البحث عن النمو العالمي   
الأربعاء 1434/5/29 هـ - الموافق 10/4/2013 م (آخر تحديث) الساعة 5:22 (مكة المكرمة)، 2:22 (غرينتش)

فقدان النماذج القديمة لفعاليتها
التكلفة الاجتماعية لعدم كفاية النمو
غياب محرك قوي للاقتصاد قريبا

تُرى ما هي الأولوية الاقتصادية الأكثر إلحاحاً والتي تجمع بين بلدان مختلفة مثل البرازيل، والصين، وقبرص، وفرنسا، واليونان، وآيسلندا، وإيرلندا، وكوريا، والبرتغال، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة؟

إنها بالطبع ليست الديون والعجوزات، ولا التعامل مع تبعات الإقراض والاقتراض غير المسؤول.

صحيح أن هذه المشكلات ذات صلة، بل إنها ملحة في بعض الأحيان، إلا أن التحدي الأول الذي يواجه هذه الدول يتلخص في الحاجة لتطوير نماذج للنمو قادرة على توفير وظائف أكثر وفرة، وأكثر أمانا، وبأجور أكثر سخاء، في خضم عملية ضخمة لإعادة التوازن للاقتصاد العالمي.

ولأسباب نظرية وعملية، فإن التصدي لهذا التحدي لن يكون سهلاً أو سريعا. وعندما تبدأ عملية التصدي هذه فإنها ستكون جزئية ومتقطعة ومتفاوتة بين الدول، وهو ما من شأنه أن يبرز الاختلافات، ويفرض قضايا شائكة فيما يتصل بالتنسيق على المستويات الوطنية والإقليمية العالمية.

وها هي تجربة السنوات القليلة الماضية قد سلطت الضوء على اضمحلال قدرة نماذج النمو القديمة. فكانت بعض الدول (مثل اليونان والبرتغال) تعتمد على الإنفاق الحكومي الممول بالاستدانة لتحفيز النشاط الاقتصادي.

في فترة الخمس سنوات الأخيرة لم يتجاوز متوسط النمو العالمي 2.9%، وهو رقم أدنى بكثير من المستويات المسجلة في أي فترة خمس سنوات منذ عام 1971

ولجأت دول أخرى (مثل قبرص، وآيسلندا، وإيرلندا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) إلى زيادات قوية في الروافع المالية بين المؤسسات لتمويل أنشطة القطاع الخاص، في بعض الأحيان بعيدا عن الأسس الاقتصادية المعروفة.

واستغلت دول أخرى (مثل الصين وكوريا) العولمة وازدهار التجارة الدولية للاستحواذ على حصص متنامية في السوق. وتعلقت مجموعة متأخرة من الدول بذيل معطف الصين.

فقدان النماذج القديمة لفعاليتها
وتوضح البيانات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي فقدان هذه النماذج لفعاليتها بشكل متزامن.

ففي فترة السنوات الخمس الأخيرة لم يتجاوز متوسط النمو العالمي 2.9%، وهو رقم أدنى بكثير من المستويات المسجلة في أي فترة خمس سنوات منذ عام 1971.

وفي حين تفوقت الاقتصادات الناشئة في الأداء على الدول المتقدمة، فإن التباطؤ قد نال من الجانبين.

فكان النمو راكداً تقريباً في الاقتصادات المتقدمة، وتوقف عند مستوى 5.6% في الدول الناشئة، وهو مستوى أدنى كثيراً من المتوسط الذي بلغ 7.6% في فترة السنوات الخمس السابقة.

وكانت الأنظمة المفرطة في الاستدانة في الاقتصادات التي تعتمد على التمويل أول من يصطدم بحائط مصمت، الأمر الذي فاجأ العديد من أولئك الذين آمنوا بفكرة "الاعتدال العظيم" ودعموها من دون تمحيص، وهي الفكرة القائلة بأن تقلبات الاقتصاد الكلي وأسواق الأصول هدأت بشكل دائم.

والواقع أن التحرك السياسي الجريء الذي قاوم الفوضى الأولية ساهم في منع الكساد العالمي، لكنه أثقل موازنات القطاع العام بالأعباء.

ونتيجة لهذا، كانت الحكومات المثقلة بالديون هي ثاني المصطدمين بالحائط المصمت. فبعضها دُفِع به دفعاً إلى هناك بسبب ارتفاع تكاليف احتواء الأضرار الناجمة عن السلوكيات غير المسؤولة من قِبَل البنوك.

وفي مواجهة التقنين الفوري للائتمان والانكماش الكبير للإنتاج، أصبح من غير الممكن تثبيت استقرار هذه الحكومات إلا من خلال التمويل الرسمي الاستثنائي من الخارج، وفي بعض الحالات القصوى، من خلال التخلف عن سداد الالتزامات السابقة (بما في ذلك المستحقة لحاملي السندات، ومؤخراً المودعين لدى البنوك).
 
وبالنسبة لبلدان أخرى -بما في ذلك الولايات المتحدة- برزت القضايا المتوسطة الأمد في المقدمة. ولكن بدلاً من تحفيز المناقشات السياسية المتعقلة، لعبت هذه القضايا لصالح سياسات الاستقطاب، فعملت على خلق رياح معاكسة جديدة وأكثر مباشرة في مواجهة النمو الاقتصادي.
تجربة السنوات القليلة الماضية سلطت الضوء على اضمحلال قدرة نماذج النمو القديمة

وفي نفس الوقت، عمل الاقتصاد العالمي -المترابط بدرجة كبيرة، والأقل ديناميكية (الآن)- على الحد من نطاق محركات النمو الخارجية. وبالتالي فإنه حتى الدول التي تتمتع بموازنات سليمة ومستويات استدانة تمكن إدارتها شهدت تباطؤا بالنمو.

التكلفة الاجتماعية لعدم كفاية النمو
لقد أضحت العواقب واضحة بدرجة مؤلمة، وخاصة في الدول الغربية. ففي ظل عدم كفاية النمو لتخفيف عبء الديون بأمان، كانت التكاليف الاجتماعية كبيرة. والآن تُثقِل معدلات البطالة المرتفعة إلى حد مزعج بين الشباب، وشبكات الأمان المتقلصة، وضعف الاستثمار في البنية الأساسية ورأس المال البشري، كاهل الأجيال الحالية، وفي بعض الحالات أجيال المستقبل أيضا.

وفي هذا الخضم ارتفعت مستويات التفاوت بين الناس. وعلى الرغم من الحاجة الملحة إلى إدخال تعديلات كبرى في السياسات على المستوى الوطني، وتحسين عمليات التنسيق بدرجة كبيرة على المستويين الإقليمي والعالمي، فإن التقدم الذي تم إحرازه كان مخيباً للآمال.

ومع تقويض البيئة السياسية الحالية للتدابير التي يجب اتخاذها على المديين القريب والبعيد، فإن عملية صناعة السياسات تعثرت على المستوى الوطني فانزلقت إلى أساليب جزئية وتجارب غير معتادة. فكان التركيز على كسب الوقت، بدلاً من تنفيذ التحول المعقول إلى وضع السياسات المستدامة. ومن المؤكد أن النتائج الوطنية المحتملة كانت ستصبح أقل ارتباكاً والتباساً لو لم يتم التعامل مع التفاوت المفرط باعتباره مسألة ثانوية.

وتتسم الأبعاد الإقليمية والمتعددة الأطراف للأزمة بنفس القدر من عدم التناسب.

فكان غياب التحليلات المشتركة الواضحة المعالم وتنسيق السياسات سبباً في إبراز نقص الشرعية، الأمر الذي شجع الزعماء والرأي العام على اختيار روايات جزئية، وأدى لتآكل الثقة في الهياكل المؤسسية القائمة.

وبسبب ما تقدم، فإن البحث عن نماذج النمو الأكثر قوة سيستغرق وقتاً أطول كثيراً وسيكون أكثر تعقيداً مما يتصوره كثيرون، وخاصة مع تحول محور الاقتصاد العالمي بعيداً عن العولمة والمستويات المفرطة من الاستدانة.

ونتوقع من بلدان مثل الولايات المتحدة أن تستفيد من روح المغامرة التجارية الديناميكية والتعافي الاقتصادي الدوري التقليدي.

وبالرغم من حالة الاختلال في الكونغرس الأميركي، فإن القطاع الخاص سيعمل بشكل متزايد على تحويل علاوة عدم اليقين المسببة للشلل، والتي تعوق الكثير من الاستثمارات، إلى علاوة مخاطر أقل تخريبا.

غياب محرك قوي للاقتصاد قريبا
لكن في ظل غياب محرك قوي للاقتصاد في الأمد القريب، فإن تعافي النمو والتوظيف سيظل تدريجياً معرضاً للمخاطر السياسية والسياسات المحفوفة بالمخاطر، ومفيداً على نحو غير مناسب لهؤلاء الذين يتمتعون بثروات ومواهب مرتبطة بالعولمة.

البحث عن نماذج النمو الأكثر قوة سيستغرق وقتاً أطول كثيراً وسيكون أكثر تعقيداً مما يتصوره كثيرون، وخاصة مع تحول محور الاقتصاد العالمي بعيداً عن العولمة والمستويات المفرطة من الاستدانة

وسيكون دور الحكومات مختلفاً في دول مثل الصين، حيث سيوجه المسؤولون التحول من الاعتماد على مصادر النمو الخارجية إلى الطلب الأكثر توازنا. ولأن هذا يتطلب بعض عمليات إعادة التنظيم الداخلية الجوهرية، فإن عملية إعادة التوازن ستظل تدريجية وغير واضحة المعالم في بعض الأحيان.

والتوقعات بالنسبة للاقتصادات الأخرى أكثر التباسا. وبسبب انعدام المرونة السياسية، فإن الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تتمكن دول مثل قبرص من التغلب على الصدمة المباشرة التي خلفتها الأزمة وتجديد نماذج النمو التي تتبناها.

وإذا تُرِك الأمر لها بالكامل، فإن هذه الديناميكيات المتعددة السرعات ستترجم إلى زيادة النمو العالمي بالإجمال، وستكون مقترنة بفوارق أكبر في الداخل وعبر الحدود، وستتفاقم هذه الفوارق غالباً بسبب العوامل الديموغرافية.

والسؤال الآن هو ما إذا كانت أنظمة الحوكمة القائمة قادرة على تنسيق عمليات التدخل الفعّال في مواجهة التوترات الناجمة عن هذه العملية.

إن الأمر يتطلب تحقيق تقدم في الجوهر والمظهر. ويتعين على البرلمانات والمؤسسات المتعددة الأطراف أن تعمل على تحسين أدائها في ما يتصل بتيسير تنفيذ السياسات بشكل تعاوني، وهو ما يتطلب الاستعداد لإصلاح المؤسسات التي عفا عليها الزمن، بما في ذلك جماعات الضغط السياسية.

لا ينبغي لأحد أن يستخف بتحديات النمو التي تواجه الاقتصاد العالمي اليوم. وستستمر القطاعات الأقوى (داخل الدول وفيما بينها) في التعافي، ولكن ليس بالقدر الكافي لانتشال الاقتصاد العالمي ككل.

ونتيجة لهذا، فإن القطاعات الأكثر ضعفاً تواجه خطر التخلف عن الركب بوتيرة متزايدة السرعة. وسيصبح التوفيق بين هذه الاتجاهات والإبقاء على انتظامها أكثر صعوبة إذا فشلت أنظمة الحوكمة في التكيف.
ــــــــــــــــــــــــ
* محمد عبد الله العريان هو الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة