شح الوقود بغزة ينبئ بكارثة   
الخميس 1433/4/29 هـ - الموافق 22/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)
أدت أزمة الوقود لانقطاع الكهرباء عن سكان القطاع 18 ساعة يوميا (الفرنسية)

أدى النزاع بين مصر وحكومة حماس في غزة إلى ظهور أزمة طاقة بالقطاع هي الأسوأ منذ سنوات.

وأدت الأزمة لانقطاع الكهرباء عن سكان القطاع 18 ساعة يوميا، وشح الوقود الذي يشغل مولدات الكهرباء بالمستشفيات، وضخ المخلفات بمياه البحر المتوسط بسبب توقف محطات المعالجة، بينما أغلقت محطات البنزين أبوابها.  

وقد أدى انقطاع الكهرباء إلى تفاقم معاناة السكان الذين يشعرون بأنه ضحوا حتى باحتياجاتهم المعيشية الأساسية من أجل السياسة.

حماس ومصر
ويتركز النزاع بين حماس ومصر في ظاهره على الوقود، لكن فيما هو أعمق من ذلك، على العلاقة بين الجانبين.

ولا تريد حماس فقط من مصر تزويد القطاع بالوقود، لكنها تريد منها فتح خط تجاري مباشر مع القطاع المحاصر، في خطوة تستهدف تعزيز استقرار حكومة حماس بالقطاع الذي تحكمه منذ 2007 بعدما سيطرت عليه عقب إقصاء الموالين لفتح.

لكن مصر ترفض ذلك، في محاولة للنأي بعض الشيء بنفسها عن غزة، كما ترفض أن تنفض إسرائيل يدها بصورة كاملة من مسؤوليتها على القطاع الفقير والمكتظ بالسكان.

فإسرائيل التي انسحب جنودها من غزة عام 2005 بعد 38 سنة من الاحتلال العسكري لا تزال تتحكم في مداخل القطاع الجوية والبحرية، عدا كيلومترات قليلة تشكل الحدود بين القطاع ومصر.

وبعد سيطرة حماس على القطاع، فرضت كل من إسرائيل ومصر طوقا على حدود غزة في مسعى لإقصاء الحكومة الجديدة هناك.

ومنذ انهيار نظام حسني مبارك -الموالي للغرب- العام الماضي خففت مصر من القيود على حركة المسافرين، لكنها رفضت فتح طريق للبضائع. في نفس الوقت غضت الطرف عن تهريب الوقود والمواد الأخرى من خلال الأنفاق على الحدود مع غزة.

جذور الأزمة
وتعود جذور أزمة الوقود الحالية إلى قرار حماس قبل أكثر من عام استخدام الوقود المهرب في تشغيل محطة غزة الوحيدة للكهرباء، بدلا من دفع فواتير إمدادات الطاقة من إسرائيل.

وتزود المحطة قطاع غزة بنحو 60% من احتياجات الطاقة.

وقبل عدة أسابيع بدأ شح إمدادات الوقود المهرب من الأنفاق بسبب نقص في مصر ذاتها. كما شعرت القاهرة بعدم الراحة إزاء فرض حماس لرسوم على الوقود الذي هو بالأصل مدعوم من الحكومة المصرية ومخصص للمصريين.

وأغلقت المحطة يوم 10 فبراير/ شباط الماضي، بينما هبطت مخزونات الوقود بالقطاع وأغلقت محطات البترول بمدينة غزة قبل عدة أيام.

ويقول تجار إنه لم يصل إلى غزة منذ أيام أي مدادات وقود مهربة. ونتيجة لذلك هبطت إمدادات الوقود التي تشغل مولدات الكهرباء بالمستشفيات إلى مستويات خطيرة لتهدد مئات من المرضى كانوا يعتمدون على الطاقة الكهربائية بما في ذلك أطفال بالحاضنات ومرضى كلى يحتاجون للغسل الكلوي وآخرون في وحدات العناية المركزية.

وقد تم وقف نصف عدد سيارات الإسعاف التي تخدم مستشفى الشفاء -أكبر مستشفى بقطاع غزة- عن العمل.

تزود محطة غزة الرئسية القطاع بنحو 60% من احتياجات الطاقة (رويترز)

أما معظم السيارات الأخرى بالقطاع فقد توقفت أيضا عن العمل، بينما تزاحم الناس على سيارات الأجرة.

وأمرت الحكومة بغزة نحو 1800 موظف حكومي لديهم سيارات حكومية بمساعدة الناس في التنقل. وقد بدأ أصحاب السيارات التي تعمل بالديزل بصب زيت الطبخ بخزانات وقودها.

من ناحية أخرى انخفضت إمدادات المياه بصورة كبيرة بسبب عدم وجود ما يكفي من الوقود لضخ المياه الجوفية إلى السطح، وبدأ ضخ مخلفات الصرف الصحي بمياه البحر المتوسط بسبب عدم وجود وقود لتشغيل مضخات معالجة مياه الصرف.

وقال أمجد الشوا الذي يرأس شبكة من مجموعات المجتمع المدني "إننا سنرى كارثة حقيقية خلال 48 ساعة فيما يتعلق بالصحة والمياه والنقل".

إغلاق المعابر
كما تعود أصول مشكلة الوقود إلى بداية إغلاق المعابر إلى غزة من الجانبين المصري والإسرائيلي.

وفي البداية كان الاتحاد الأوروبي يشتري الوقود الذي تحتاجه محطة كهرباء غزة من إسرائيل من خلال المعابر. وطلب الاتحاد لاحقا من حكومة محمود عباس أن تدفع مقابل الوقود وأن تستعيد تلك المستحقات من حماس.

وبعد مواجهة مع حماس بدأت الأخيرة في دفع فاتورة الوقود من إسرائيل، قبل المقامرة باللجوء إلى الخيار الأرخص وهو الوقود المهرب من مصر.

والآن تريد حماس من مصر تزويد غزة بصورة علنية بالوقود من خلال معبر رفح لتمثل سابقة بفتح خط تجاري بين الجانبين. وتوافق مصر على إيصال الوقود لكنها تصر على تسليمه من خلال معبر كرم أبو سالم، طبقا لما أفاد به دبلوماسي مصري رفض الإفصاح عن هويته بسبب حساسية المسألة. وترى مصر أن إسرائيل، وليست هي، التي يجب أن تتحمل مسؤولية قطاع غزة.

وقال المسؤول "إننا إذا قبلنا ما تريده حماس فإن ذلك يعني إعفاء إسرائيل من هذه المسؤولية".

لكن حماس، في الجانب الآخر، ترى أن تزويد الوقود المصري لغزة عن طريق كرم أبو سالم يعطي إسرائيل السيطرة الكاملة على تلك الإمدادات.

الدفع بغزة لمصر

"
يشك مسؤولون من حماس بأن مصر تستخدم مسألة الوقود للضغط بصورة غير مباشرة على حماس لقبول صفقة المصالحة الوطنية التي قد تساعد عباس في استعادة بعض السيطرة على غزة
"

وأدى فصل إسرائيل للضفة الغربية الكامل عن غزة وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين بينهما إلى زيادة مخاوف الدول العربية من أن إسرائيل تنوي التخلص من غزة والزج بها إلى مصر، وحصر أي دولة فلسطينية في المستقبل بجزء صغير من الضفة الغربية.

يضاف إلى ذلك أن مصر تريد من حماس دفع الثمن السائد بالسوق للوقود الذي ستشتريه منها، والذي تقول حماس إنها لا تستطيع تحمله.

وزار الأيام الماضية مسؤولون من حماس كلا من قطر وتركيا والبحرين  سعيا للمساعدة في دعم أسعار الوقود. وقال رئيس وزراء حكومة حماس إسماعيل هنية إن قطر وعدت بالمساعدة.

ويتهم يوسف رزقة مستشار هنية مصر "بممارسة الابتزاز السياسي" وطالب البرلمان المصري المنتخب بـ "حل المسألة".

كما يشك مسؤولون من حماس بأن مصر تستخدم مسألة الوقود من أجل الضغط بصورة غير مباشرة على حماس لقبول صفقة المصالحة الوطنية التي قد تساعد عباس في استعادة بعض السيطرة على غزة، بعد أن تعثرت اتفاقية وقعها رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل مع رئيس السلطة الفلسطينية.

وفي الأيام الماضية خرج مؤيدو حماس للتظاهر بالقرب من الحدود المصرية لمطالبة القاهرة بتزويد القطاع بالوقود، في وقت تستمر فيه معاناة السكان من غياب الوقود والكهرباء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة