الرئيس شي جين بينغ ودروس سنغافورة   
الاثنين 1434/1/6 هـ - الموافق 19/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:35 (مكة المكرمة)، 16:35 (غرينتش)
ينبغي لقادة الصين الجدد أن يعيدوا أولاً تقييم الدور الذي يلعبه الحزب كمدافع عن الصالح العام (الفرنسية)

*مايكل سبنس

الصين تبلغ النقطة الحاسمة
سنغافورة ستظل نموذجا يحتذى
شرعية الحزب الواحد

الصين تبلغ النقطة الحاسمة
بلغت الصين نقطة حاسمة اليوم كما كانت الحال عام 1978عندما فتحت إصلاحات السوق -التي أطلق لها العنان دينغ شياو بينغ- اقتصاد البلاد على العالم.

وكما كانت الحال مرة أخرى أوائل تسعينيات القرن الماضي عندما أكَّدَت "جولة الجنوب" الشهيرة التي قام بها دينغ من جديد على مسار التنمية في البلاد.

وطوال هذا الوقت، كانت الأمثلة والدروس المستفادة من دول أخرى تشكل أهمية خاصة.

ووفقاً للتقارير فإن دينغ تأثر بشكل كبير بزيارة مبكرة قام بها إلى سنغافورة، التي بدأت النمو المتسارع والازدهار قبل الصين بعقود من الزمان.

إن فهم النجاحات التي حققتها دول نامية أخرى وأوجه القصور التي عابت مسيرتها كان ولا يزال يشكل جزءاً مهماً من النهج الذي سلكته الصين في صياغة إستراتيجية النمو.

ومثل سنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان في العقود القليلة الأولى من النمو الحديث، كانت الصين خاضعة لحكم الحزب الواحد.

أما في سنغافورة فلا يزال حزب العمل الشعبي مهيمنا، ولو أن هذا يبدو وكأنه بدأ يتغير.

وتطورت الدول الأخرى إلى ديمقراطيات متعددة الأحزاب أثناء فترة الانتقال إلى دول ذات دخل متوسط. والصين أيضاً بلغت الآن هذه المحطة الحاسمة الأخيرة في مسيرتها الطويلة نحو اكتساب مكانة الدولة المتقدمة من حيث البنية الاقتصادية ومستويات الدخل.

سنغافورة ستظل نموذجا يحتذى
وستظل سنغافورة تشكل نموذجاً يحتذى به للصين، على الرغم من حجمها الأصغر.

فنجاح كلا البلدين يعكس العديد من العوامل المساهمة، بما في ذلك مجموعة من صناع السياسات البارعين المتعلمين الذين ظهروا بفضل نظام اختيار قائم على الجدارة، ونهج عملي تجريبي منضبط وتقدمي في التعامل مع السياسات.

الأمر الذي أدركه مؤسس سنغافورة لي كوان يو وزملاؤه وخلفاؤه أن التركيبة التي تتألف من حزب الحكم الواحد والفساد تركيبة سامة. فإذا كنت تريد الفوائد التي يتيحها حكم الحزب الواحد فلا يمكنك أن تسمح بالفساد

والدرس الرئيسي الآخر المستفاد من سنغافورة هو أن حكم الحزب الواحد احتفظ بشرعيته الشعبية بفضل توفير النمو الشامل وتكافؤ الفرص في مجتمع متعدد الأعراق، والقضاء على الفساد بكافة أشكاله، بما في ذلك المحسوبية والنفوذ المفرط لأصحاب المصالح الخاصة.

والأمر الذي أدركه مؤسس سنغافورة لي كوان يو وزملاؤه وخلفاؤه أن هذه التركيبة التي تتألف من حزب الحكم الواحد والفساد تركيبة سامة. فإذا كنت تريد الفوائد التي يتيحها حكم الحزب الواحد فلا يمكنك أن تسمح بالفساد.

ويشكل التماسك والآفاق الزمنية الطويلة والحوافز المناسبة، والمهارات القيادية القوية، والقدرة على اتخاذ القرار، بعض الجوانب المرغوبة لاكتساب القدرة على الاستمرار في الحكم، وبخاصة في ظل نظام قائم على الجدارة ومسؤول عن إدارة تحولات بنيوية معقدة.

ولحماية هذا والحفاظ على التأييد الشعبي للاستثمارات والسياسات التي تدعم النمو، كان لزاماً على سنغافورة أن تمنع الفساد من اكتساب موطئ قدم، وأن ترسخ الثبات والتماسك في تطبيق القواعد.

ولقد فعل لي كوان يو هذا على وجه التحديد، مع تقديم حزب العمل الشعبي لكل ما يستطيع أن يقدمه نظام رسمي كامل من تحمل للمساءلة.

والصين أيضاً ترغب على الأرجح في الحفاظ على فوائد حكم الحزب الواحد -ولو لفترة من الوقت- وتأخير التحول إلى حكومة "أكثر فوضوية" تؤثر عليها أصوات متعددة.

والواقع أن النظام التعددي بدأ ينشأ بالفعل تحت مظلة الحزب الشيوعي الصيني، وهي العملية التي قد تؤدي في النهاية إلى اكتساب المواطنين صوتاً مؤسسياً في السياسة العامة.

ولكن في الوقت الحالي لا تملك تلك العناصر التي أضيفت تدريجياً القدر الكافي من القوة للتغلب على الفساد المتنامي والنفوذ المفرط الذي يتمتع به أصحاب المصالح الخاصة.

شرعية الحزب الواحد
وللحفاظ على شرعية الحزب الواحد -وبالتالي القدرة على الحكم- فإن هذه المصالح الأضيق لابد وأن يتم تجاوزها من أجل الصالح العام. وهذا هو التحدي الذي تواجهه القيادة الجديدة في الصين الآن.

وإذا نجح زعماء الصين، فسوف يكون لديهم بعض الحجج المعقولة والدقيقة بشأن الدور المتطور للدولة في اقتصاد بلادهم، وهي المناقشة التي تدور حول الجدارة والاستحقاق.

ويعتقد العديد من المستشارين من الداخل والخارج أن دور الدولة لابد أن يتغير (وليس بالضرورة أن يتقلص) من أجل خلق الاقتصاد الديناميكي المبدع الذي يشكل الأساس لتوجيه عملية الانتقال إلى وضع الدولة ذات الدخل المتوسط. ولكن يظل هناك العديد من المناطق حيث يتطلب الأمر المزيد من المناقشة والاختيار.

لقد اكتسب لي كوان يو في سنغافورة وماو تسي دونغ في الصين ثقة شعبيهما باعتبارهما مؤسسين ومصلحين.

ولكن هذه الثقة تتبدد. فلا ترثها الأجيال التالية من الزعماء كاملة، بل يتعين على الزعماء الجدد أن يكتسبوها. وهذا سبب أقوى لحرصهم على استخلاص العبر من دروس التاريخ.

وينبغي لقادة الصين الجدد أن يعيدوا أولاً تقييم الدور الذي يلعبه الحزب كمدافع عن الصالح العام من خلال خلق البيئة التي لا تمكن أصحاب المصالح الضيقة الساعين إلى حماية نفوذهم المتنامي وثرواتهم من تلويث خيارات السياسة المعقدة.

ينبغي لقادة الصين الجدد أن يعيدوا أولاً تقييم الدور الذي يلعبه الحزب كمدافع عن الصالح العام من خلال خلق البيئة التي لا تمكن أصحاب المصالح الضيقة الساعين إلى حماية نفوذهم المتنامي وثرواتهم من تلويث خيارات السياسة المعقدة

ويتعين عليهم أن يثبتوا أنهم أمناء على قوة الحزب وشرعيته وأصوله الأساسية لصالح كل مواطني الصين، وذلك في المقام الأول من خلال تعزيز نمط من النمو الشامل ونظام قائم على تكافؤ الفرص والجدارة. ثم يتعين عليهم أن يعودوا إلى المهمة المتمثلة في إدارة الأمور في بيئة محلية وعالمية معقدة.

هناك أوقات عندما يصبح التخبط -أو بالصينية عبور النهر بتحسس الأحجار- هو استراتيجية الحكم السليمة، وهناك أوقات أخرى تصبح فيها إعادة ضبط القيم والاتجاهات بجرأة أمراً مطلوبا. والزعماء الناجحون يعرفون هذه الأوقات عندما تأتي.

وقد يبدو تحسس الأحجار وكأنه الخيار الأكثر أماناً لرئيس الصين القادم شي جين بينغ، وزعماء الصين الآخرين.

ولكن الواقع أن هذا الخيار هو الأكثر خطورة. فالخيار الوحيد الآمن هو إعادة ترتيب الحزب جذرياً بما يتفق مع الصالح العام.

القضية إذن هي ما إذا كان الإصلاحيون الذين يحملون الروح الحقيقية لثورة 1949 سوف يفوزون بالمعركة من أجل النمو العادل والشامل.

وتتلخص وجهة النظر المتفائلة (والواقعية في اعتقادي) في أن الشعب الصيني سوف يلقي بثِقَله، عبر مجموعة متنوعة من القنوات بما في ذلك وسائل الإعلام الاجتماعية، لتمكين الإصلاحيين من المضي قدماً في تنفيذ أجندة تقدمية.

الوقت وحده كفيل بأن ينبئنا بما قد يحدث. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر أهمية النتائج بالنسبة لبقية العالم.

فكل الدول النامية تقريبا -وعلى نحو متزايد الدول المتقدمة أيضا- سوف تتأثر بطريقة أو أخرى، بينما تكافح هي الأخرى من أجل تحقيق النمو المستقر المستدام وأنماط تشغيل العمالة الثابتة.
______________________________________
* حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد بكلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة