أوروبا وكارثة التقشف   
الثلاثاء 1435/12/6 هـ - الموافق 30/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)

 جوزيف ستيغليتز

ادعاء النصر استنادا إلى أضعف الأدلة
الكساد والبطالة والتقشف
الافتقار للطلب يعوق الاستثمار

ادعاء النصر استنادا إلى أضعف الأدلة
"إذا لم تتفق الحقائق مع النظرية، فعلينا أن نغير النظرية"، هذا ما ذهب إليه القول المأثور القديم.

ولكن في كثير من الأحيان يكون إبقاء النظرية وتغيير الحقائق أسهل، أو هكذا تتصور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وغيرها من الزعماء الأوروبيين المؤيدين للتقشف. ورغم أن الحقائق تحدق في وجوههم دون انقطاع فإنهم يصرون على إنكار الواقع.  

إن التقشف كان كارثة مطلقة وتامة، وهو ما بات واضحا على نحو متزايد مع مواجهة اقتصادات الاتحاد الأوروبي للركود مرة أخرى، إن لم يكن ركودا ثلاثيا، مع تسجيل البطالة معدلات مرتفعة غير مسبوقة

لقد فشل التقشف، لكن المدافعين عنه على استعداد لادعاء النصر استنادا إلى أضعف الأدلة على الإطلاق، فما دام انهيار الاقتصاد قد توقف فهذا يعني بالضرورة أن التقشف كان ناجحا. لكن إذا كان هذا هو المعيار، فبوسعنا أن نقول إن القفز إلى الهاوية هو أفضل وسيلة للنزول إلى أسفل الجبل، فقد توقف السقوط في نهاية المطاف على أي حال.

لكن كل انحدار يبلغ منتهاه، ولا ينبغي لنا أن نقيس النجاح على حقيقة مفادها أن التعافي حدث في نهاية المطاف، بل على مدى سرعة تمكين هذا التعافي وشدة الضرر الذي ترتب على الهبوط.

ومن هذا المنظور كان التقشف كارثة مطلقة وتامة، وهو ما بات واضحا على نحو متزايد مع مواجهة اقتصادات الاتحاد الأوروبي للركود مرة أخرى، إن لم يكن ركودا ثلاثيا، مع تسجيل البطالة معدلات مرتفعة غير مسبوقة وبقاء نصيب الفرد الحقيقي (المعدل تبعا للتضخم) في الناتج المحلي الإجمالي في العديد من البلدان عند مستويات أدنى من التي كان عليها قبل الركود.

وحتى في الاقتصادات الأفضل أداء على الإطلاق، مثل ألمانيا، كان النمو منذ أزمة 2008 بطيئا حتى إنه كان يعد في أي ظروف أخرى محزنا قابضا للصدر.  

الكساد والبطالة والتقشف
وتعاني البلدان الأكثر تضررا من الكساد، ولا أجد كلمة أخرى أصف بها اقتصادا مثل اقتصاد إسبانيا أو اليونان، حيث يعجز واحد من كل أربعة أشخاص تقريبا -وأكثر من 50% من الشباب- عن العثور على فرصة عمل. وأن نقول إن الدواء كان ناجحا، لأن معدل البطالة تراجع بنحو نقطتين مئويتين أو ما إلى ذلك، أو لأن المرء ربما يلمح بصيصا من النمو الهزيل، أمر أشبه بحلاق في القرون الوسطى يزعم أن الحِجامة مفيدة بكل تأكيد لأن المريض لم يمت بعد.

باستقراء النمو المتواضع في أوروبا منذ العام 1980 فصاعدا، تُظهِر حساباتي أن الناتج في منطقة اليورو اليوم أدنى من المستوى الذي كان سيصبح عليه لو لم تندلع أزمة 2008 المالية بنسبة تتجاوز 15%، وهو ما يعني ضمنا خسارة نحو 1.6 تريليون دولار هذا العام وحده، فضلا عن خسارة تراكمية تتجاوز 6.5 تريليونات دولار.

والأمر الأكثر إزعاجا أن الفجوة تتسع ولا تضيق (كما كان المرء يتوقع بعد الانكماش، حيث يكون النمو أسرع من الطبيعي عادة مع سعي الاقتصاد إلى التعويض عن الأرض المفقودة).

الأمر ببساطة أن الركود الطويل يعمل على خفض النمو المحتمل في أوروبا. ويعجز الشباب عن اكتساب المهارات المتراكمة كما كان ينبغي لهم. وهناك أدلة دامغة تؤكد أنهم يواجهون احتمال انخفاض دخولهم على مدى حياتهم بشكل كبير عن المستويات التي كانت ستصبح ممكنة لو نشؤوا في فترة تتسم بالتشغيل الكامل للعمالة.

ومن ناحية أخرى، ترغم ألمانيا بلدانا أخرى على الالتزام بسياسات تعمل على إضعاف اقتصادها ونظامها الديمقراطي.

فعندما يصوت المواطنون بشكل متكرر لصالح تغيير السياسة -وهناك قِلة من السياسات قد تكون أكثر أهمية للمواطنين من تلك التي تؤثر على مستويات معيشتهم- ولكن يُقال لهم إن مثل هذه الأمور يتخذ القرار بشأنها في مكان آخر أو إنهم لا خيار لهم، فإن إيمانهم بالديمقراطية والمشروع الأوروبي يتراجع بالضرورة.

قبل ثلاث سنوات صوتت فرنسا لصالح تغير المسار، ولكن بدلا من هذا، أعطِي الناخبون جرعة أخرى من التقشف الداعم لقطاع الأعمال. والواقع أن أحد المقترحات الأطول عمرا في الاقتصاد هو أن مضاعف الميزانية المنضبطة -زيادة الضرائب والإنفاق بالتزامن- يعمل على تحفيز الاقتصاد. وإذا استهدفت الضرائب الأغنياء، واستهدف الإنفاق الفقراء، فإن المضاعف قد يرتفع بشكل خاص. ولكن حكومة فرنسا الاشتراكية المزعومة تعمل على خفض الضرائب على الشركات وخفض الإنفاق، وهي وصفة تكاد تكون مضمونة تماما لإضعاف الاقتصاد، ولكنها رغم ذلك تنال الاستحسان الشديد من ألمانيا.

الافتقار للطلب يعوق الاستثمار
والأمل الآن يتلخص في أن تعمل الضرائب المخفضة المفروضة على الشركات على تحفيز الاستثمار. ولكن هذا هراء محض. فالسبب الذي يعوق الاستثمار (سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا) هو الافتقار إلى الطلب، وليس الضرائب المرتفعة.

يعمل الركود الطويل على خفض النمو المحتمل في أوروبا, ويعجز الشباب عن اكتساب المهارات المتراكمة كما كان ينبغي لهم

ولأن أغلب الاستثمار يمول بالاستدانة، ولأن أقساط الفائدة معفاة من الضرائب، فإن مستوى الضريبة المفروضة على الشركات لا يؤثر كثيرا على الاستثمار.

وعلى نحو مماثل، يجري تشجيع إيطاليا على تسريع وتيرة الخصخصة. ولكن رئيس الوزراء ماتيو رينزي يملك من الحس السليم القدر الذي يجعله يدرك أن بيع الأصول الوطنية بأسعار بخسة أمر يجافي العقل والمنطق. ولا بد أن يكون تحديد الأنشطة التي يتعين على القطاع الخاص أن يمارسها مستندا إلى التعرف على المجالات التي تشهد تنفيذ هذه الأنشطة بأكبر قدر من الكفاءة، وعلى النحو الذي يخدم مصالح أغلب المواطنين على الوجه الأفضل.

فقد أثبتت خصخصة معاشات التقاعد على سبيل المثال أنها ممارسة باهظة التكاليف في البلدان التي حاولت تنفيذ هذه التجربة، والواقع أن نظام الرعاية الصحية الخاص في أغلبه في الولايات المتحدة هو الأقل كفاءة على الإطلاق في العالم، إنها أسئلة صعبة في حقيقة الأمر، ولكن من السهل أن نثبت أن بيع الأصول المملوكة للدولة بأسعار بخسة ليست وسيلة جيدة لتحسين القوة المالية في الأمد البعيد.

الحق أن كل المعاناة في أوروبا والمتمثلة في خدمة اليورو تصبح أكثر مأساوية كونها غير ضرورية. ورغم تصاعد الأدلة التي تؤكد فشل التقشف باستمرار، فإن ألمانيا وغيرها من الصقور تضاعف الاعتماد عليه، فتراهن بمستقبل أوروبا على نظرية فقدت مصداقيتها منذ أمد بعيد. ولماذا إذن نزود أهل الاقتصاد بالمزيد من الحقائق لإثبات فشل التقشف؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ في جامعة كولومبيا. وأحدث مؤلفاته كتاب اشترك في كتابته مع بروس جلينوالد بعنوان "خلق مجتمع التعلم: نهج جديد في التعامل مع النمو والتنمية والتقدم الاجتماعي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة