التقارب المالي الخليجي وتجربة اليورو   
الاثنين 1433/1/17 هـ - الموافق 12/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:30 (مكة المكرمة)، 14:30 (غرينتش)
 
 
 

المعيار المالي مقتبس

صادقت دول مجلس التعاون الخليجي على معايير التقارب لبناء اتحادها النقدي وعملتها الموحدة ومن بينها التقارب المالي.

 

لكن هذا المعيار منقول حرفياً من منطقة اليورو ولا ينسجم بالتالي مع خصوصيات دول المجلس، وقد يؤدي إلى نتائج اقتصادية خطيرة.

 

إن الحكمة من معايير التقارب بذل الجهود للوصول إلى نتائج أفضل بتقليص الاختلافات الاقتصادية بين الدول المعنية. فكلما زادت الجهود تحسن التقارب وكلما تحسن التقارب زادت المكاسب، وهي بناء الاتحاد النقدي على أسس متينة.

 

ولكن لا يجوز أن تكون الأهداف بعيدة المنال لأنها لن تتحقق وبالتالي يصبح وجود المعايير وعدم وجودها سيان. كما أن المبالغة في عدد المعايير تقود إلى تعقد الأمور دون مبرر مقبول.

 

المهم أن تكون معايير التقارب ملائمة للأوضاع الاقتصادية والأحوال المالية للبلدان المعنية، وعلى خلاف ذلك تظهر وكأنها وضعت لغير هذه البلدان.

 

وهذا ما يحدث في دول مجلس التعاون التي تبنت معايير منطقة اليورو.

 

ولا يستحسن بناء التقارب على درجات أدنى مما هو متحقق فعلا، كأن يحدد المعيار المالي بعجز في حين أن الميزانيات العامة تسجل فائضا. وهذا ما يحصل في دول المجلس. في هذه الحالة لن تبذل الجهود للوصول إلى نتائج أفضل بل سيكون معيار العجز المالي أداة لبناء الاتحاد النقدي على أسس هشة مهددة بالانهيار.

 

وحسب المعيار الخليجي يتعين ألا يتجاوز العجز الآلي لكل دولة 3% من الناتج المحلي الإجمالي. إن هذه النسبة لا تعتمد على أي مؤشر خليجي بل نقلت نقلاً حرفياً عن المعيار المالي لمنطقة اليورو المنصوص عليه في معاهدة ماسترخت لعام 1992، ومن ثم في ميثاق الاستقرار والنمو الصادر بموجب معاهدة دبلن عام 1993 والمعدل باتفاقية أمستردام عام 1997.

 

أما جذور هذا المعيار فتعود إلى السياسة الاقتصادية الألمانية التي كانت -ولا تزال- ترتكز على ضرورة عدم تجاوز الديون العامة 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

"
تحديد نسبة 3% لعجز الموازنة ليس له أية قيمة علمية مطلقة تصلح لجميع الدول

"

وبموجب الدراسات في ألمانيا تبين أن تحقيق هذا الهدف يستوجب ألا يتجاوز العجز المالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا طلبت ألمانيا من الدول الأوروبية الأخرى تبني هذه النسبة للمعيار المالي.

 

وهددت صراحة بالتخلي عن الاتحاد النقدي الأوروبي إن لم تتم الاستجابة لطلبها.

 

إن نسبة 3% ليست لها أية قيمة علمية مطلقة تصلح لجميع الدول. إنها ألمانية انسجمت مع الوضع المالي الفرنسي وفرضت على الدول الأوروبية الأخرى. ولو كانت الميزانيتان الألمانية والفرنسية في حالة عجز طفيف (أقل من 1% مثلاً) خاصة في سنة الأساس (1997) لكان المعيار المالي لمنطقة اليورو يستند إلى التوازن لا إلى العجز، لأن الأوروبيين يبحثون عن عملة تتمتع بمصداقية عالية بعد أن تزعزعت الثقة باستقرار الدولار.

 

ولم يقتصر النقل الحرفي على المعيار المالي، بل شمل أيضاً المعايير الأخرى المرتبطة بالتضخم والمديونية العامة وأسعار الفائدة، الأمر الذي يوحي بأن الخليجيين استشاروا مؤسسات منطقة اليورو خاصة البنك المركزي الأوروبي، ولا ضير في ذلك، لكن الغريب أن هذه المؤسسات لم تبذل أي جهد بشأن تقديم مقترحات ملائمة لأحوال بلدان الخليج بل اقترحت نفس المعايير المطبقة في بلدانها. والأغرب من ذلك أن بلدان مجلس التعاون وافقت على هذه المعايير الأوروبية، في حين أنها أسست عام 2002 اللجنة الفنية للاتحاد النقدي والاقتصادي التي تقتصر مهامها على كيفية الوصول إلى الاتحاد النقدي الخليجي، خاصة تسمية معايير التقارب وتحديد معدلاتها.

 

إن ضرورة اعتماد دول المجلس على طاقاتها الذاتية لا تعني الامتناع عن استشارة الآخرين ورفض الاستفادة من تجاربهم، ولكن لا يصح نقل هذه التجارب لأنها ترعرعت في مناخ مختلف تماما.

 

معيار العجز المالي غير ملائم

اتسمت الفترة بين عامي 1990 و2000 بتزايد النفقات العامة خاصة العسكرية في منطقة الخليج.

 

وفي نفس الوقت كان سعر برميل الخام متدنياً يتراوح بين 15 و27 دولارا. وانعكس تفاعل هذين العاملين بصورة سلبية ومباشرة على الميزانيات العامة.

 

فخلال هذه الفترة نظمت 66 ميزانية في دول مجلس التعاون، خمس ميزانيات فقط كانت في حالة فائض و61 في حالة عجز.

 

وعلى هذا الأساس لو كان معيار التقارب المالي يخص هذه الفترة لكان اعتماده على العجز أمراً منطقيا، شريطة أن تكون نسبة العجز في المعيار أقل من نسبة العجز الواقعي، عندئذ يمكن للدول بذل الجهود للوصول إلى نسبة قريبة من المعيار، ولكن لم يصادق على معايير التقارب خلال هذه الفترة بل في عام 2007 الذي اتسم بالفائض المالي.

 

وبين 2005 و2011  نظمت 42 ميزانية عامة، خمس منها فقط سجلت عجزا. إن الفوائض المالية المتراكمة بين 2005 و2009 بلغت 1.1 مليار دولار في كل من البحرين وعُمان و34.8 مليار دولار في قطر و70.2 مليار دولار في الإمارات و95.1 مليار دولار في الكويت و342.7 مليار دولار في السعودية.

 

بلغت هذه الفوائض السنوية درجة من الأهمية بحيث شكلت قياساً بالناتج المحلي الإجمالي 11.4% في الإمارات عام 2006 و23.3% في الكويت عام 2008 و32.6% في السعودية عام 2008. وبات الفائض المالي السمة الأساسية لميزانيات دول المجلس. وبدلاً من أن يستند معيار التقارب المالي إلى الفائض اعتمد على العجز، ولا يوجد مبرر منطقي لذلك بدليل أن أسعار النفط لا تزال محافظة على مستوياتها منذ ست سنوات، ولا يوجد تحليل مقنع يبين تراجع هذه الأسعار في المستقبل المنظور.

 

إن الأزمة التي يمكن أن يخلقها العجز المالي (في حالة تكراره) أكثر خطورة من الناحية الاقتصادية في أقطار مجلس التعاون مقارنة بمنطقة اليورو، والسبب في ذلك مكانة ودور الميزانية العامة في الاقتصاد برمته وفي حياة المواطنين. ففي السعودية يشكل الإنفاق العام 39% من الناتج المحلي الإجمالي والإيراد العام 41% منه، في حين تهبط النسبتان في فرنسا إلى 18% و13% على التوالي، أي إن الأهمية الاقتصادية للميزانية في السعودية أكبر بكثير من أهميتها في فرنسا.

 

ويصدق هذا الاستنتاج على المقارنة بين دول مجلس التعاون الأخرى ودول منطقة اليورو الأخرى.

 
"
الضرر الناجم عن عجز الميزانية في منطقة الخليج أشد وأخطر من الضرر الناجم عن عجز الميزانية في منطقة اليورو

"

وبالتالي فإن الضرر الناجم عن عجز الميزانية في منطقة الخليج أشد وأخطر من الضرر الناجم عن عجز الميزانية في منطقة اليورو.

 

أضف إلى ذلك أن معالجة العجز أصعب نسبياً في منطقة الخليج مقارنة بمنطقة اليورو، إذ تتطلب المعالجة الضغط على الإنفاق العام وزيادة الإيراد العام.

 

في دول مجلس التعاون تتكون النفقات العامة بالدرجة الأولى من مرتبات الموظفين والخدمات الأمنية والعسكرية وبعض المصروفات الاقتصادية والاجتماعية كتعضيد أسعار بعض السلع.

 

يقود تقليص مرتبات الموظفين أو الحد من التوظيف إلى تدني مستوى المعيشة لأن الحكومة هي رب العمل الأول. 68% من نفقات الميزانية السعودية عبارة عن مرتبات مدنية وعسكرية، كما لا يمكن الضغط على المصروفات الأمنية والعسكرية خاصة في الظروف غير المستقرة للمنطقة. أما إلغاء الدعم للسلع الاستهلاكية فيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع معدلات التضخم المرتفعة أساسا.

 

وأما الإيرادات العامة فتعتمد على الحصيلة النفطية أي على السوق الخارجية، في حين أن الإيرادات غير النفطية ضعيفة من حيث حجمها ودورها في تعويض النقص الذي قد يحصل في العوائد النفطية، فلا توجد ضرائب مباشرة وغير مباشرة إلا في نطاق ضيق.

 

كما تعاني الصناديق السيادية الخليجية من الأزمة الاقتصادية العالمية التي تحد من أنشطتها وبالتالي من أرباحها ومساهمتها في مساندة مالية الدولة المالكة لها. إن العجز المالي المتكرر (على افتراض وقوعه) في دول مجلس التعاون يقود إلى أزمة مشابهة لأزمة اليونان التي تعتمد اعتماداً أساسياً على إيرادات السياحة الأجنبية وعلى النقل البحري، أي على قطاعين مرتبطين كالنفط بالسوق الخارجية.

 

لذلك يتعين تجنب العجز المالي وعدم الاعتماد عليه في بناء السياسة النقدية الخليجية المستقبلية، بيد أن الرفض المنهجي للعجز غير مقبول، لأن الهدف هو التوازن الاقتصادي وليس التوازن المالي. ففي فترات الركود يتعين تنشيط الطلب بطرق عديدة منها زيادة النفقات العامة المخصصة للمشاريع الإنتاجية كتلك التي تقود إلى زيادة الصادرات، يقود هذا العجز إلى تحسين النمو وينعكس بالتالي بصورة إيجابية على استقرار العملة. لكن العجوز التي عرفتها ميزانيات الدول العربية -بما فيها دول مجلس التعاون- لا تتأتى من برامج اقتصادية تنموية بل من مصروفات عسكرية استهلاكية ومن توترات سياسية بينية عقيمة ومن نفقات التبذير والأبهة.

 

اقتباس منقوص

أولا: الاقتباس ليس حرفياً فحسب بل يعاني أحياناً من نقص واضح. في ميدان استقلال المؤسسة النقدية عن السلطات الأخرى، نصت المادة السابعة من النظام الأساسي للمجلس النقدي الخليجي لعام 2009 على ما يلي: "يحظر على المجلس النقدي وعلى أي عضو من أعضاء مجلس إدارته وجهازه التنفيذي تلقي أية تعليمات أو توجيهات من شأنها التأثير على أداء واجباتهم ومهامهم الموكلة إليهم بموجب هذا النظام من أية من أجهزة مجلس التعاون أو حكومات الدول الأعضاء أو من الغير".

 

إن هذا النص مطابق تماماً للفقرة الأولى من المادة 130 من معاهدة ماسترخت، لكن الفقرة الأوروبية الثانية تقضي بأن المؤسسات الأوروبية وحكومات الدول الأعضاء تتعهد باحترام استقلال البنك المركزي الأوروبي ولا تحاول التأثير على أعضائه. إن هذه الفقرة الثانية التي تعطي قوة أكبر لاستقلال البنك المركزي عن الحكومات غير منصوص عليها في المادة السابعة أو في أية مادة أخرى من النظام الأساسي للمجلس النقدي، سيؤثر هذا النقص سلبياً على قدرة البنك المركزي الخليجي في إدارة السياسة النقدية الموحدة وفي معالجة الأزمات.

 

ثانيا: المساعدات المالية للمعالجة الجزئية. ما العمل (بعد ظهور العملة الخليجية الموحدة) إذا تجاوزت دولة خليجية العجز الوارد في المعيار المالي المتفق عليه؟

 

في منطقة اليورو هنالك -وفق التطور الأخير- انتقال من المساعدات المالية الممنوحة للدولة المتجاوزة إلى توقيع غرامة مالية عليها بموجب ميثاق الاستقرار والنمو. يبدو أن فكرة الغرامة مرفوضة في دول المجلس خاصة إذا كانت مقررة من قبل جهة سياسية وهي مجلس وزراء المالية.

يجب منح المساعدات لمعالجة العجز بصورة جزئية لأن المساعدات التي تمتص كلياً العجز المالي تربك بل وتلغي الجهود الإصلاحية التي يتعين على الدولة المتلقية بذلها. أضف إلى ذلك أن المساعدات ليست هبات مجانية بل قروض طويلة الأجل بأسعار فائدة مخففة نسبيا، تنقلب هذه القروض لاحقاً إلى ديون يتعين خدمتها أي سداد أقساطها وفوائدها.

 
"
يجب تعديل معيار التقارب المالي الخليجي كي يرتكز على التوازن

"
 

وقد تكون المساعدات لتغطية العجز الكلي غير ممكنة من الناحية المالية، فإذا افترضنا أن البحرين تعاني من عجز مالي نسبته 15% من الناتج المحلي الإجمالي فإن حجم هذا العجز يساوي ثلاثة مليارات دولار أي ما يعادل 0.7% فقط من الاحتياطيات الرسمية للسعودية. ولكن إذا افترضنا أن السعودية سجلت عجزاً بنفس النسبة يصبح حجم هذا العجز 55 مليار دولار أي ما يعادل جميع الاحتياطيات الرسمية للكويت والبحرين وعمان وقطر. لذلك لا بد من أن تكون المساعدات جزئية تقي الدولة المتلقية من الإفلاس وتدفعها للإصلاحات الضرورية ولا تعرض الدولة المانحة لمشاكل مالية.

 

ثالثا: يمكن الاقتصار على معيار واحد بدلاً من خمسة، إنه المعيار المالي شريطة قيامه على التوازن، عندئذ يمكن السيطرة على المديونية وتقليص أسعار الفائدة وكبح جماح التضخم. ويتعين على البنك المركزي الخليجي اعتبار ذلك ضمن مهامه الأساسية.

 

إن كفاية المعيار المالي نابعة كذلك من أن الصرف الحالي للعملات الخليجية (على خلاف العملات الأوروبية السابقة واليورو) يعتمد على التثبيت مقابل الدولار. وهذا النظام يسهل إلى حد كبير الانتقال إلى العملة الموحدة التي ستتبنى كذلك هذا النظام.

 

سيبقى الفائض المالي السمة الأساسية لميزانيات دول مجلس التعاون، لذلك لا بد من تعديل معيار التقارب المالي كي يرتكز على سمة مشابهة وهي التوازن. أما الركون إلى العجز فلا يخضع إلى اعتبار علمي بل يشجع على ارتفاع الإنفاق العام فيتكرر العجز وتظهر الأزمة كما يحدث في منطقة اليورو.
ـــــــــــــــ
باحث اقتصادي عراقي
 

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة