الانقراض يهدد صناعة السفن بالإسكندرية   
يخشى الكثير من الصناع الحاليين التناقص التدريجي للمصانع والورش (الجزيرة نت)
  أحمد عبد الحافظ-الإسكندرية
 
تواجه صناعة السفن في محافظة الإسكندرية شمالي مصر تحديات ومعوقات عديدة تهدد بانقراض هذه المهنة التي تعد جزءا من تراث المدينة، ويتوارثها صناعها عن آبائهم جيلا بعد جيل، بينما يسعى العاملون بها لمواجهة صعوبات تعصف بهذه الصناعة، بالإضافة إلى عزوف الشباب عنها.

ويخشى الكثير من الصناع الحاليين التناقص التدريجي للمصانع والورش التي تعد جزءا من تراث المدينة بعد غلق عدد كبير منها بسبب قرارات حكومية بعدم إصدار تراخيص لبناء سفن جديدة تعمل داخل حدود المياه الإقليمية لمصر دون توفيق أوضاع أصحابها.

ويعزو الحرفيون السبب في هذه الحال إلى غض بصر المسؤولين عن مشاكلهم، مما يعرضهم للبطالة وقلة الدخل وسيطرة المصانع الكبرى والمزودة بأحدث الإمكانيات على سوق البيع، فضلا عن عدم الاهتمام بين الشباب بتعلم الحرف التقليدية لعدم جدواها.
 
 أبو شنب: صناعة السفن جزء
من شخصية أهل هذه المدينة
 (الجزيرة نت)
انقراض
على شاطئ الأنفوشي بغرب الإسكندرية، يحرص الحاج زكريا أبو شنب -الذي يعتبر أحد أشهر العاملين في صناعة السفن والمراكب- على قضاء ساعات طويلة بين أخشابه وآلاته ومعداته داخل ورشته التي ورثها عن أجداده حتى صار ارتباطه بها كالسمك بالماء إذا خرج منه مات، كما يقول للجزيرة نت.

وأضاف بنبرة حزينة أن "صناعة السفن تكاد تكون انقرضت للأسف في الفترة الأخيرة بسبب القرارات الحكومية، وعدم توفر الدعم اللازم لها من جهات عدة، فضلا عن انعدام الطلب على صناعة المراكب واليخوت مقارنة بالسابق، للدرجة التي جعلت البعض يصنع مركبا واحدا في العام بأكمله، لذلك اكتفينا بأعمال الصيانة والترميم للسفن القديمة".

وعن علاقته بحرفة صناعة السفن، يقول أبو شنب "أغلبنا وُلد وعاش طيلة سنوات حياته في هذه المنطقة، ولم يتعلم سوى هذه الصناعة، ونحن لم نعتبرها فقط مصدر دخل لنا، بل هي جزء من شخصية أهل هذه المدينة العريقة التي عاصرت وامتزجت بحضارات العالم".

صناعة السفن في الإسكندرية
حرفة تتوارثها الأجيال
(الجزيرة نت)

حرفة موروثة
بدوره، أوضح عضو مجلس إدارة جمعية صناع السفن بالإسكندرية إبراهيم القبطان (56 عاما) أن عائلات كثيرة امتهنت هذه الحرفة بعد أن ورثوها عن أجدادهم وآبائهم وعلموها لأبنائهم وأحفادهم، إلا أن عددا كبيرا منهم اضطروا لإغلاقها أو تسريح عدد من العمالة توفيرا للنفقات لعدم قدرتهم على منافسة المصانع الكبيرة.

وأشار إلى انتشار هياكل لعدد من اليخوت والمراكب الخشبية أو الحديدية لم يتم الانتهاء من تصنيعها بعد أن توقف أصحاب الورش عن المضي قدما في تنفيذها بسبب قرار وقف بناء السفن الجديدة سواء للصيد أو السياحة مما يعرضهم للبطالة وقلة الدخل، خاصة أنهم لا يعرفون مهنة غيرها.

وحكى القبطان للجزيرة نت ذكرياته مع المهنة التي امتدت لأكثر من 46 عاما، وكيف شاهد عشرات السفن واليخوت لملوك وأمراء ومشاهير سواء في مصر أو الدول العربية تم تشييدها داخل ورش المنطقة بمعرفة أمهر الصناع لدرجة جعلت منطقة الأنفوشي من المعالم الأثرية والسياحية للمدينة التي يحرص عليها السائح ليتعرف ويشاهد بنفسه طريقة الدقة والحرفية في التصنيع.

إبراهيم له ذكريات مع المهنة
امتدت لأكثر من 46 عاما
(الجزيرة نت)

أقدم الصناعات
من جهته عدد عبد المنعم حسني (56 عاما) -وهو أحد العاملين في ورش تصنيع السفن بالمنطقة- الصعوبات التي تواجه هذه النوعية من العمل، ورغم ذلك فمعظم العاملين فيها محرومون من جميع الخدمات الأخرى، فلا يوجد تأمين ولا رعاية صحية.

وأكد أن أنواع المراكب التي تصنع في الورشة تتفاوت بين اليخوت السياحية والصيد بأحجامها المختلفة والخشب المستخدم، وأن وقت الانتهاء من صناعتها يتوقف على طولها وعدد العاملين فيها. 

بدوره، قال اللواء أحمد أبو طالب رئيس حي الجمرك (وحدة السلطة المحلية في المنطقة) إن صناعة السفن في الإسكندرية أقدم الصناعات وأبرزها وأكثرها رقيًا وارتباطًا بالثقافة "السكندرية" القديمة والأصيلة، مبديًا انزعاجه من اندثارها وتشريد العاملين فيها.

وأضاف أبو طالب في حديثه للجزيرة نت أن ما يحدث مع صناع السفن من كساد بسبب المصانع الكبيرة والمتطورة والتي تمتلك أحدث أساليب العمل التكنولوجية، لا يجري عليهم وحدهم، بل هو توغل من الآلة على كل ما له علاقة بالجهد البشري والتصنيع اليدوي القديم الذي يحمل رائحة الماضي، مضيفًا أن الدولة لا تملك أي وسائل تحفيز وتشجيع ودعم للصناع اليدويين المهرة في مواجهة الأجهزة والمصانع العملاقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة