية والاجتماعية من حقائق هو أن تطالب النخبة المذكورة بمحاسبة المسؤولين عن تلك الأوضاع السيئة اقتصاديا واجتماعيا، وعزلهم من مناصبهم، وأن يقدم مسؤولون جدد برامج زمنية للتعامل مع مشكلات البلاد الاقتصادية عبر مشروع تنموي يحفظ لمصر مكانتيها الإقليمية والدولية، ويوفر لمواطنيها حياة كريمة.
ـــــــــــــ
كاتب اقتصادي مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة