التحول للاستعانة بخبرات مصرفية أجنبية   
الأحد 29/5/1435 هـ - الموافق 30/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)

تحول متزايد نحو المصرفيين الأجانب
تنوع وجهات النظر
تجنب أسلوب التفكير الجماعي

تحول متزايد نحو المصرفيين الأجانب
هل يمكنك أن تتخيل مواطنا فرنسيا يُنتخَب رئيسا للولايات المتحدة، أو رئيس وزراء يابانيا للمملكة المتحدة، أو مستشارا مكسيكيا لألمانيا؟ لا أظن.

والواقع أنه حتى لو لم تكن هناك عقبات قانونية، فمن الصعب أن نتخيل الناخبين في أي بلد ديمقراطي ينصبون أجنبيا في أعلى منصب بحكومتهم.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية تحولت الدول على نحو متزايد نحو الأجانب والأشخاص من ذوي الخبرة الأجنبية الكبيرة لتكليفهم بتولي المنصب الذي يعتبر عادة ثاني أهم منصب في أي بلد، ألا وهو منصب رئيس البنك المركزي.

كما أظهر الدور الأساسي الذي لعبته البنوك المركزية في تحقيق التعافي من الأزمة الاقتصادية العالمية بعد عام 2008، فإن السياسة النقدية لابد أن تكون مرنة ومبدعة, وهنا من الممكن أن تصبح وجهات النظر المختلفة التي يجلبها الأجانب مفيدة

لكن ما الذي دفع نحو هذا التحول، وهل ينبغي لنا أن نرحب به أو نثبطه؟

رشح الرئيس الأميركي باراك أوباما في يناير/كانون الثاني ستانلي فيشر ليخلف جانيت يلين في منصب نائب رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي.

وفيشر مهاجر أميركي من جنوب أفريقيا شغل منصب محافظ بنك إسرائيل في الفترة من 2005 حتى العام الماضي.

وفي يوليو/تموز 2013 أصبح مارك كارني -الكندي الذي شغل منصب محافظ البنك المركزي في بلده الأصلي- أول أجنبي يتولى قيادة بنك إنجلترا طوال تاريخه الذي يقرب من 320 عاما.

وعلى نحو مماثل، قضى باتريك هونوهان محافظ بنك إيرلندا المركزي -الذي يحظى باحترام واسع- ما يقرب من عشرة أعوام في البنك الدولي بواشنطن العاصمة، وأحد نوابه سويدي من ذوي الخبرة في هيئة النقد في هونغ كونغ، ونائبه الآخر فرنسي.

ويشكل هذا انحرافا كبيرا عن التقليد المتمثل في شغل أعلى المناصب القيادية في البنوك المركزية بأشخاص أمضوا أغلب حياتهم المهنية هناك، وهو التقليد الذي سمح بمرور الوقت بسيطرة "تفكير القطيع" على البنوك المركزية.

ومع ترسخ أيديولوجية أو طريقة تفكير معينة، يهدر صانعو السياسات على نحو متزايد -سواء باختيارهم أو بفعل القصور الذاتي- فرص تغيير وتجديد نشاط هذه المؤسسات الحيوية وتحسين إدارتها.

وكما أظهر الدور الأساسي الذي لعبته البنوك المركزي في تحقيق التعافي من الأزمة الاقتصادية العالمية بعد عام 2008، فإن السياسة النقدية لابد أن تكون مرنة ومبدعة، وهنا من الممكن أن تصبح وجهات النظر المختلفة التي يجلبها الأجانب مفيدة.

تنوع وجهات النظر
وتسلط تجربة مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) -التي شكلتها بنية السلطة غير المركزية تاريخيا- الضوء على الفوائد المترتبة على عملية صنع السياسات التي تتسم بوجهات نظر متنوعة، فعندما تأسس الاحتياطي الاتحادي قبل قرن من الزمان كانت السلطة النقدية موزعة عبر 12 بنكا احتياطيا إقليميا، وكل منها كان يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، وكان إطلاق مسمى "محافظ" على كل من رؤساء البنوك الاحتياطية الإقليمية، وهو اللقب نفسه الذي يُمنَح لرؤساء البنوك المركزية الأوروبية العريقة، مؤشرا ذا دلالة على سلطتهم.

لكن في أعقاب أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين بات من الواضح أن مثل هذه الإدارة اللامركزية منعت الاحتياطي الاتحادي من صياغة وتنفيذ سياسة نقدية متماسكة، وتم "تخفيض" رتبة رؤساء البنوك الإقليمية من محافظين إلى "رؤساء"، وهي المرة الأولى والوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي كان فيها الانتقال من محافظ إلى رئيس تخفيضا للرتبة، وأصبحت السلطة متركزة في مجلس المحافظين ومقره بواشنطن العاصمة.

ورغم هذا ظل إرث مهم من النظام السابق باقيا، فكل من البنوك الإقليمية يحتفظ بإدارة بحوث خاصة به، ويجلب نهجا مختلفا في مناقشة إدارة السياسة النقدية. وبعبارة أخرى، لا تزال بنية الاحتياطي الاتحادي الأميركي تعزز مزيجا قويا ومتنوعا من وجهات النظر، وهو ما تفتقر إليه بشكل حاد العديد من البنوك المركزية الأخرى.

إن تجنب تفكير القطيع أمر أساسي لتطوير سياسات فعالة ومبدعة وقادرة على الاستجابة لتحديات السياسة النقدية الجديدة، وهذا يتطلب عملية مرنة وديناميكية في صنع السياسات

ولنتأمل هنا بنك كندا، قبل سنوات مضت قام أحد الموظفين في أحد البنوك الاحتياطية الإقليمية بعقد مقارنة بين الاستجابات لعرض أبحاثه في الولايات المتحدة وكندا، وفي حين جلب خبراء الاقتصاد العاملون بنظام الاحتياطي الاتحادي الأميركي وجهات نظر متباينة لمناقشة السياسة النقدية بدا الأمر وكأن نظراءهم الكنديين يشتركون في "وجهة نظر بنك كندا" الموحدة.

تجنب أسلوب التفكير الجماعي
وقد وجدت مراجعتان مستقلتان لبنك إنجلترا نشرتا في أعقاب الأزمة المالية العالمية نقصا مماثلا بالتنوع الفكري والمناقشات القوية، وقد لاحظت إحداهما أن العاملين في بنك إنجلترا كانوا يميلون إلى "تصفية وترشيح" نصائحهم بحيث تصبح سائغة لدى رؤسائهم، وخلصت الأخرى إلى أن الأزمة سلطت الضوء على مدى الخطأ الذي انطوت عليه وجهة النظر المجمع عليها، وأوصت بتبني نهج جديد يضع في الاعتبار وجهات نظر متباينة، ولعل هذه الرغبة في التغيير أسهمت في تعيين كارني محافظا جديدا للبنك، وقراره الأخير بجلب المزيد من الخبراء من الخارج إلى قيادة البنك.

إن تجنب تفكير القطيع أمر أساسي لتطوير سياسات فعالة ومبدعة وقادرة على الاستجابة لتحديات السياسة النقدية الجديدة، وهذا يتطلب عملية مرنة وديناميكية في صنع السياسات.

والنبأ السار هنا هو أن البنوك المركزية لديها خيارات لإثراء مناقشاتها للسياسات، حتى من دون الاستفادة من حجم الاحتياطي الاتحادي الأميركي وبنيته وانتشاره الجغرافي، فبادئ ذي بدء يمكنها أن تؤسس لجنة من خبراء الخارج أو تفويض مراجعات خارجية منتظمة للسياسات وعملية صنع السياسات، ولا تحدث مثل هذه المراجعات عادة إلا بعد وقوع أزمة عندما يكون الأوان قد فات.

وثمة حل آخر يتلخص في تعيين محافظ من خارج البنك المركزي، ويفضل أن يتمتع بخبرة خارجية كافية لتجنب الوقوع في أسر تفكير القطيع.
ــــــــــــــــــــ
أستاذ الاقتصاد في جامعة ويسليان، وباحث زائر في معهد العلوم الاجتماعية الكمية بجامعة هارفارد. أحدث مؤلفاته كتاب "خطأ: تسع كوارث في السياسة الاقتصادية وماذا يمكننا أن نتعلم منها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة