هل اقتصاد كوريا الشمالية في طور الانفتاح؟   
السبت 1435/3/17 هـ - الموافق 18/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 0:52 (مكة المكرمة)، 21:52 (غرينتش)

لي يونغ وا

محاولة اجتذاب الاستثمارات
وفرة العمالة والتصنيع
ملف نزع السلاح النووي

إن النظام في كوريا الشمالية يتهاوى، فالبلاد تواجه قيوداً شديدة على إمدادات الطاقة، وكان اقتصادها راكداً منذ عام 1990، حيث كان نصيب الفرد في الناتج القومي، والذي يقدر بنحو 1800 دولار أميركي، يزيد قليلاً على 5% من نظيره في كوريا الجنوبية. ومن ناحية أخرى كان نقص إمدادات المواد الغذائية سبباً في معاناة 24 مليون كوري شمالي من الجوع، وأكثر من 25 رضيعا من كل ألف يموتون كل عام مقارنة بأربعة فقط في كوريا الجنوبية. ولكي يتسنى له البقاء فإن الاقتصاد الأكثر مركزية وانغلاقاً على مستوى العالم لابد أن ينفتح.

إن من شأن تحوّل كوريا الشمالية اقتصاديا إلى دولة أكثر ديناميكية وازدهارا، إلى جانب توفر السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، أن يخدم مصالح بيونغ يونغ، وأيضاً مصالح البلدان المجاورة لها والمجتمع الدولي بالكامل. ذلك أن انهيار كوريا الشمالية بشكل مفاجئ أو اندلاع صراع عسكري على شبه الجزيرة قد يقوض الأمن الإقليمي، وسيثقل كاهل البلدان المجاورة بالعبء المتمثل في الملايين من اللاجئين، فضلاً عن إنفاق مئات المليارات من الدولارات على جهود إعادة البناء.

وينبغي لهذه الاعتبارات أن تحفز المؤسسات الدولية والبلدان المجاورة لكوريا الشمالية على تقديم المعونات الغذائية والمساعدات الفنية، وتوجيه الاستثمار الذي تحتاج إليه البلاد للخروج من مأزقها الحالي والدخول في مرحلة الانتقال إلى اقتصاد السوق. ولكن تظل هناك عقبات كبرى تحول دون تحقيق هذا التعاون، وخاصة سياسات بيونغ يونغ الغامضة التي لا يمكن التنبؤ بها غالبا، والتي تجسدت في إعدام يانغ سونغ ثيك، وهو عم زعيمها كيم يونغ أون الذي كان رجلاً قوياً ذات يوم.

والنبأ السار هنا هو أن قيادات كوريا الشمالية متفهمة فيما يبدو أن متاعبها الحالية نابعة من نظامها الاقتصادي الذي يفتقر إلى الكفاءة بشكل صارخ. وفي خطابات أخيرة أكد كيم الحاجة لإصلاح الاقتصاد والانفتاح من أجل تنمية الزراعة والصناعات التحويلية التي تشغل العمالة بكثافة.

النبأ السار هنا هو أن قيادات كوريا الشمالية متفهمة فيما يبدو أن متاعبها الحالية نابعة من نظامها الاقتصادي الذي يفتقر إلى الكفاءة بشكل صارخ

محاولة اجتذاب الاستثمارات
وعلاوة على ذلك، أعلنت حكومة بيونغ يونغ، في محاولة لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية، عن إنشاء 14 منطقة اقتصادية خاصة جديدة. ومن المرجح أن يدعم القادة السياسيون والعسكريون في كوريا الشمالية هذه الجهود، وإن كان من منطلق الحفاظ على الذات، ما دامت لا تمس سلطاتهم أو الأمن الوطني.

على المستوى الرسمي، بدأت بيونغ يونغ الانفتاح على الاستثمار الأجنبي في عام 1984، عندما سنت الحكومة قانون المشاريع الأجنبية المشتركة، في أعقاب نجاح قانون مماثل في الصين. وفي عام 1993 واصلت كوريا الشمالية هذه الجهود بإنشاء منطقة راغين-سونبونغ الاقتصادية والتجارية الخاصة. ولكن هذه المبادرات لم تسفر عن نتائج كبيرة بعد، بسبب إحجام المستثمرين الأجانب عن العمل في دولة تفتقر إلى مصداقية السياسة الاقتصادية والبنية الأساسية المادية والمؤسسية المطلوبة لدعم المشاريع الكبيرة.

والآن ينبغي على كوريا الشمالية أن تحذو حذو فيتنام والصين، فتسعى لتنفيذ إصلاحات مثل إلغاء القيود التنظيمية والتحرير والخصخصة وتثبيت استقرار الاقتصاد الكلي، وأن تعمل كذلك على وضع نظام قانوني جديد وإنشاء مؤسسات جديدة. وتشكل مثل هذه السياسات الاقتصادية الداعمة للسوق والمتوجهة إلى الخارج ضرورة أساسية للنمو الاقتصادي الطويل الأمد.

ومن المؤكد أن البلاد لا تفتقر إلى إمكانات النمو، فرغم أنها لا تملك القاعدة الزراعية التي دفعت الإصلاحات في الصين وفيتنام في مستهل الأمر، فإن المزايا الجغرافية مثل الموانئ الطبيعية والموارد المعدنية الغنية من شأنها أن تمكنها من ملاحقة النمو الذي يقوده التصدير.

وفرة العمالة والتصنيع
فضلاً عن ذلك فإن الوفرة النسبية من العمالة ذات التعليم الجيد تعني ضمنياً انخفاض الأجور والقدرة على المنافسة على المستوى الدولي في أنشطة التصنيع التي تحتاج إلى عمالة كثيفة من قبيل صناعة الأحذية والمنسوجات والملابس الجاهزة وتجميع الأجهزة الإلكترونية، والتي من الممكن أن تشكل الأساس للتصنيع الذي تقوده الصادرات. ومن الممكن من أجل تحقيق هذه الغاية استخدام حصة كبيرة من القوة العاملة العسكرية في كوريا الشمالية، والتي تشكل حالياً ما يزيد على 8.5% من قوة العمل في أغراض أكثر إنتاجية.

وإذا كانت الظروف مواتية فسوف يكون بوسع بيونغ يونغ أن تستفيد من تأثير عملية اللحاق بالركب في تعزيز النمو، ذلك أن نصيب الفرد المنخفض من الدخل سيساعد في زيادة إنتاجية الاستثمار وتيسير نقل التكنولوجيا من الاقتصادات الأكثر تقدما.

وهذا يعني ضمنياً اضطلاع جيران كوريا الشمالية وخاصة كوريا الجنوبية واليابان بدور كبير. ولكن حتى وقتنا هذا لا يزال مجمع كيسونغ الصناعي -الذي يعمل فيه نحو خمسين ألف كوري شمالي تحت إدارة كوريا الجنوبية- الحالة الوحيدة للتعاون الاقتصادي بين الكوريتين.

حسب الخبير الاقتصادي ماركوس نولاند فإن تطبيع العلاقات التجارية بين الكوريتين كفيل بزيادة حصة كوريا الجنوبية في حجم تجارة كوريا الشمالية لتشكل نسبة 60%

إن الكوريتين شريكتان تجاريتان طبيعيتان، ففي عام 2012 بلغ حجم التجارة بينهما ملياري دولار، أي نحو 0.2% فقط من إجمالي تجارة كوريا الجنوبية، ولكن 29% من تجارة كوريا الشمالية. ووفقاً للخبير الاقتصادي ماركوس نولاند فإن تطبيع العلاقات التجارية بين البلدين كفيل بزيادة حصة كوريا الجنوبية في حجم تجارة كوريا الشمالية لتشكل نسبة 60%.

ومع الالتزام القوي بالإصلاح الاقتصادي والانفتاح -في ظل دعم دولي قوي- فإن كوريا الشمالية قادرة على محاكاة نجاح اقتصادات شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية، لكي تشهد نمواً سنوياً يتجاوز 5% على مدى العقود العديدة المقبلة.

ملف نزع السلاح النووي
ولكن الاقتصاد ليس الجانب الوحيد في مسألة كوريا الشمالية، فالبلاد حبيسة مأزق مع المجتمع الدولي الذي يريدها أن تتخلى عن الأسلحة النووية وأن تصبح دولة "طبيعية". وفي حال امتناعها عن التخلي عن هذه الأسلحة، تواجه كوريا الشمالية عقوبات اقتصادية أميركية، مع تجميد المساعدات الرسمية ومساعدات مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

ونظراً لاستبعاد احتمالات استجابة كوريا الشمالية ونزعها سلاحها النووي، على الأقل في المستقبل القريب، فإن الأمر يتطلب اتباع إستراتيجية بديلة، وينبغي للمجتمع الدولي -وخاصة كوريا الجنوبية- أن يدعم جهود بيونغ يونغ الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر انفتاحاً وتوجهاً نحو السوق من خلال توسيع التجارة والاستثمار، مع مواصلة العمل من أجل التوصل إلى تسوية بشأن نزع السلاح النووي. وقد يفضي الرخاء الناجم عن ذلك إلى التغيير السياسي مع مرور الوقت.

والحق أن مثل هذا التحول يشكل بالنسبة للمواطنين العاديين في كوريا الشمالية، وهم الأكثر معاناة في ظل النظام الحالي ضرورة بالغة الإلحاح.
ــــــــــــــ
أستاذ الاقتصاد ومدير معهد البحوث الآسيوية في جامعة كوريا، وكان أحد كبار مستشاري رئيس كوريا الجنوبية السابق لي ميونج باك للشؤون الاقتصادية الدولية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة