تمويل التنمية المصرية بين الداخل والخارج   
الثلاثاء 1433/12/8 هـ - الموافق 23/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:24 (مكة المكرمة)، 12:24 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

في ظل معدل نمو سكاني سنوي يربو على 1.9%  بمصر يكون من الضروري أن تصل معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي بما لا يقل عن 6%، حيث يشترط أن يكون معدل النمو ثلاثة أضعاف معدلات النمو السكاني على الأقل. إلا أن الواقع يشير إلى أن الاقتصاد المصري لم يعرف هذه المعدلات منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وليس هذا المؤشر فحسب هو ما يدفع لضرورة التنمية المستدامة بمصر، فهناك معدلات البطالة التي تناهز نسبة 15%، ومعدلات الفقر التي تشمل نحو 43% من السكان. ومشكلات الإسكان التي تتطلب توفير ستمائة ألف وحدة سكانية سنويًا لا يتم إلا توفير نحو 250 ألفا على أحسن التقديرات، وكذلك غياب خدمات الصرف الصحي عن نحو  67% من السكان.

وتتبنى مصر عبر برنامجها الرئاسي خطة طموحا للتنمية من خلال مشروعات كبرى بالساحل الشمالي وإقليم قناة السويس، وشبه جزيرة سيناء. مع وعود بتقليص عجز الموازنة، وخفض معدلات البطالة، وتراجع بمعدلات التضخم، وارتفاع متوسط دخل الفرد.

ولكن كل هذه الطموحات والخطط ما لم يتح لها تمويل يعمل على نقلها لأرض الواقع، فسوف تحدث حالة إحباط. قد تفقد الأفراد الكثير من الإحساس الإيجابي الذي أحدثته تغييرات ثورة 25 يناير.

معظم الاحتياجات الاستثمارية لا يقبل عليها القطاع الخاص لأنها مشروعات طويلة الأجل فضلا عن كبر حجم التمويل المطلوب الذي يفوق إمكانيات كثير من مؤسسات القطاع الخاص

تحديات التمويل
لاشك أن احتياجات التنمية في مصر لا تخطئها عين، وكثير من الدراسات وتقرير التنمية البشرية في مصر منذ عام 1994 عددت هذه الاحتياجات بمختلف المجالات الصحية والتعليمية والإنتاجية، والمرافق الأساسية، ومجالات التكنولوجيا. ولكن تبقى القضية في تمويل هذه الاحتياجات.

 فمعظم هذه الاحتياجات لا يقبل على الاستثمار فيها القطاع الخاص، لأنها مشروعات طويلة الأجل، فضلا عن كبر حجم التمويل المطلوب الذي يفوق إمكانيات كثير من مؤسسات القطاع الخاص المصري.

 كما أن معدلات الادخار القومي تتراوح ما بين 15% و17% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما معدلات التنمية المطلوبة تستلزم حجم استثمارات يتراوح ما بين 25% و30% من الناتج المحلي الإجمالي. وهو ما يعني أن هناك فجوة بين المدخرات والاستثمارات القومية.

لقد ورثت مصر بعد الثورة وضعًا ماليًا مختلًا، تمثل في دين عام محلي وصل لنحو 1.3 تريليون جنيه مصري، يمثل ما يزيد على 75% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية، وما يزيد على 95% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة.

فضلًا عن مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الاقتراض من الجهاز المصرفي، مما تسبب في نضوب السيولة بالجهاز المصرفي. وبطء تمويل المشروعات الإنتاجية والخدمية بالشكل المطلوب.

وفي نفس الوقت هناك مخاوف من الدخول في دوامة الاقتراض الخارجي، الذي يصل لنحو 34 مليار دولار، ويخشى أن يتم تمويل التنمية عبر هذا المضمار، فتدخل مصر ثانية في دوامة الديون الخارجية، وبخاصة أن بوابة الاقتراض الخارجي لا تولج إلا عبر موافقة  صندوق النقد الدولي. وهو مؤسسة ذات سمعة سيئة في الدول النامية بشكل عام، وفي مصر بشكل خاص.

وقد كانت نتائج تجربة الإصلاح الاقتصادي مطلع تسعينيات القرن الماضي فاجعة لتداعياتها السلبية على الصعيد الاجتماعي، بسبب شروط البنك والصندوق الدوليين. حيث سُرح عمال القطاع العام وتمت خصخصة جزء كبير منه. وزادت البطالة، واتسعت رقعة الفقر، بعد أن رفعت الدولة يدها عن تقديم الخدمات أو دعمها بالشكل الكافي في مجالات التعليم والصحة.

وبقيت نوافذ أخرى تتعلق بالاقتراض الخارجي، وهي الاتفاقيات الحكومية الثنائية، أو الاقتراض من البنوك التجارية. وقد أسفرت تجربة الأشهر القليلة الماضية عن قرض وحيد مع تركيا بنحو مليار دولار. وقروض أقل في حدود 350 مليون دولار أو خمسمائة مليون على أقصى تقدير من قطر والسعودية.

وهذه القروض أتت في إطار معالجة مشكلات عاجلة لا تتعلق كثيرا بقضايا ومتطلبات التنمية، شأنها شأن الودائع السعودية والقطرية، التي توظف لصالح احتياطي النقد الأجنبي، أو تمويل بعض احتياجات الموازنة العامة للدولة في مصر.

أما الاقتراض من البنوك التجارية بالسوق الدولية، فلا تتوافق ومتطلبات التنمية بمصر، فطبيعة هذه القروض أنها قصيرة الأجل وذات سعر فائدة مرتفع. بينما مشروعات التنمية طويلة الأجل تتطلب أسعار فائدة متدنية، وفترات سماح تتواكب وطبيعة العائد من مشروعات التنمية.

وفي إطار التفكير الحكومي للبعد عن آلية الاقتراض، وتوفير تمويل أفضل، طُرحت أفكار عدة تتعلق بالاستفادة من موارد المصريين بالخارج، فكان من بين تلك الأفكار طرح الأراضي السكانية على المغتربين على أن تسدد قيمتها بالدولار.

غير أن الواقع العملي لم يسفر عن نتائج تذكر، يمكن الاعتماد عليها. وثمة فكرة أخرى طرحت مؤخرا بإنشاء صندوق استثمار يساهم فيه المصريون بالخارج بنحو 60% من رأس ماله، وبقية رأس المال مناصفة بين الحكومة ومشاركات عربية. إلا أن الإعلام عن الفكرة لم يشر إلى حجم رأس مال الصندوق، أو ماهية المشروعات المزمع تنفيذها.

على الدولة المصرية تبني برنامج حقيقي لإصلاح الموازنة العامة بحيث يتم تقليص العجز، والخروج من الحلقة المغلقة لدوامة الدين والعجز، وتنفيذ حقيقي للحد الأقصى للأجور، والبعد عن الخطوات الإجرائية التي لا تمس صلب عملية الإصلاح وترشيد حقيقي للإنفاق العام

استشراف الحل
لابد أن نذكر أن قضية تمويل التنمية من القضايا التي واجهت العديد من الدول التي أنجزت أشواطا إيجابية على طريق التنمية. ويمكن لمصر أن تستفيد من تلك التجارب في ضوء احتياجاتها والظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بها، داخليا وإقليميا وعالميا. ويتصور أنه بوسع مصر أن تستفيد من الآليات الآتية:

  • تعظيم المدخرات المحلية: الحديث عن معدلات ادخار قومي في مصر يتراوح بين 15% و17%، قد لا يعبر عن الواقع الحقيقي لمدخرات المصريين. والدليل على ذلك المدخرات غير الرسمية، التي ظهرت بوضوح إبان عمليات الاكتتاب التي شهدتها البورصة المصرية السنوات الماضية.

وتتطلب معالجة الأمر البحث عن وسائل لإخراج هذه المدخرات من الإطار غير الرسمي إلى الإطار الرسمي. ولن يحقق هذا الأمر نجاحا إلا إذا كان لدى مؤسسات الاستثمار والتمويل الرسمية عائد يفوق معدلات التضخم السائدة بالاقتصاد المصري.

  • تبني برنامج حقيقي لإصلاح الموازنة العامة للدولة، بحيث يتم تقليص العجز، والخروج من الحلقة المغلقة لدوامة الدين والعجز. ولن يكون ذلك إلا بإعلان برنامج واضح لإصلاح منظومتي الأجور والدعم، وتنفيذ حقيقي للحد الأقصى للأجور، والبعد عن الخطوات الإجرائية التي لا تمس صلب عملية الإصلاح داخل هاتين المنظومتين. ثم وجود ترشيد حقيقي للإنفاق العام. وبذلك يكون لدى مصر موازنة يمكن تحمل أعبائها بالأجلين المتوسط والطويل.
  • أن تتم مخاطبة المصريين بالخارج، الذين تصل تحويلاتهم السنوية وفق آخر الإحصاءات إلى 18 مليار دولار، من خلال برامج ومشروعات محددة، توفر لها دراسات جدوى. أما الكلام المرسل عن صناديق للاستثمار أو غيرها من الوسائل، أو استهلاك عواطفهم فلن يؤدي إلى نتائج يمكن الاعتماد عليها في تمويل التنمية.
  • الدخول على وجه السرعة في مشروعات الاستثمار الأجنبي التي أعلن عن إبرام عقود بشأنها مع الصين وقطر، والتي يقدر حجمها بنحو 24 مليار دولار. ومن شأن تفعيلها تشجيع مستثمرين آخرين لجلب استثماراتهم إلى مصر.
على الإدارة المصرية الاستفادة من سوق التمويل الإسلامي، وبخاصة آلية الصكوك الإسلامية، ولكن في ضوء صيغ المشاركة والمضاربة، والبعد عن صيغة المرابحة

وعلى جانب آخر في هذا المجال يجب أن تطوي مصر مشكلاتها مع المستثمرين الأجانب الذين أوقفت مشروعاتهم بسبب ما شاب عقودها من فساد مع أركان النظام السابق.

  • الاستفادة من سوق التمويل الإسلامي، وبخاصة آلية الصكوك الإسلامية، ولكن في ضوء صيغ المشاركة والمضاربة، والبعد عن صيغة المرابحة، أو بمعنى آخر البعد عن كل وسيلة من شأنها الاعتماد على التمويل قصير الأجل ومرتفع التكلفة، واتباع الوسائل التي تعتمد على الأجل الطويل والمشاركة في العائد.
  • قصرت مصر تجاربها في الاقتراض على بعض الدول دون الأخرى، فماليزيا والدول الصاعدة الأخرى بآسيا وأميركا اللاتينية، لم تسع مصر للتفاوض معها للحصول على قروض لتمويل مشروعاتها التنموية. لقد كللت تجربة الاقتراض من تركيا بنجاح، فما المانع من خوض التجربة مع دول أخرى، على أن يكون الاقتراض الخارجي لتمويل مشروعات إنتاجية أو خدمية يمكنها سداد القرض والتزاماته، ولا يستخدم في سد عجز الموازنة.
  • الاقتراض من صندوق النقد الدولي، هو الأقل من حيث تكلفة التمويل، والأكثر مزايا من حيث فترات السداد والسماح.

ولكن ماذا عن متطلبات الصندوق؟ وقد تكون هذه هي التكلفة الحقيقية التي تفوق انخفاض التكلفة أو طول فترات السداد والسماح.

 لقد قيل إن مصر ستصر على أن تكون آلية التعامل لتكلفة القرض في ضوء إعادة التكيف لتكون مصاريف إدارية، وليس سعر فائدة على القرض المنتظر، والذي تقدر قيمته بنحو 4.8 مليارات دولار. ولكن النجاح الذي يمكن أن يحسب للحكومة المصرية أن تنفذ برنامجا وطنيا لا يمس محدودي الدخل. وأن يلمس المواطنون تحسنا في الخدمات التي سيمولها القرض، وأن تقدم الحكومة للرأي العام برنامجها للتخفيف من عبء الدين العام الذي يثقل كاهل الموازنة.

  • يغيب عن البعض إمكانية الاستفادة من وجود مشروعات مشتركة بين مصر ودول عربية، على أن تتيح مصر الأرض والعمالة المدربة والإدارة، ويتيح الجانب العربي التمويل، على أن تقيم عوائد المشروع بناء على حصص محددة لكل من عناصر الإنتاج. ولكن لابد أن يتم التركيز على مبدأ المصلحة المشتركة للطرفين في اختيار المشروعات.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة