حركة الصادرات الإيرانية بعد الاتفاق النووي   
الخميس 1436/6/27 هـ - الموافق 16/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)

 تامر بدوي

سعت الإدارات الإيرانية المتوالية منذ حكم الرئيس هاشمي رفسنجاني في أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى تخفيف الاعتماد على الريع النفطي وتوزيع مصادر الدخل، خاصة من خلال تنمية الصادرات غير النفطية.

واستطاعت إدارة الرئيس روحاني في ظل تراجع سعر النفط قطع شوط في تخفيف اعتماد الموازنة الأخيرة (2015-2016) على عائدات النفط.

وبحسب تقارير مركز بحوث مجلس الشوري الإسلامي (البرلمان الإيراني) عن لائحة موازنة السنة المالية الجارية، تراجع ارتباط الموازنة الحالية بعائدات النفط إلى 32% مقارنة بما يقارب 37-40% لموازنة السنة المالية السابقة.

نمو صادرات إيران غير النفطية
إصلاح الفائدة البنكية وضبط سعر الصرف
رفع العقوبات عن القطاع المصرفي
إستراتيجيات المصدرين
تحول إيران لممر اقتصادي

 

نمو صادرات إيران غير النفطية
وهناك مؤشرات تدل على أن إيران تحرز تقدماً في هذه السياسة، ويُشار إلى تحقيق صادرات إيران غير النفطية في العام المالي الماضي نمواً بنسبة تقارب 19-20% مقارنة بالفترة التي سبقتها لترتفع من 41 مليار و848 مليون دولار إلى 49 مليار و744 مليون دولار.

وبذلك أيضاً يكون عجز ميزانها التجاري غير النفطي للعام الماضي قد تراجع بصورة كبيرة -في ظل القيود الداخلية والخارجية على التوسع في الاستيراد- حيث شهدت الواردات الإيرانية نمواً متواضعاً لترتفع من 49 مليار و708 ملايين دولار إلى 52 مليار و477 مليون دولار (زيادة بنسبة 5.57%) في الفترة نفسها. لكن لن تبقى الواردات في نموها البطيء مستقبلاً، إذ تتجه الإدارة الإيرانية حالياً إلى تقليص الحواجز الجمركية على الواردات تدريجياً بنسب متفاوتة.

إذن، إلى أي مدى يمكن أن يدعم الاتفاق النووي المتوقع إتمامه بحلول الثلاثين من يونيو/حزيران المقبل جهود دعم الصادرات غير النفطية؟

يتناول هذا التحليل بصورة رئيسية أربعة موضوعات مرتبطة بمسألة تنمية الصادرات غير النفطية: إصلاح الفائدة البنكية وضبط سعر الصرف، ورفع العقوبات عن القطاع المصرفي، وإستراتيجيات المصدرين، وتحول إيران لممر اقتصادي.

إصلاح الفائدة البنكية وضبط سعر الصرف
إن إحدى المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني في الوقت الحالي هي استمرار ارتفاع قيمة الفائدة البنكية مقارنة بمستوى التضخم بالنسبة للإيداع والتسهيلات.

والمشكلة على وجه التحديد هي ارتفاع قيمة الفوائد على التسهيلات المصرفية الموجهة للمنتجين، لينعكس ذلك سلباً على قطاعات التصنيع المنتجة للسلع غير النفطية. فمنذ بدء محاولات إدارة الرئيس روحاني إخراج الاقتصاد من حالة الركود التضخمي من خلال حزمة التحفيز الاقتصادي التي تم الإعلان عنها منتصف يوليو/تموز 2014، كانت معالجة الخلل في العلاقة بين قيمة الفائدة ومستوى التضخم إحدى أولويات وزارة المالية الإيرانية لدفع عجلة الإنتاج من جديد، وبالتالي حركة التصدير.

منذ بدء محاولات إدارة الرئيس روحاني إخراج الاقتصاد من حالة الركود التضخمي من خلال حزمة التحفيز الاقتصادي التي تم الإعلان عنها منتصف يوليو/تموز 2014، كانت معالجة الخلل في العلاقة بين قيمة الفائدة ومستوى التضخم إحدى أولويات وزارة المالية الإيرانية لدفع عجلة الإنتاج من جديد وبالتالي حركة التصدير

فبينما كانت إيران تستهدف بسياستها الانكماشية في السنوات الماضية خفض التضخم المرتفع من خلال رفع الفائدة (ومن ثم الإبطاء من حركة التعاملات والاستثمار لإبطاء حركة الاقتصاد)، أصبح العكس مطلوباً الآن لإخراج الاقتصاد من الركود.

وبينما يقارب معدل التضخم 15% فقط حالياً، تصل الفوائد على التسهيلات إلى أكثر من 20% في البنوك الحكومية وتصل إلى 33% في بنوك ومصارف القطاع الخاص، وفقاً لأحد كرماني عضو رابطة صناعات النسيج، في تصريح لوكالة فارس. وبذلك تستمر قطاعات الإنتاج (وخاصة التقليدية) في معاناتها من أزمة سيولة نقدية تحتاج إلى تجاوزها.

فإذا نجحت الإدارة الاقتصادية بطهران في خفض قيمة الفائدة بصورة تتناسب مع معدل التضخم، سينعكس ذلك إيجاباً على حركة الصادرات غير النفطية. ومن جهة أخرى، نظرياً سيؤدي خفض قيمة الفائدة البنكية إلى تراجع الطلب على الريال لتتراجع قيمته لصالح المصدرين.

ومن هنا، فإن التحدي الثاني الذي تواجهه الإدارة الإيرانية هو الإبقاء على سعر صرف ملائم يعزز قدرة المصدرين الإيرانيين على الدفع بسلعهم غير النفطية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية بأسعار تنافسية.

في الوقت الحالي يصل سعر الصرف غير الرسمي إلى حدود 33 ألف ريال مقابل الدولار الأميركي (ويبلغ سعر الصرف الرسمي 28 ألف ريال). في هذا السياق، يرى مراقبون اقتصاديون بطهران أن البنك المركزي يجب أن يحافظ على سعر صرف يتلاءم مع سياسة تنمية الصادرات في المرحلة القادمة، إذ من المتوقع أن يرتفع سعر الريال إذا تم إبرام الاتفاق النووي بحلول منتصف العام الجاري.

رفع العقوبات عن القطاع المصرفي
صحيح أن التجار الإيرانيين استطاعوا التهرب من العقوبات الأوروبية والأميركية المفروضة على القطاع المصرفي الإيراني من خلال العديد من الوسائل التي تضمنت استخدام مؤسسات مالية في دول ثالثة، لكن لا زالت العقوبات المفروضة على القطاع المصرفي عائقاً لتوسع نشاط المصدرين.

فبحسب تقديرات، ارتفعت تكاليف الصادرات الإيرانية بنسبة 25% بسبب العقوبات المفروضة، مؤثرةً بذلك على موقعها في الأسواق.

وستحتاج البنوك والمؤسسات المالية الإيرانية وقتاً بعد البدء في رفع العقوبات حتى تستأنف تعاملاتها الدولية حتى يستفيد منها المستوردون والمصدرون.

ويرى سيد‌ کمال سيد‌ علي المدير التنفيذي لبنك "إيرانزمين" مثلاً أن البنوك الإيرانية ستحتاج إلى ما يتراوح بين أربعة وسبعة أشهر حتى تعود إلى تقديم خدماتها المذكورة بعد رفع العقوبات.

إستراتيجيات المصدرين
لا تتوقف حظوظ المصدرين الإيرانيين على التحديات الاقتصادية الداخلية والعقوبات الغربية فقط، بل على مدى قدرتهم على تشكيل إستراتيجيات موحدة من خلال التجمع في تكتلات مدعومة من قبل المؤسسات الاقتصادية في طهران. فنظراً لطبيعة نظام الحكم وعلاقات السلطة ونمط التصنيع الموجه داخلياً، سيكون لأجهزة الدولة الإيرانية دور محوري في عملية تنمية الصادرات غير النفطية.

في كتابه المعنون "الأصول السياسية للتنمية: الاقتصاد السياسي للإصلاح المؤسسي في مصر وتركيا" يتناول عمرو عادلي الإستراتيجيات الناجحة التي انتهجها المصدرون الأتراك لتنمية صادراتهم إلى الأسواق العالمية بدعم من مؤسسات الدولة الاقتصادية بداية من ثمانينيات القرن الماضي.

وقد كانت الوسيلة الأهم لتمثيل مصالح المصدرين تنسيق حصص التصدير وتوفير المعلومات بشأن الأسواق. وفي المقابل، تمت إعادة هيكلة العديد من المؤسسات الاقتصادية في مراحل مختلفة حتى تتمكن من الانخراط بنجاح في برامج تحفيز الصادرات من خلال تقديم دعم مباشر وغير مباشر للمصدرين تضمن إعفاءات ضريبية ومصرفية. وبالرغم من شروعها في سياسات التحرير الاقتصادي، استمرت تركيا في تنفيذ سياسات حماية للحفاظ على عدد من قطاعات التصنيع المهمة.

لكن هناك العديد من المشاكل "الهيكلية" في النظام الإيراني قد تعيق إيجاد تجربة ناجحة على المدى الطويل، إذ إن تداخل قطاعات التجارة والتصنيع مع مصالح النخبة الأمنية والعسكرية في إيران سيقوض إمكان وجود علاقة شفافة بين المؤسسات البيروقراطية المخترقة وبين التجار ذوي الخلفيات الأمنية والعسكرية.

أي أن الدعم الذي سيأتي من طرف المؤسسات الاقتصادية سيكون غالباً موجها إلى شبكات بعينها من التجار والمصدرين. ولذلك، ربما تكون المؤسسات الاقتصادية المعنية بتنمية الصادرات في إيران في حاجة إلى إعادة هيكلة من أجل الاضطلاع بمهامها، وإلا تحول دعم المؤسسات للمصدرين إلى مصدر ريعي للكسب.

تحول إيران لممر اقتصادي
وإذا انتقلنا من الوضع الداخلي إلى الوضع الإقليمي، فالمشهد الجيواقتصادي الآخذ في التشكل بمحيط إيران الأوراسي يصب في صالح قطاعات التصدير الإيرانية على المديين المتوسط والبعيد، إذ تسعى طهران للتحول إلى ممر اقتصادي يربط بين الهند، وآسيا الوسطى، ودول القوقاز، وصولاً إلى روسيا وأوروبا ضمن المشروع المعروف بممر الشمال-الجنوب.

صحيح أن التجار الإيرانيين استطاعوا التهرب من العقوبات الأوروبية والأميركية المفروضة على القطاع المصرفي الإيراني عبر العديد من الوسائل التي تضمنت استخدام مؤسسات مالية في دول ثالثة، لكن لا زالت العقوبات المفروضة على القطاع المصرفي عائقاً أمام توسع نشاط المصدرين

ويعتمد المشروع الذي تلعب فيه إيران دوراً محورياً على تأسيس سلسلة من الطرق والسكك الحديدية التي تربط دول آسيا الوسطى بموانئ إيران البحرية بالجنوب (بندر عباس وشاه بار). ففي ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، تم افتتاح خط قطار إيران- تركمانستان- كازاخستان في إطار المشروع المذكور. ومن المتوقع أن تصل طاقة نقل البضائع مبدئياً إلى خمسة ملايين طن سنوياً لتبلغ عشرين مليون طن بحلول عام 2020.

صحيح أن دول آسيا الوسطى ستستفيد من سلسلة الطرق والسكك الحديدية الجديدة والمزمع إنشاؤها مستقبلاً في تصدير سلعها إلى الأسواق العالمية بتكاليف أقل من مسارات أخرى، ولكن سيستفيد المصدرون الإيرانيون من هذه المشروعات أيضاً، حيث إن سلعهم ستصل إلى أسواق وسط آسيا بتكاليف ووقت أقل.

وأما بالنسبة للتوسع تجارياً في اتجاه الغرب نحو العالم العربي، فتبدو إيران عازمة أيضاً على الانخراط في مشروعات بنية تحتية لتسهيل نقل صادراتها إلى العراق (يمكن العودة إلى مقالنا المنشور بالجزيرة نت المعنون: الأبعاد الاقتصادية للحضور الإيراني في العراق).

وإذا تحققت مشروعات مماثلة لمشروع إنشاء خط قطار رابط بين بغداد وعمان لنقل البضائع مستقبلاً، فإن إيران قد تتمكن من التوسع اقتصادياً أكثر في المنطقة حتى منطقة شرق المتوسط في ظل توسعها الجيوسياسي غير المسبوق.
ـــــــــــــ
باحث مختص في الشأن الإيراني والعلاقات الدولية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة