تنافر سياسات الحكومة الصينية   
الأربعاء 1435/3/1 هـ - الموافق 1/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:15 (مكة المكرمة)، 12:15 (غرينتش)

 

ستيفن إس روتش

خطر تفكك السياسات بات واضحا
التوازن جنبا إلى جنب مع تباطؤ النمو

الحاجة إلى نهج جديد

خطر تفكك السياسات بات واضحا
 في الأشهر الأخيرة من عام 2013 أطلق فيض من التصريحات السياسية في الصين، فمن برنامج الإصلاح ذي الستين نقطة والصادر عن الجلسة المكتملة الثالثة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني إلى المهام الست الأساسية التي أقرها مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي بعد شهر واحد، اقترح قادة الصين مجموعة من التدابير الجديدة للتصدي للتحديات الجسام التي تواجهها بلادهم في السنوات المقبلة.

لكن عندما ننظر إلى الأمر بشمولية يتبين لنا أن خطر تفكك السياسات بات واضحا، فمبادرات الجلسة الثالثة المكتملة -على سبيل المثال- تركز على الجانب الإستراتيجي: تعزيز عملية إعادة التوازن البنيوية الداعمة للاستهلاك التي انتظرها اقتصاد البلاد طويلا، وفي حين تجسد مهام المؤتمر الأساسية روح هذه الإصلاحات فإنها تعكس أيضا تركيزا تكتيكيا "الحفاظ على ثبات النمو".

اقترح قادة الصين مجموعة من التدابير الجديدة للتصدي للتحديات الجسام التي تواجهها بلادهم في السنوات المقبلة، لكن عندما ننظر إلى الأمر بشمولية يتبين لنا أن خطر تفكك السياسات بات واضحا

لكن في ضوء المفاضلات المحتملة بين الإستراتيجية والتكتيك -أي بين الإصلاحات الطويلة الأجل وضرورات النمو في الأمد القريب- هل يتمكن صانعو السياسات في الصين من تحقيق أهدافهم كافة؟

بطبيعة الحال، كانت مثل هذه المفاضلات واضحة في أغلب الاقتصادات  المتقدمة والنامية على حد سواء، بيد أن الأمر الذي فصل الصين عن بقية المجموعة كان ميلها القوي إلى التركيز بشكل أكبر على أهداف إستراتيجية في رسم مسار التنمية الاقتصادية.

ورغم هذا فإن التوترات الجديدة بين سياسات الجلسة المكتملة الثالثة وتلك التي أقرها مؤتمر العمل الأخير أثارت مسألة المفاضلات مرة أخرى، ذلك أن عملية إعادة التوازن القائمة على الاستهلاك والخدمات والتي اقترحتها في مستهل الأمر الخطة الخمسية الثانية عشرة وأقرتها الجلسة المكتملة الثالثة تعني تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى ما دون المتوسط السنوي 10% الذي تم تسجيله من عام 1980 إلى عام 2010.

بيد أن تباطؤ النمو ليس بالضرورة أمرا سيئا، فمستويات تشغيل العمالة في الخدمات الصينية كانت أعلى بنحو 30% عن كل وحدة من الناتج مقارنة بقطاعي التصنيع والبناء، وهذا يعني أن الصين- التي تعتمد على الخدمات بشكل متزايد- قادرة على تحقيق أهدافها الحرجة في ما يتصل باستيعاب العمالة أو بالتحديد خلق فرص العمل بالسرعة الكافية والحد من الفقر بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 7% و8%.

التوازن  جنبا إلى جنب مع تباطؤ النمو
بالنسبة للصين، تسير عملية إعادة التوازن جنبا إلى جنب مع تباطؤ النمو، ويفضي ذلك إلى الفوائد الإضافية المترتبة على تناقص الطلب على الموارد، وتراجع حدة الارتفاع في استهلاك الطاقة، والتقدم في معالجة التلوث البيئي والتفاوت في الدخول.

لكن مؤتمر العمل الأخير فشل في وضع تباطؤ النمو في سياقه الإستراتيجي، وألقى بثقله بدلا من ذلك على ضرورات التوازن المتمثلة في "السياسات المالية الاستباقية والسياسات النقدية الحصيفة".

ومنذ اختتم مؤتمر العمل أعماله انخرط المستثمرون في مناقشة أهداف النمو في عام 2014، لكن هل سيتم الحفاظ على هدف النمو بنسبة 7.5% الذي تم تحديده لعام 2013 في العام التالي، كما تشير التسريبات الأخيرة من كبار المسؤولين الصينيين، أم أن التصريحات الأخيرة تشير إلى المزيد من التباطؤ نحو 7%؟

سوف يكشف مؤتمر الشعب الوطني في مارس/آذار عن الإجابة على هذا التساؤل، لكن التركيز على هدف النمو في الأمد القريب وتجنيد السياسات المالية والنقدية من أجل تحقيق هذا الهدف، ناهيك عن ضائقة ائتمانية أخرى تؤرق أسواق التمويل الصينية القصيرة الأجل، ينتقص من التركيز على التحولات الإستراتيجية التي تتطلبها عملية إعادة التوازن إلى الاقتصاد.

والواقع أن أغلب المهام الاقتصادية الكبرى الست لعام 2014 والتي حددها مؤتمر العمل الأخير- بما في ذلك الجهود الرامية إلى ضمان الأمن الغذائي واحتواء ديون الحكومات المحلية وتحسين جهود تنسيق التنمية الإقليمية- لا ترتبط إلا قليلا أو لا ترتبط على الإطلاق بضرورات إعادة التوازن الإستراتيجي في الصين، ورغم أنها جديرة بالثناء فإنها تبدو منفصلة عن عملية إعادة الهيكلة الداعمة للاستهلاك.

الواقع أن اثنتين فقط من المهام الاقتصادية الست الرئيسية -التي حددها مؤتمر العمل- تتفق تماما مع الأجندة الإستراتيجية للجلسة الثالثة المكتملة للحزب الشيوعي، إذ تتفق الدعوة إلى تعزيز الأمن الاجتماعي مع اقتراح الجلسة الثالثة بتخصيص 30% من أرباح الشركات المملوكة للدولة لتمويل برامج شبكات الأمان، مثل معاشات التقاعد والرعاية الصحية.

وعلى نحو مماثل، يتفق التركيز على تعزيز دور الأسواق لرفع مستوى البنية الصناعية في الصين مع هدف الجلسة الثالثة المتمثل في تحقيق التحول الاجتماعي القائم على السوق.

لكن ما قد ينشأ عن كل هذا يشكل مثالا آخر للنهج العتيق في رسم السياسات الاقتصادية الصينية، اقتراحات ومبادرات وأهداف لا حصر لها ولا ارتباط بينها إلا بشكل سطحي في أفضل تقدير، وتعاني تناقضات داخلية غالبا.

الحاجة إلى نهج جديد
والآن هناك احتياج إلى نهج جديد، وسوف يتطلب الأمر ثلاثة تغييرات رئيسية في إطار السياسة الاقتصادية في الصين.

مع استعداد السلطات الصينية لسلوك مسار جديد يهدف إلى تعزيز التقدم غير العادي الذي حققته الصين يتعين على القادة الصينيين أن يتحركوا بسرعة من أجل تحقيق قدر أكبر من التوافق في أجنداتهم السياسية

أولا: يتعين على السلطات الصينية -في إطار محاولاتها الرامية إلى مجاراة أفضل الممارسات العالمية- أن تكون أكثر وضوحا وأكثر شفافية في تحديد أولويات أهدافها السياسية أو ترتيبها، والواقع أن وضع أجندات مختلفة على منصات متعددة -مثل الخطط الخمسية والجلسة الثالثة ومؤتمر العمل- يعد
وصفة أكيدة للارتباك والتضارب المحتمل.

ثانيا: لابد من خفض أهداف النمو على نطاق الاقتصاد بالكامل، فمثل هذه الأهداف تشكل صفعة لتراث الاقتصاد الموجه من قبل الدولة، وهو الإرث
الذي يتعارض مع تركيز صناع السياسات الجديد على دور الأسواق.

وأخيرا، هناك احتياج إلى فصل أهداف الاستقرار عن الضرورات الإستراتيجية، ولابد من التعامل مع الأولى بواسطة بنك مركزي مستقل يتحمل المسؤولية الرئيسية عن السياسات النقدية وإدارة العملة، في حين لابد أن تكون الأخيرة من مسؤوليات المجموعة الرائدة المركزية الجديدة المعنية بالإصلاحات، والتي أنشأتها للتو الجلسة المكتملة الثالثة.

لقد ساعد التركيز التقليدي من قبل صناع السياسات في الصين على إستراتيجية طويلة الأجل في تمكينهم من تجنب العقبات على الطريق إلى التنمية الاقتصادية، لكن الآن -ومع استعداد السلطات لسلوك مسار جديد يهدف إلى تعزيز التقدم غير العادي الذي حققته الصين- يتعين عليهم أن يتحركوا بسرعة من أجل تحقيق قدر أكبر من التوافق في أجنداتهم السياسية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
عضو هيئة التدريس في جامعة ييل ورئيس مورغان ستانلي في آسيا سابقا ومؤلف الكتاب الذي سيصدر قريبا بعنوان "العلاقة غير المتوازنة: الاعتماد المتبادل بين أميركا والصين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة