المدينة الآدمية   
الاثنين 1434/7/17 هـ - الموافق 27/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 22:16 (مكة المكرمة)، 19:16 (غرينتش)

باراغ خانا*

- جهود غير كافية
- الابتكارات المفيدة
- الحد من الانبعاثات
- الزراعة الرأسية
- المدن الأكثر ذكاء

أصبحت الشبكة المعقدة من المنظمات الدولية التي كانت تشكل الحكم العالمي نائية وغير فعّالة، حتى أن قِلة من الناس هم من يعتمدون عليها في تحقيق نتائج. فالآن، وبعد عقود من حروب الكلأ والتهميش الذاتي، بات لزاما على المنظمات الدولية أن تلتفت لأولوية عالمية متزايدة الإلحاح ألا وهي التوسع الحضري المستدام.

إن العالم يشهد موجة غير مسبوقة ولا رجعة فيها من التوسع الحضري، حيث من المتوقع أن تبلغ النسبة من سكان العالم الذين يعيشون في المدن 60% بحلول العام 2030.

ولكن التوسع الحضري السريع يدفع استهلاك الوقود الأحفوري في الصناعة واستهلاك المياه في القطاع الأسري إلى الارتفاع، كما يعمل على زيادة الطلب على الغذاء في المناطق حيث أصبحت الأراضي الصالحة للزارعة نادرة. وباختصار، فإن مسار التوسع الحضري الحالي ليس مستداما.

في حين كلفت الأمم المتحدة وكالتها المسؤولة عن الاستيطان البشري، بتشجيع التوسع الحضري المستدام، فإن هذه الهيئة تفتقر للنفوذ اللازم لضمان وضع هذه القضية الحيوية على الأجندة العالمية

جهود غير كافية
ولكن الجهود القائمة لتغيير هذا الوضع تظل غير كافية على الإطلاق. ففي حين كلفت الجمعية العامة للأمم المتحدة وكالتها المسؤولة عن الاستيطان البشري، برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (هابيتات)، بتشجيع التوسع الحضري المستدام، فإن هذه الهيئة تفتقر إلى النفوذ اللازم لضمان وضع هذه القضية الحيوية على الأجندة العالمية.

وعلاوة على ذلك فإن الجهات الفاعلة في مجال التنمية الدولية بما في ذلك الهيئات التابعة للأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، وبرامج مواطنة الشركات، وغير ذلك من المنظمات الخيرية نادرا ما تنسق أنشطتها، رغم أن تدخلاتها أصبحت بشكل متزايد في المدن ذات الكثافة السكانية العالية.

ولأن تشجيع التوسع الحضري المستدام وتحسين عمليات التنسيق من العوامل الكفيلة بتعزيز التقدم في مجالات أخرى ذات أولوية (بما في ذلك حقوق المرأة، وتغير المناخ، والبطالة بين الشباب، ومحو الأمية)، فإن التوسع الحضري المستدام لا بد أن يصبح أولوية بيروقراطية.

الابتكارات المفيدة
ولا بد من تكميله بإحداث تغيير تكنولوجي غير مسبوق، مع توجيه الاستثمارات نحو تنمية وتوزيع الإبداعات والابتكارات الكفيلة بجعل المدن أكثر ملاءمة للعيش، وأكثر كفاءة واستدامة.

تأثير الحكم العالمي في المستقبل يرتكز على صياغة اصطفاف جديد يساعد في تيسير تدفق المعارف والتكنولوجيات الحيوية من مجموعة متزايدة التنوع من المصادر إلى سكان المناطق الحضرية في مختلف أنحاء العالم

الواقع أن العديد من الابتكارات المفيدة، مثل مواد البناء المولدة للطاقة ووسائل النقل الخالية من الانبعاثات تماما، موجودة بالفعل، ولا بد ببساطة من جعل هذه الابتكارات متاحة لهؤلاء الأكثر احتياجا إليها.

ومن الواضح أن الأجهزة مثل أنظمة تنقية المياه الصغيرة الحجم، وأجهزة مراقبة القلب المحمولة، وأجهزة الكمبيوتر اللوحية المنخفضة التكلفة، بدأت بالفعل في تحسين حياة أفقر مواطني العالم ومساعدتهم في توفير الفرصة الاقتصادية المتكافئة للجميع.

إن تأثير الحكم العالمي في المستقبل يرتكز على صياغة اصطفاف جديد يساعد في تيسير تدفق المعارف والتكنولوجيات الحيوية من مجموعة متزايدة التنوع من المصادر إلى سكان المناطق الحضرية في مختلف أنحاء العالم.

والواقع أن الأدوات المطلوبة لجعل الحياة في المناطق الحضرية أكثر استدامة لم تعد تتدفق من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق فحسب. فقد حملت الصين لواء الريادة في تصدير الخلايا الضوئية الشمسية، في حين تقام متنزهات التكنولوجيا النظيفة بشكل متزايد حتى في العالم العربي.

ينبغي للحكومات، والشركات، والخبراء الإستراتيجيين والمنظمات غير الحكومية، أن تلتزم بالحد من تأثيرها الكربوني وتعزيز مواردها للمساهمة في تحقيق التوسع الحضري المستدام

الحد من الإنبعاثات
وينبغي للحكومات، والشركات، ومديري سلاسل الإمداد، والخبراء الإستراتيجيين في مجال الشركات والمواطنة، والمنظمات غير الحكومية، أن تلتزم بالحد من تأثيرها الكربوني وتعزيز مواردها للمساهمة في تحقيق التوسع الحضري المستدام. وتظهر فرص تقديم هذه المساهمات بشكل مستمر وفي مختلف القطاعات.

ففي قطاع البناء على سبيل المثال، يقوم المقاولون بتكوين شراكات مع مختبرات علمية لاختبار المواد التي تعكس الحرارة بشكل أفضل في حين تمتص الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة التبريد، وتستفيد شركات الخدمات العامة من أدوات برمجية جديدة لنشر أجهزة قياس ذكية في المنازل والمكاتب. حتى إن مدينتين أميركيتين (نيويورك وسياتل ) قررتا رفع معايير الكفاءة لعمليات البناء الجديدة إلى مستويات غير مسبوقة.

وعلى نحو مماثل، تتعاون شركات صناعة السيارات، وشركات خدمات النقل، والحكومات المحلية فيما بينها من أجل تطوير وسائل نقل مستدامة من خلال توفير الحوافز لتبني نظام فعّال لا يعتمد على ملكية السيارات. ونتيجة لهذا، بدأت فكرة مشاركة السيارات وتبادل السائقين تنتشر في مدن مثل برلين.

وعلاوة على ذلك، أنتج معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سيارة المدينة القابلة للطي، والذي يتسع مكان وقوف السيارة التقليدية الواحدة لأربع منها. وفي مؤتمر ريو+20 في العام الماضي، قررت بنوك التنمية المتعددة الأطراف الثماني الكبرى على مستوى العالم تخصيص 175 مليار دولار لتطوير وسائل نقل مستدامة.

وتستطيع تكنولوجيا المعلومات أن تعمل أيضا على تخفيف الضغوط المفروضة على نظام النقل. على سبيل المثال، تسخر سنغافورة شبكة الألياف البصرية التي اقتربت من الاكتمال للحد من الازدحام في المناطق الحضرية من خلال تقديم سلسلة من التدابير التي تشجع العاملين على العمل عن بُعد.

ومع دخول هذه التدابير حيز التنفيذ، من المرجح أن تنمو وتتطور المدن التابعة المكتفية ذاتيا، وهو ما من شأنه أن يقلل من استهلاك الطاقة المرتبط بوسائل النقل، في حين يعمل على تعزيز المجتمع المدني الأكثر نشاطا.

وتحمل سنغافورة لواء الريادة في مجال آخر أيضا، إنتاج وتوزيع مياه الشرب المعاد تدويرها. والعديد من المدن في مختلف أنحاء العالم تقتدي بهذا المثال، فتعمل على توسيع نطاق مستجمعات المياه وبرامج المعالجة.

الزراعة الرأسية
من ناحية أخرى، بدأت تجارب الزراعة الرأسية التي تهدف إلى زيادة الإمدادات الغذائية إلى المناطق الحضرية من خلال زراعة المحاصيل في المشاتل على ناطحات السحاب التي تنتشر من الغرب الأوسط الأميركي إلى أوساكا في اليابان. كما أصبحت الهند رائدة في مجال تحويل الكتلة الحيوية وفضلات الطعام إلى طاقة.

وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن ننسى المليارات من المزارعين والقرويين في مختلف أنحاء العالم. إن التدخلات مثل كهربة الريف، وتوفير البذور المقاومة للجفاف والتكنولوجيا الزراعية، والتوسع التأمين المصغر، من الأمور التي تشكل أهمية بالغة، ليس فقط من أجل تحقيق رفاهة سكان المناطق الريفية، بل وأيضا لتحفيز "ثورة خضراء" جديدة، والتي في غيابها سوف يواجه سكان المدن نقصا حادا في الغذاء.

ومع ظهور حلول إبداعية في كل يوم، يكمن التحدي الحقيقي في تعميم هذه الحلول على نطاق واسع وهذا يتطلب التعاون الدولي.

إن تحويل قضية التوسع الحضري المستدام إلى أولوية إستراتيجية قد يكون السبيل الوحيد للتغلب على الأزمات المترابطة المتمثلة في النمو الذي يفتقر إلى تشغيل العمالة، والبطالة بين الشباب، وتفاوت الدخول

المدن الأكثر ذكاء
المدن "الأكثر ذكاء" ليست بالضرورة تلك الأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية. إنها الأماكن التي تتعاون التكنولوجيا والسياسات العامة في دعم رفاه المواطنين بها وتحقيق تطلعاتهم.

وستوجه هذه الحقيقة الحاسمة مناقشات القمة السنوية الثانية لمؤسسة المدن الجديدة في يونيو/حزيران وموضوعها "المدينة الآدمية" ولا بد أن تكون في قلب مبادرات التوسع الحضري المستدام.

إن تحويل قضية التوسع الحضري المستدام إلى أولوية استراتيجية قد يكون السبيل الوحيد للتغلب على الأزمات المترابطة المتمثلة في النمو الذي يفتقر إلى تشغيل العمالة، والبطالة بين الشباب، وتفاوت الدخول.

ورغم أن بعض وظائف المصانع يمكن نقلها إلى الخارج أو الاستعانة بالروبوتات للقيام بها، فإن الروبوتات غير قادرة بعد على تجهيز البنايات بالمرافق، أو تركيب الألواح الشمسية على أسطح المنازل، أو بناء مزارع رأسية.

وحتى تحرك بعض المدن، مثل سنغافورة وطوكيو، نحو تقديم قطارات أنفاق أو سيارات بلا سائق، سوف يحتاج إلى عمالة مكثف لبناء وإدارة الأنظمة ذات الصلة. وفي المستقبل، كما كانت الحال في الماضي، فإن أغلب الوظائف التي تحتاج إلى عمالة مكثفة سوف تشمل بناء المساكن، ومرافق الإنتاج، وبالتالي المجتمعات.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باراغ خانا كبير زملاء مؤسسة أميركا الجديدة، ومدير معهد الواقع الهجين، ومؤلف كتاب "العالم الثاني"، وكتاب "كيف ندير العالم"، وكتاب "واقع هجين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة