فلسطين وطن للبيع   
الأحد 1432/8/24 هـ - الموافق 24/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)

غلاف الكتاب وتتصدره لافتة للترحيب بالمشاركين في مؤتمر بيت لحم للاستثمار

 
 
صدرت في رام الله مؤخرا النسخة العربية من كتاب "فلسطين.. وطن للبيع" للكاتب خليل نخلة. ويتصدى الإصدار لمقولة التنمية في فلسطين والتي تتولاها الدول والمؤسسات المانحة منذ توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
 
ورغم تأكيد الكاتب التزامن العفوي بين إصدار الكتاب والأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية بفعل تراجع الدعم الأجنبي لخزينتها، فإن الكتاب يتناول تداعيات التدفق المالي الأجنبي المحمل بأجندات سياسية على القضية الفلسطينية عامة وتناقضه مع مفهوم "التنمية التحررية" التي يحتاجها شعب ما زال محكوما للاحتلال.
 
ويتصدر غلاف الكتاب -الذي ستصدر نسخته الإنجليزية في سبتمبر/أيلول القادم- صورة للوحة ذات دلالة تعبر عن مضمونه، حيث لافتة للترحيب بالمشاركين في "مؤتمر بيت لحم للاستثمار" التي نصبت على حاجز إسرائيلي.
 
يقول نخلة إن الصورة تحمل أربعة عناصر أساسية تناقض ما تسمى "التنمية في فلسطين": أولها شعار دولة الاحتلال "إسرائيل"، ثم شعار المنطقة الوسطى للجيش الإسرائيلي، وشعار الإدارة المدنية الإسرائيلية المسؤولة عن متابعة احتلال الضفة الغربية، والرابع شعار الشرطة الإسرائيلية.
 
ويذكر نخلة الشعار الخامس في أدنى اللوحة "المؤتمر الفلسطيني للاستثمار" وهو الإشارة الوحيدة التي توحي "بفلسطينية المشروع".

وفي ندوة لإطلاق الكتاب نظمت في رام الله أوضح نخلة أن كتابه عن ما وصفها "أسطورة التنمية الكاذبة في فلسطين" ليس مشروعا ربحيا، ويأتي تكملة لكتابه الذي صدر عام 2004 بعنوان "أسطورة التنمية في فلسطين: الدعم السياسي والمراوغة المستديمة"، لكن كما يقول "بصورة أشد نقدا وأقل سذاجة".
 
"
الكتاب يتناول تداعيات التدفق المالي الأجنبي المحمل بأجندات سياسية على القضية الفلسطينية عامة وتناقضه مع مفهوم "التنمية التحررية" التي يحتاجها شعب ما زال محكوما للاحتلال
"
تحالف أعاق التنمية
ويتناول الكتاب أساسا دور التحالف غير الرسمي المشكل من النخبة السياسية الرأسمالية الفلسطينية، والمنظمات الفلسطينية التنموية غير الحكومية، ووكالات المساعدات الأجنبية، في إعاقة ما يسميه "التنمية التحررية المرتكزة على الناس" وعرقلتها وتقويض دعائمها.
 
ولا يزعم نخلة أنه تحالف مخطط له وواع لذاته من قبل الأطراف الثلاثة، لكنه يرى أنه كلما ازداد التقارب بين هذا التحالف أصبحت ادعاءات التنمية الرسمية أكثر أسطورية وخداعا، ويضحي غرضها الأساسي تهميش أكبر عدد ممكن من الأفراد.
 
ويشمل مقصد نخلة من "التنمية التحررية" مفهوم التنمية "عند استخدامه بدون تقييد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبشرية والمجتمعية المستدامة والساعية لتوسيع خيارات الإنسان الفردية والجماعية إلى أقصى الحدود".
 
وتفاديا للانتقاد يوضح نخلة أن كتابه جاء بعد تجربة في العمل مع المنظمات والمؤسسات الدولية المانحة لمدة جاوزت 25 عاما، خاصة مع الاتحاد الأوروبي ومؤسسة التعاون التي يقوم عليها رأسماليون فلسطينيون معروفون.
 
ويورد الكاتب مثلا نقدا لتجربة مؤسسة التعاون، أكبر مؤسسات الوساطة لتمويل المشاريع في الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
ويذكر كيف دفع الرأسماليون الفلسطينيون التعاون "للانحياز لفصيل دون آخر في رؤيتهم لتوزيع المبالغ المخصصة "لمشاريع التنمية". وللتقرب أكثر فأكثر من حركة فتح، وخاصة مع اقتراب وصول الرئيس الراحل ياسر عرفات ومنظمة التحرير إلى "صفقة تاريخية" مع إسرائيل بموافقة أميركية.
 
ويعبر نخلة عن خيبة أمل عميقة لقناعته "الساذجة" سابقا بأن وجود رأس مال فلسطيني "مستقل" سيوفر فرصة تاريخية ونادرة لتحويل "مجتمعنا الرازح تحت الاحتلال إلى مجتمع مقاوم واسع الحيلة ومتماسك وثابت من خلال توفر أموال فلسطينية نظيفة وغير مشروطة".
 
وبالنتيجة يعتقد نخلة أن كل المحاولات لخلق ما تسمى مؤسسات الدولة والتنمية الاقتصادية ستظل "فاشلة" ولا يمكن أن تنجح ما دامت تحت سقف الاحتلال وسقف اتفاق أوسلو وإقامة دولة في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس.
 
 ويعتقد أن فشل التنمية يعود لجملة تحديدات أبرزها غياب السيادة السياسية والاقتصادية والغذائية للفلسطينيين، والاعتماد المطلق على المساعدات الغربية، وكذلك طبيعة الطبقة الرأسمالية الفلسطينية التي تهدف في استثماراتها لزيادة التربح وتصدير ناتج ذلك خارج فلسطين.
 
خليل نخلة: الكتاب ثمرة 25 عاما من العمل في حقل الدعم والتمويل الأجنبي
إعادة هندسة المجتمع
ومن ناحية مجتمعية يعتقد نخلة أن إقامة "سلطة أوسلو" التي ترفد بالمساعدات ليست سوى محاولة لإعادة هندسة المجتمع الفلسطيني بما يشمل تغيير القيم الثقافية ومفهوم الاقتصاد بالاستناد إلى الاستهلاك وليس الإنتاج.
 
وفي السياق يشير نخلة إلى "طغيان وتحكم وكالات التمويل العابرة للحدود القومية" مثل البنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية (Usaid) وغيرها التي تعمل بقوة في الأراضي المحتلة وتتحكم بكل جوانب الحياة الفلسطينية من الطعام إلى المواقف السياسية.
 
ويرى الكاتب أن المخرَج يتمثل فقط في إعادة تعريف وتوجيه الوعي الجماعي وفهم الاتجاهات العالمية التي تؤثر بالفلسطينيين، والعمل على خلق نسيج اجتماعي صلب ومتماسك، مع الإدراك أن فلسطين جزء من العالم المعولَم وتتأثر أكثر من غيرها بذلك.
 
ويدعو نخلة إلى مراجعة المناهج التعليمية الأساسية باعتبار التعليم "مشروعا وطنيا وليس سلعة تباع وتشترى وتتطور بالدعم الخارجي"، على أن يتم ذلك من مصادر وطنية صرفة، مع القناعة بأن الفلسطينيين يعيشون صراعا طويل المدى ولا حلول سياسية أو اقتصادية سريعة له.
 
ولا يبرئ الكاتب المساعدات العربية أيضا من محاولة فرض الأجندات السياسية على الفلسطينيين، معتبرا أن كل الأموال التي تصل فلسطين بالمطلق هي ذات أبعاد وغايات سياسية بالدرجة الأولى.
 
إضافة فكرية ومعلوماتية
ويعتقد الباحث إبراهيم الشقاقي أن كتاب "فلسطين.. وطن للبيع" يقدم إضافة فكرية ومعلوماتية.
 
ففي سنة 2009 قدر ما وصل الفلسطينيين من مساعدات بما معدله 850 دولارا للفرد، وهو أعلى بعشرات المرات من حصة الفرد من المساعدات في دول مثل هايتي وناميبيا ودول أفريقية تتلقى مساعدات خارجية.
 
أما فكريا فيركز الكتاب من وجهة نظر الشقاقي على حالة استبدال المفاهيم، مثل استبدال مفهوم التنمية بـ"النمو الاقتصادي" الذي أعلنت الحكومة الفلسطينية أنه وصل إلى 9% العام الماضي، ووصف ذلك بالنمو غير المفيد، أي بلا أثر على مستوى العمالة والبطالة ودخل الفرد.
 
وحسب الشقاقي فإن هذا الاستبدال طال كل القطاعات الاقتصادية. فبدلا من تنمية القطاع الزراعي والصناعي تركز الدعم على قطاع الرواتب والنفقات التشغيلية، ونشأت بذلك علاقة عكسية "فكلما نمت ودفعت الرواتب بانتظام تراجعت القطاعات الإنتاجية الأخرى".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة