الأعباء الاقتصادية والاجتماعية في موازنة مصر   
الأربعاء 1437/9/4 هـ - الموافق 8/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:52 (مكة المكرمة)، 16:52 (غرينتش)

عبد الحافظ الصاوي

الملامح العامة للموازنة
الأعباء الاقتصادية
الأعباء الاجتماعية

عدد من القرارات السلبية تلقاها المصريون قبل أن تعرض الحكومة بيانها المالي أمام مجلس النواب عن موازنة العام المالي الجديد 2016-2017 في 22 مايو/أيار الماضي، حيث تم الإعلان عن قرار باعتماد رئيس الجمهورية لاتفاقية تحصل مصر بموجبها على قرض بقيمة 25 مليار دولار من روسيا لتمويل إنشاء مجموعة من المفاعلات النووية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الدين العام الخارجي بنحو 50% دفعة واحدة.

أما القرار الثاني فكان يتعلق بواحدة من السلع الضرورية وهي الدواء، حيث اتخذت حكومة مصر قرارا بزيادة أسعار الأدوية التي يقل سعرها عن ثلاثين جنيها بنسبة 20%، مما أدى إلى حالة من السخط في الأوساط الشعبية والفقيرة، وبخاصة تلك التي لا تتمتع بأية حماية من خلال برامج التأمين الصحي.

النواب ممنوعون من الحديث عن السياسة النقدية في وسائل الإعلام بقرار من رئيس المجلس (أسوشيتد برس)

وتعد موازنة العام المالي 2016-2017 هي الأولى التي يناقشها مجلس النواب بعد الانقلاب العسكري بمصر في يوليو/تموز 2013، إذ ظلت موازنات العامين الماضيين تعتمد دونما وجود سلطة تشريعية، إلا أن تصريحات رئيس مجلس النواب علي عبد العال حول عدم السماح للنواب بمناقشة ما يتعلق بالسياسة النقدية للحكومة كانت صادمة، فالمفترض أن سلطة اعتماد الموازنة هي من أخص خصوصيات أعضاء مجلس النواب، ويقتضي الأمر ألا توضع عليهم أية قيود في توجيه انتقادات للحكومة، أو مطالبتها بتعديل سياساتها الاقتصادية بشكل عام، بما فيها السياسة النقدية.

وتأتي موازنة عام 2016-2017 وسط حالة من التراجع الاقتصادي، وخاصة ما يتعلق بالفجوة التمويلية، وعجز الموارد الدولارية، حيث صدر مؤخرا تقييم مؤسسة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني الذي خفض حالة الدولة المصرية من حيث النظرة المستقبلية، من مستقرة إلى سالبة، وتبعه خفض النظرة المستقبلية لبنوك القطاع العام بمصر (الأهلي، ومصر، والقاهرة) بطريقة مماثلة. وبالاطلاع على البيان المالي الذي ألقاه وزير المالية المصري عمرو الجارحي أمام مجلس النواب، يتضح أن هناك مجموعة من الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي سيتحملها المجتمع المصري خلال العام المقبل، ونشير إلى بعض من هذه الأعباء، بعد تناول الملامح العامة لمشروع موازنة العام المالي 2016-2017، (يبدأ العام المالي في مصر في أول يوليو/تموز).

الملامح العامة للموازنة
أشار البيان المالي عن مشروع الموازنة إلى أن إجمالي المصروفات يقدر بـ936.1 مليار جنيه مصري (105.4 مليارات دولار)، وأن إجمالي الإيرادات يقدر بـ631 مليار جنيه (71 مليار دولار دولار)، وأن العجز الكلي في الموازنة يقدر بـ319.5 مليار جنيه (35.9 مليار دولار).

وفيما يخص المصروفات تضمنت أبرز بنودها الأجور بنحو 228 مليار جنيه، وفوائد الدين العام بـ292.5 مليار جنيه، وبلغت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 210.3 مليارات جنيه، وخُصص للتعليم 103.9 مليارات جنيه، والصحة 48.9 مليار جنيه، ودعم المواد غير البترولية 66.1 مليار جنيه، ودعم الطاقة 35 مليار جنيه.

أما ما يتعلق بالإيرادات فقد أورد البيان المالي أن الضرائب العامة يقدر لها أن تحقق 209.2 مليارات جنيه، وضرائب المبيعات 172.3 مليار جنيه، والضرائب الجمركية 29.5 مليار جنيه، أما المنح فقدرت إيراداتها المتوقعة بنحو 2.2 مليار جنيه.

الأعباء الاقتصادية
*زيادة المديونية العامة: كرس البيان المالي لواحدة من أهم القضايا الاقتصادية المؤرقة للدولة المصرية في هذه المرحلة، حيث قدر الدين العام الحكومي بنحو 3.1 تريليونات جنيه، بما يمثل 97.1% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. ويعرض البيان هنا الدين العام بمعناه الضيق، فحسب بيانات البنك المركزي المصري فإن الدين العام يتضمن (الدين الحكومي + دين الهيئات الاقتصادية + دين بنك الاستثمار العام) أي ما يتعارف عليه بالدين العام بمعناه الواسع، وفي هذه الحالة ستكون قيمة الدين العام 3.46 تريليونات جنيه، أي ما يتجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي الذي قدرته وزارة التخطيط والمتابعة بنحو 3.3 تريليونات جنيه بنهاية يونيو/حزيران 2017.

مصر ستقترض 25 مليار دولار من روسيا لتمويل إنشاء محطة نووية (الأوروبية)

ولقد ترتب على زيادة الدين العام استحواذ فوائد الديون على مبلغ 292.5 مليار جنيه، وهو ما يزيد على مجموع مخصصات الأجور (228 مليار جنيه) مع مخصصات الصحة (48.9 مليار جنيه)، فضلا عن أن نظام إعداد الموازنة المصرية يتضمن فقط إدراج فوائد الديون ضمن مصروفات الموازنة، أما قيمة أقساط الدين فتدرج في الاستخدامات دون المصروفات، وإن كانت تمثل عبئا على الخزانة العامة للدولة، أي أن أقساط الديون والفوائد التي سيتحملها عام 2016-2017 هي 548.8 مليار جنيه.

*زيادة الجباية الضريبية: في الوقت الذي يتوقع فيه البيان المالي تراجع الإيرادات الضريبية بنهاية يونيو/حزيران 2016 بنحو ستين مليار جنيه عما كان مقدرا في موازنة عام 2015-2016، نجد أن مشروع الموازنة للعام المالي 2016-2017 يبالغ في تقديرات الإيرادات الضريبية لتصل إلى 433 مليار جنيه، بزيادة قدرها سبعين مليار جنيه عما هو متوقع بنهاية يونيو/حزيران 2016. والجدير بالذكر أن النشاط الاقتصادي يعاني من تراجع ملموس، وبخاصة أنشطة القطاع الخاص، حيث أشارت تقديرات مؤشر بنك دبي إلى تراجع نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر للشهر السابع على التوالي في أبريل/نيسان الماضي. ويعني ذلك أن أداء النشاط الاقتصادي لا يحتمل فرض زيادة في الضرائب، فضلا عن عزم الحكومة تطبيق ضريبة القيمة المضافة هذا العام.

*تمويل الاستثمارات بالديون: في الوقت الذي يعلن فيه البيان المالي عن رصد 107 مليارات جنيه للاستثمارات العامة، بنسبة تصل إلى 11.4% من إجمالي الإنفاق العام، نجد أن تمويل هذه الاستثمارات يعتمد على الديون بـ43 مليار جنيه، أي أن الاستثمار أصبح عبئا إضافيا على الاقتصاد القومي، نظرا لأن الجانب الكبير من هذه الاستثمارات لمشروعات بنية أساسية ليس لها عائد تسدد منه أعباء الديون.

الأعباء الاجتماعية
*تراجع دعم الفقراء: في الوقت الذي حافظ فيه مشروع موازنة 2016-2017 على دعم للصادرات بنفس مخصصات العام المالي الماضي بنحو 4.6 مليارات جنيه (وهو دعم يستفيد منه كبار رجال الأعمال من القطاع الخاص)، تراجعت مخصصات الدعم لقطاع الإسكان الاجتماعي إلى 1.5 مليار جنيه، بعد أن كانت العام الماضي ملياري جنيه، وهو ما يجعل المواطن لا يثق فيما يعلن عنه من افتتاح مشروعات تخص إسكان الفقراء بالمدن الجديدة.

الأزمة المالية تثقل كاهل المصريين (الجزيرة)

*إهمال الصعيد: في الوقت الذي تعاني فيه محافظات الصعيد من ارتفاع معدلات الفقر لتصل إلى 70% من مجموع السكان، كما هو الحال في محافظة أسيوط، نجد أن مخصصات دعم تنمية الصعيد ما زالت كما هي منذ سنوات بمبلغ 200 مليون جنيه، وهي أموال ترصد لدعم المشروعات بالمناطق الجديدة في الصعيد، ولم يتم تفعيل أو صرف هذه المبالغ على مدار السنوات الماضية لغياب المشروعات الجديدة هناك، وهو ما يفسر ظاهرة كون محافظات الصعيد طاردة للسكان والعمالة.

*التضخم يلتهم زيادة الرواتب: في الوقت الذي خصص فيه مشروع الموازنة زيادة ببند الأجور بنسبة 7.6% خلال عام 2016-2017، نجده لم يراع الأعباء التضخمية، حيث يصل معدل التضخم لنحو 10% في المتوسط خلال العام الحالي، كما أن الإيرادات الضريبية بمشروع الموازنة تتضمن زيادة متوقعة في المبالغ الواردة من ضرائب الرواتب لتصل إلى 32.7 مليار جنيه، مقارنة بمبلغ 28.7 مليار جنيه متوقع عن عام 2015-2016، أي أن هناك زيادة قدرها أربعة مليارات جنيه بنسبة 13.9%. وكان من الواجب أن تتواكب الزيادة في الأجور مع معدلات التضخم على الأقل، أو ألا يتم التوسع في المزيد من الضرائب المفروضة على رواتب العاملين.

--------
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة