خريطة طريق صعبة لحماية اليورو   
السبت 15/2/1434 هـ - الموافق 29/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 21:05 (مكة المكرمة)، 18:05 (غرينتش)
قادة أوروبا اتخذوا أربع خطوات لتحقيق الاندماج والخروج من أزمة الديون (رويترز)

أيهما يحل بجنوب أوروبا أولا، النمو الاقتصادي الذي يتيح للمواطنين رؤية النور في نهاية النفق أم مد الأحزاب المناهضة للوحدة الأوروبية التي قد تفوز في الانتخابات مستغلة قلق الناخبين من تدابير التقشف؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يترتب عليه بقاء اليورو، وهو أيضا السؤال الأصعب إجابة حسبما يرى فدريكو إستينبرغ كبير الباحثين في الاقتصاد الدولي بمعهد إلكانو الملكي.

وفي تحليل بصحيفة الباييس الإسبانية وموقع معهد معهد إلكانو يرى إستينبرغ -وهو أيضا أستاذ الاقتصاد بجامعة مدريد المستقلة- أنه منذ اندلاع أزمة الديون رسمت النخبة الأوروبية -بقيادة البلدان الدائنة هذه المرة- خريطة طريق من أجل إكمال البناء المؤسسي لليورو وضمان بقائه، ويتعلق الأمر بصعود سلم طويل وشاق يفترض أن يؤدي إلى الوحدة السياسية.

لكن بمقدار ما يتواصل صعود السلم يتحتم التعامل مع العقبات التي لا تنفك تظهر، وقد تشتت الانتباه عن الهدف النهائي مثل المخاوف القادمة من اليونان، والعقبات التي ظهرت من فنلندا، والغضب الذي ساد البنك المركزي الألماني، والضغوط الناتجة عن تقلب علاوة المخاطرة.

منذ اندلاع أزمة الديون رسمت النخبة الأوروبية -بقيادة البلدان الدائنة هذه المرة- خريطة طريق طويل وشاق من أجل إكمال البناء المؤسسي لليورو وضمان بقائه

درجات السلم
لكن إستينبرغ يرى أنه تم بالفعل صعود أولى درجات السلم عبر أربع خطوات تمثلت في توقيع المعاهدة المالية الأوروبية من أجل تشريع للسيطرة على معدلات العجز، وإنشاء صندوق أوروبي دائم للإنقاذ وهو بمنزلة أداة لإطفاء "الحرائق الصغيرة"،

وتمثل الخطوة الثالثة في إعلان البنك المركزي الأوروبي بأنه سيمثل جهة إقراض كملاذ أخير وسيشتري الديون المترتبة على البلدان التي تطلب المساعدة من بروكسل، وستشكل هذه آلية لإطفاء "الحرائق الكبيرة" كتلك التي قد تندلع في إسبانيا أو إيطاليا أو فرنسا. وأخيرا وضعت خريطة طريق نحو الاتحاد المصرفي الذي وضعت أجندة له على الطاولة.

بيد أن صعود كل درجة من السلم يفترض التخلي عن مقدار من السيادة، ويزيد هذا التخلي باطراد لصالح المؤسسات الأوروبية، كما يقتضي الموافقة على جملة من الضوابط التي تبدو شرعيتها الديمقراطية -على أقل تقدير- محل أخذ ورد.

"ألمنة" الاقتصادات
ومن طبيعة الحالة أنه لن يتفق الجميع على هذه الضوابط، لأن هذا لم يحصل يوما كما أنها لم "تطبخ" بتوازن في محور فرنسا ألمانيا، كما كان حصل على مر تاريخ البناء الأوروبي، بل وضعت للمفارقة في محور برلين-فرانكفورت الذي قبل بين الحين والآخر حضور مستشار من فرنسا أو من المفوضية الأوروبية.

وحسب خريطة الطريق الموضوعة ما زال السلم طويلا، وأول درجاته الاتحاد المالي ما يعني أنه بوسع المفوضية الأوروبية الاعتراض على الميزانيات الوطنية إذا لم تعجبها، وليس إنشاء سندات أوروبية أو ميزانية اتحادية كبيرة يمكن استغلالها لتحويل الموارد من الدول الأفضل نموا إلى تلك التي تعاني من الركود.

ثم يأتي بعد ذلك الاتحاد الاقتصادي أي انتهاج إصلاحات هيكلية -تحت إشراف الاتحاد الأوروبي- في بلدان الجنوب بما فيها فرنسا، بما يجعل أوروبا تسير نحو "ألمنة" الاقتصادات. أي اتخاذ النموذج الألماني.

ثم تأتي في آخر المطاف الوحدة السياسية، إذ يتوجب في النهاية مراجعة آليات تشريع المؤسسات الأوروبية الجديدة حين تصل الأمور إلى وضع لا تمتلك فيها الدول تقريبا السلطة على أي من عناصر السياسات الاقتصادية الوطنية، وهذا سيقتضي حوارا حول دمقرطة انتخاب كبار المسؤولين في المفوضية وكذلك إعطاء المزيد من الصلاحيات للبرلمان الأوروبي.

فدريكو إستينبرغ:
المشكلة الأبرز في خارطة التكامل الأوروبي هي أنها رسمت في غياب المواطنين، ويجب ألا يكون هذا مفاجئا، فالاتحاد الأوروبي كان دوما مشروع نخبة ونوعا من ممارسة دكتاتورية متنورة

"دكتاتورية متنورة"
لكن المشكلة الأبرز في هذه الخريطة -كما يرى الباحث- هي أنها رسمت في غياب المواطنين، ويجب ألا يكون هذا مفاجئا، فالاتحاد الأوروبي كان دوما مشروع نخبة، ونوعا من ممارسة "دكتاتورية متنورة" كانت "شرعيتها" تكمن في نتائجها الإيجابية. فحتى وقت قريب كان هذا النظام فعالا، ولم تكن نواقصه الديمقراطية تزعج أي أحد حين كانت سياسات الاتحاد تمكن المواطنين من التمتع بأفضل مستويات الرفاه في العالم.

غير أن المشكلة هي أن المواطنين، نظرا لقساوة الانكماش الحالي في جنوب أوروبا، لم يعودوا جاهزين لمواصلة صعود سلم البناء الأوروبي "على غير هدى دون أن يبين لهم متى ستنجح هذه السياسات في جلب النمو"، واستياء المواطنين الأوروبيين يمكن أن تستغله أحزاب تعد بأوضاع أفضل خارج اليورو وخارج أوروبا، ومع أن ذلك غير مؤكد فإن أعداد الراغبين في الإنصات إلى هذه الأحزاب يتزايد باطراد.

ومن هنا فإن على الزعماء الأوروبيين تطوير خطاب يشرح لماذا يجب تقديم التضحيات، بل إن هذا لكن يكون كافيا. إذ يجب في الوقت نفسه اتخاذ سياسات تتيح للمواطنين أن يلمحوا النور في نهاية النفق، أي أن يكون هناك نمو وفرص للعمل، وإذا لم يأت ذلك في الوقت الملائم فإن الكساد سينتهي إلى قتل الحلم الأوروبي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة