الدين الأميركي ليس ملاذا آمنا   
الخميس 1431/2/27 هـ - الموافق 11/2/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:14 (مكة المكرمة)، 14:14 (غرينتش)
متى تدق الأزمة أبواب آخر قلاع الغرب على الجانب الآخر من الأطلسي؟  (رويترز)

من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن أزمة المديونية الحكومية التي تتكشف حاليا في العالم لتضرب دولا بالمجموعة الأوروبية ستقتصر فقط على الاقتصادات الهشة بالمجموعة، فهي أشمل من ذلك لأنها أزمة مالية العالم الغربي.
 
وتقول فايننشال تايمز في تحليل كتبه نيال فرغسون وهو محرر بالصحيفة وصاحب كتابي "صعود المال"، و"التاريخ المالي للعالم"،  إن للأزمة التي بدأت في أثينا وتمتد إلى لشبونة ومدريد تداعيات أعمق بكثير مما يدركه معظم المستثمرين.
 
وهناك ملامح مميزة لأزمة منطقة اليورو بسبب الطريقة التي أنشئ بها الاتحاد النقدي الأوروبي. فلا توجد مثلا آلية لإنقاذ الحكومة اليونانية بمساعدة الاتحاد الأوروبي أو أي من أعضائه أو البنك المركزي الأوروبي.
 
صحيح أن المادة 122 من اتفاقية إنشاء الاتحاد تسمح بمساعدة الدول المهددة بصورة خطيرة بمشكلات ناجمة عن الكوارث الطبيعية أو آثار تترتب على أحداث خارجة عن إرادتها، لكن أحدا هنا لا يستطيع الادعاء بأن مشكلة العجز المتفاقم لأثينا لا دخل لها فيها. كما أنه لا توجد طريقة تستطيع من خلالها اليونان خفض عملتها، كما فعلت قبل إنشاء الاتحاد، عندما خفضت قيمة الدراخما, ناهيك عن أنه لا توجد آلية لليونان للانسحاب من منطقة اليورو.
 
خيارات ثلاثة
وهذه المعطيات تترك اليونان أمام ثلاثة خيارات: أولها خفض العجز إلى 3% من 13% من الناتج المحلي الإجمالي خلال ثلاثة أعوام وهو إجراء جد قاس ويعتبر أحد أقسى الإجراءات في التاريخ الأوروبي الحديث, وثانيهما التخلف عن تسديد كل أو بعض الديون الحكومية، والثالث وهو الأقرب بحسب مسؤولين ألمان, نوع من الحفز تقوده برلين.
 
وفي غياب مفاضلة بين الخيارات الثلاثة, ولأن أي قرار إزاء اليونان ستنعكس آثاره على البرتغال وإسبانيا وبعض الدول الأخرى، فإن اتخاذ قرار سيحتاج للكثير من الوقت، والأخذ والرد.
 
لكن خصوصية منطقة اليورو يجب ألا تصرف الانتباه عن الطبيعة العامة للأزمة المالية التي تعصف حاليا بمعظم الاقتصادات الغربية.
وبأي صفة أطلقتها، فالمشكلة في واقع الأمر هي أزمة ديون متشابهة من أيسلندا إلى أيرلندا إلى الولايات المتحدة لكنها تأتي بأحجام مختلفة.
 
وكان من مسبباتها تضخم إنفاق الحكومات رغم أن أثر خطط التحفيز كان أقل بكثير مما كان يأمله المدافعون عن هذه السياسة. ومما لا شك فيه أن هناك عدوى تسري من الاقتصادات المفتوحة إلى مناطق العالم الأخرى في عصر العولمة. كما لا ننسى حقيقة أن انفجار المديونية الحكومية تسبب في التزامات يجب تسديدها في وقت أقصر بكثير مما يعتقد.
 
الملاذ الآمن
ويبدو أن يوم الحساب بالنسبة للاقتصاد الأكبر في العالم لا يزال بعيدا. لكن كلما تدهور الوضع في منطقة اليورو ارتفع سعر صرف الدولار وكدس المستثمرون أموالهم فيما يسمى بالملاذ الآمن لديون الولايات المتحدة. وقد يستمر هذا الوضع لشهور كما كان الوضع في نهاية 2008 عندما ارتفع سعر صرف الدولار وسندات الخزانة الأميركية.
 
لكن نظرة سريعة على الموقف المالي للحكومة الاتحادية، ناهيك عن الولايات، تكذب مقولة الملاذ الآمن.
 
فالدين الأميركي ملاذ آمن بالضبط بالطريقة التي كانت بها بيرل هاربر عام 1941 ملاذا آمنا.
 
وحتى بالاستناد إلى توقعات البيت الأبيض فإن الدين العام للولايات المتحدة سيزيد عن نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامين فقط.
 
وكما كان الوضع في العام السابق سيصل عجز الموازنة إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
 
واستنادا أيضا إلى تقديرات مكتب الموازنة التابع للكونغرس فإن الولايات المتحدة لن تنعم بموازنة متوازنة. هذا صحيح، لأن ذلك لن يتحقق أبدا.
 
وطبقا لتقديرات صدرت مؤخرا عن صندوق النقد الدولي حول الإصلاحات المالية التي يجب على الاقتصادات المتقدمة القيام بها في السنوات العشر القادمة من أجل استعادة الاستقرار المالي، كان الوضع الأسوأ في اليابان وبريطانيا. ويرى الصندوق أنه يجب عليهما خفض العجز بنسبة 13% من الناتج المحلي الإجمالي. وتلتهما أيرلندا وإسبانيا واليونان بنسبة 9%. وجاءت الولايات المتحدة في المركز السادس حيث يجب عليها خفض العجز بنسبة 8.8% ليتماشى وضعها مع قواعد الصندوق.
 
انفجار الدين العام
 إن انفجار الدين العام يضر بالاقتصاد، كما تقول الدراسات التجريبية. فمع زيادة المخاوف من عدم الوفاء بالتزامات الديون وهبوط سعر صرف العملة الذي يرافق ذلك يدفع هذا الوضع سعر الفائدة إلى الارتفاع. ويؤدي رفع سعر الفائدة بالتالي إلى نمو في وقت يكون فيه القطاع الخاص يعاني أيضا من أعباء الديون كما هو الحال في الاقتصادات الغربية والولايات المتحدة.
 
ورغم أن المدخرات العائلية ارتفعت منذ بداية الركود فإنها لم ترتفع بصورة تستوعب كمية السندات التي يتم إصدارها سنويا بقيمة تريليون دولار.
 
لذلك وقف عاملان فقط في وجه ارتفاع سعر الفائدة على السندات الأميركية وهما شراء السندات من قبل الاحتياطي الاتحادي أو البنك المركزي ثم تكديس الصين لاحتياطيات النقد الأجنبي.
 
لكن الاحتياطي الاتحادي خفض مشترياته من السندات مع انخفاض الحاجة لخطط التحفيز الاقتصادي. أما الصين فقد خفضت شراءها من السندات الأميركية من 47% من مجمل السندات التي صدرت عام 2006 إلى 20% في 2008 إلى نحو 5% في 2009.
 
فلم يكن من المستغرب أن يتوقع بنك مورغان ستانلي أن سعر الفائدة على السندات الأميركية التي تبلغ مدتها عشرة سنوات سيرتفع إلى 5.5% هذا العام من 3.5%.
 
وبترجمة ذلك بلغة الدين الاتحادي الذي يبلغ 1.5 تريليون دولار هذا العام فإنه يعني التزاما بخدمة دين إضافي قيمتها 300 مليار دولار. ويمكن تصور الوضع بعد معرفة أن معظم الدين يستحق السداد قبل 50 شهرا.
 
أي قرار إزاء اليونان ستنعكس آثاره على البرتغال وإسبانيا وبعض الدول الأخرى (الفرنسية -أرشيف)
وتقول إدارة الرئيس باراك أوباما إن الناتج المحلي سينمو بنسبة 3.6% سنويا في السنوات الخمس القادمة وسيصل معدل التضخم إلى 1.4%. لكن مع ارتفاع السعر الحقيقي للفائدة على السندات فإن معدل النمو سيكون أقل من ذلك بكثير. وفي هذه الظروف فإن المبالغ التي يجب على الحكومة تسديدها  بوصفها خدمة للدين سترتفع وستتعاظم لتمثل عشر ثم خمس ثم ربع العائدات الحكومية.
 
وحذرت مؤسسة التصنيف الائتماني (موديز) الأسبوع الماضي من أنه ينبغي ألا ينظر إلى أن التصنيف الائتماني الذي تتمتع به الولايات المتحدة وهو
 ( AAA)  أو ثلاثة أي،  على أنه من المسلمات.
 
ويعيد التحذير إلى الذاكرة التساؤل الذي أطلقه لاري سمرز كبير اقتصاديي البيت الأبيض قبل أن يتبوأ منصبه الحالي، وهو "إلى متى تستطيع أكبر دولة مدينة في العالم أن تظل القوة العظمى؟".
 
وبتمعن، فقد بدأت الأزمة المالية في اليونان، مهد الحضارة الغربية وستمخر البحر قريبا إلى بريطانيا. ويبقى السؤال: متى تدق الأزمة أبواب آخر قلاع الغرب على الجانب الآخر من الأطلسي؟
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة